يشهد اليمن كل عام لوحة إيمانية فريدة تتجدد فيها أواصر المحبة والارتباط الوثيق بخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وتتحول هذه المناسبة العطرة إلى ملحمة كبرى تجسد عمق الانتماء والهوية الإيمانية للشعب اليمني الذي يضرب أروع الأمثلة في الوفاء والثبات.

إن الحشود المليونية التي تملأ ساحات اليمن تنبع من إيمان عميق واستجابة واعية لأمر الله سبحانه وتعالى القائل في محكم كتابه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}. ولذا، فإن هذا الخروج هو التجسيد الحي لصدق المحبة والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أخرج الأمة من ظلمات الجهل إلى نور الهداية والقرآن.

ويمثل هذا الحضور المشرف استجابة عملية وواضحة لتوجيهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- الذي طالما أكد في خطاباته على أهمية إحياء هذه الذكرى العطرة باعتبارها محطة تعبوية كبرى لتعزيز الارتباط بالهوية الإيمانية.

وتبرز هذه التلبية الواسعة للنداء عبر تفاعل الشعب مع الرؤية الثقافية والقرآنية التي تطرحها القيادة في استلهام الدروس العظيمة من سيرة النبي الأكرم، مجسدةً روح الثقة المتبادلة والانسجام التام بين الجماهير وقائدهم في كل المحطات المصيرية.

وتتزين الساحات الكبرى في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية بحشود بشرية هائلة لا مثيل لها، حيث يتوافد الملايين من مختلف الشرائح المجتمعية رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً، في طابع شعبي عفوي وتنوع شامل يملأ الأفق بالرايات الخضراء واللافتات المعبرة عن الفرحة والبهجة بمولد الهادي البشير.

وما يميز هذه الفعاليات الكبرى هو ذلك التناغم الرائع بين اللجان التنظيمية والمواطنين، إذ تتضافر الجهود الشعبية والرسمية لتأمين الساحات وتقديم خدمات الضيافة وتسهيل حركة الحشود، مما يعكس صورة مشرفة عن التنظيم العالي والحرص الشديد على إنجاح هذه المناسبة العطرة بالشكل الذي يليق بمقام صاحبها العظيم.

ويحمل هذا الحضور الجماهيري أبعاداً ورسائل، تؤكد على الهوية الإيمانية وإبراز ارتباط اليمنيين الأصيل بالمنهج النبوي الشريف وقيمه الأخلاقية والإنسانية، إلى جانب إرسال رسالة صمود قوية للعالم أجمع بأن الظروف الصعبة لم تثنِ أبناء اليمن عن تعظيم شعائر الله، ولا تقف الاحتفالات عند حدود المظاهر الاحتفالية، وإنما تمتد لتكون مدرسة تربوية تعزز قيم الثبات، والجهاد في سبيل الله، ونصرة المستضعفين وقضايا الأمة الكبرى، استجابة للرؤية العملية الواعية التي ترسخها القيادة الحكيمة.

فالخروج اليماني الكبير والحضور المشرف في ذكرى المولد النبوي الشريف يمثلان امتداداً طبيعياً لتاريخ اليمنيين الأطهار في نصرة الإسلام، فهو إعلان متجدد بأن حب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والالتزام بتوجيهات القيادة الحكيمة ممثلة بالسيد القائد، الذي يمثل الحصن المنيع ويجتمع حوله أبناء اليمن، ليبقى هذا الحضور شعلة توقظ الضمائر وتجدد العزم على السير في درب الحق والهدى والتمسك بالنهج المحمدي الأصيل.

وتمتد مظاهر الاحتفاء لتتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية عبر العادات والتقاليد المتوارثة التي تحيل المدن والقرى اليمنية إلى عرائس مزدانة بالمحبة النبوية؛ فتتزين المنازل والشوارع والسيارات بالرايات الخضراء والأضواء الباهجة التي تعكس فرحة القلوب بقدوم الهادي البشير.

ومع حلول المناسبة، تعجّ الأجواء بالأفراح الليلية ومجالس الذكر والنشيد والمدائح النبوية العذبة التي تلهب المشاعر وتملأ النفوس سكينة وطمأنينة، بينما تصدح الحناجر بأهازيج الزامل اليمني الأصيل الذي يعبر عن الفخر والاعتزاز بارتباط اليمنيين التاريخي بالرسول الأعظم.

وتكتمل البهجة المحمدية بتجسيد قيم التكافل الاجتماعي الأصيلة، حيث تتسع دائرة الإحسان ومساعدة المحتاجين وإطعام الطعام وتوزيع الخيرات، تعبيراً عملياً عن الأخوة الإسلامية والرحمة التي جاء بها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.