هناك أحداث تُقاس بالأرقام، وأحداث تُقاس بما تتركه في الذاكرة، أما ما شهدته اليمن في إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، فإن محاولة اختصاره في عدد ساحات أو حجم حشود أو ساعات فعالية تظل أقل من المشهد نفسه.
منذ أن بدأت الاستعدادات، أخذت المناسبة طريقها إلى المحافظات والمديريات والعزل والقرى. ساحات أُعدّت، وفعاليات أقيمت، وأمسيات إنشادية وخطابية احتضنتها مناطق متعددة، وندوات وبرامج ثقافية وروحانية امتدت في مواقع مختلفة، حتى صار للمناسبة حضور في تفاصيل الحياة العامة في مناطق واسعة من البلاد. ثم جاء يوم المولد فإذا باليمن أمام مشهد واسع؛ ساحات تستقبل المشاركين، وطرق تتجه إليها الجموع، ومديريات تتحرك، وقرى ترسل أبناءها، ومراكز للفعاليات تزدحم بالقادمين.
لم تكن الحركة محصورة في مدينة واحدة، ولم يكن المشهد مرتبطًا بساحة منفردة. كانت هناك ساحات متعددة في المحافظات، ولكل ساحة قصتها الخاصة، وجمهورها، وفعالياتها، ولجانها التي عملت على إعدادها وتنظيمها،
من القرية بدأت الصورة:
قبل أن تصل الحشود إلى الساحات الكبرى، كانت المناسبة قد بدأت في مكان آخر: في القرية.
مجالس، ومساجد، ومدارس، وساحات محلية، وأمسيات، ولقاءات، وأناشيد، وكلمات، واستعدادات متدرجة، ومن هذه المساحات الصغيرة اتسعت الدائرة شيئًا فشيئًا.
قرية تتفاعل، ثم منطقة، ثم عزلة، ثم مديرية، ثم المحافظة؛ حتى أصبح يوم المناسبة موعدًا تلتقي فيه تلك المسارات كلها.
وهنا تظهر إحدى أكثر صور المناسبة وضوحًا: أن المشاركة لم تكن محصورة في مركز حضري، وإنما امتدت إلى مجتمعات محلية متباعدة، حملت كل واحدة منها طريقتها الخاصة في إحياء المناسبة.
ساحات المحافظات:
المشهد يتكرر بأحجام مختلفة، في كل محافظة كانت هناك ساحة تنتظر جمهورها، وفي كل ساحة كانت هناك لجان تعمل قبل وصول الناس: تجهيز، ترتيب، تنظيم، خدمات، إعلام، صحة، أمن، ودفاع مدني، ثم بدأ القادمون بالتوافد.
تصل مجموعة، ثم أخرى، ثم تتسع المساحات المخصصة للحضور، ويزداد الضغط على المداخل والطرق، وتبدأ الساحة في تغيير ملامحها مع كل موجة جديدة من المشاركين.
ومع استمرار التوافد، لم يعد السؤال: هل سيحضر الناس؟ بل أصبح السؤال: كيف ستستوعب الساحات كل هذا الحضور؟
فعالية واحدة في الذاكرة... وفعاليات لا تحصى في الميدانوالقيمة الحقيقية للمشهد لا تكمن في الفعالية المركزية وحدها.
هناك عشرات ومئات الفعاليات التي سبقتها ورافقتها؛ أمسيات في العزل، ندوات في المديريات، فعاليات إنشادية، لقاءات ثقافية، برامج توعوية، ومجالس جمعت أبناء المناطق.
كل واحدة منها كانت مساحة صغيرة تحمل عنوان المناسبة، حتى اجتمعت هذه المساحات في يوم واحد لتشكّل لوحة واسعة على امتداد المحافظات.
ولهذا فإن الحديث عن حجم المناسبة لا ينبغي أن يبدأ من الساحة المركزية وينتهي عندها؛ بل من المجتمع الذي تحرك نحوها.
اليمنيون... حضور لا يحتاج إلى كثير من الشرح:
حين تتعدد الساحات، وتتعدد المحافظات، ويستمر وصول المشاركين، يصبح حجم التفاعل واضحًا من المشهد نفسه.
رجال كبار في السن، شباب، أطفال، أسر، شخصيات اجتماعية، تربويون، مثقفون، عاملون في المؤسسات، ومنظمون ومتطوعون؛ فئات متعددة وجدت لنفسها موضعًا في هذه المناسبة.
وكان اللافت أن كثيرًا من الناس لم يكتفوا بالحضور في يوم الفعالية؛ بل شاركوا قبلها في الإعداد، والأنشطة، والأمسيات، والتجهيزات.
وهكذا أصبح التفاعل سلسلة متصلة: استعداد، ثم فعالية، ثم حضور، ثم توثيق، ثم استمرار في نشر المشاهد، والإعلام وجد أمامه مادة بحجم البلاد ولم يكن أمام الإعلاميين مشهد واحد يغطونه ثم يغلقون كاميراتهم، كانت أمامهم محافظات متعددة، وساحات متعددة، وحشود متعددة، وفعاليات متزامنة.
كاميرا في ساحة، وأخرى على طريق، وثالثة ترصد فعالية محلية، ورابعة تلتقط مشهدًا من محافظة أخرى، وهكذا أصبح الحدث نفسه متعدد الصور. مشهد واسع من الأعلى، ووجوه المشاركين من الداخل، أصوات الأناشيد، الكلمات، حركة القادمين، التنظيم، الخدمات، وتفاصيل يوم طويل.
إنها مادة إعلامية لا تنتهي بانتهاء البرنامج؛ لأن كل محافظة تحمل جانبًا من القصة، وخلف الساحات رجال ونساء لا تراهم الكاميرات كلما اتسع الحضور، اتسعت معه دائرة المسؤولية.
هناك من أعد الساحة، ومن تابع الخدمات، ومن نظم الدخول والحركة، ومن تولى الجانب الصحي، ومن استعد للطوارئ، ومن تابع الجانب الأمني، ومن عمل في الإعلام، ومن ظل في الميدان منذ الساعات الأولى.
وهناك من عمل بعيدًا عن المنصة، ولم يظهر في صورة واحدة، لكن نجاح أي فعالية جماهيرية بهذا الحجم يحتاج إلى هؤلاء جميعًا.
ولذلك فإن الصورة التي ظهرت أمام الناس لم تكن نتيجة ساعات قليلة، وإنما حصيلة أيام من العمل والتحضير والمتابعة، مشهدٌ يصعب على الكلمات احتواؤه.
الذين يبلغون رسالات الله:
ربما تستطيع صورة واحدة أن تقول أكثر مما تستطيع صفحات كاملة، ساحة ممتلئة. طريق مزدحم بالقادمين. رايات تملأ المكان. أصوات الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجوه جاءت من مناطق بعيدة، وأطفال يقفون إلى جوار آبائهم، وشيوخ يحملون ذكرياتهم عن المناسبة، وشباب يعملون في التنظيم والإعلام والخدمة.
ثم تنظر إلى الصورة مرة أخرى، فتكتشف أن الساحة ليست وحدها الممتلئة؛ المشهد كله ممتد خارج حدودها.
رسالة المحبة التي أراد اليمنيون إيصالها:
بالنسبة للمشاركين، لم تكن المناسبة مجرد عنوان في نشرات الأخبار بل إنها مناسبة مرتبطة بمحبة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وباستحضار سيرته ورسالته وأخلاقه ومكانته في وجدانهم.
ولهذا ظهر التفاعل بهذه الصورة الواسعة، وتعددت الفعاليات، وتزينت الساحات، وارتفعت الأصوات بالمدائح والأناشيد والصلاة والسلام عليه.
وهنا ينبغي أن تُقرأ الصورة كما هي: مجتمع واسع اختار أن يعبر عن محبته واحتفائه بطريقته، وأن يجعل المناسبة حاضرة في ساحاته وبيوته ومجتمعاته، وما بعد الفعالية ليس مثل ما قبلها فانتهاء الفعاليات لا يعني انتهاء المشهد.
الصور ما زالت تُنشر، والمقاطع ما زالت تصل إلى الناس، والتقارير ما زالت تُكتب، والمشاهد التي التقطتها العدسات تحتاج إلى وقت حتى تصل إلى جمهورها الكامل.
ولهذا فإن حجم المناسبة سيظهر أكثر مع تراكم المواد الموثقة من المحافظات المختلفة. كل صورة تضيف جزءًا. كل محافظة تضيف فصلًا. كل ساحة تكشف زاوية، وكل فعالية محلية تكمل الصورة الكبرى.
وحين نجمع هذه التفاصيل معًا، تظهر الصورة التي يصعب وصفها بجملة واحدة: محافظات متعددة، ومديريات كثيرة، وساحات ممتلئة، وفعاليات متزامنة، وأمسيات سبقت المناسبة، وحشود تحركت من القرى والعزل، ولجان عملت في الميدان، وإعلام وثّق، وخدمات صحية وأمنية وتنظيمية واكبت الحدث، كل ذلك اجتمع حول مناسبة واحدة: ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولعل أبلغ ما يمكن قوله في نهاية هذا المشهد أن اليمنيين لم يحتاجوا إلى الكلمات الكثيرة ليشرحوا حجم تعلقهم بالمناسبة؛ فقد تحدثت عنهم الساحات، وتحدثت الطرق، وتحدثت الحشود، وتحدثت آلاف الصور التي خرجت من مختلف المحافظات.
وإذا كان لكل حدث صورة تختصره، فإن صورة هذا المولد لا يمكن أن تكون ساحة واحدة؛ بل اليمن كلها وهي تفتح ساحاتها، وتستقبل أبناءها، وتعيش يومًا من أكثر أيامها حضورًا في الذاكرة.