إن الادعاءات الباطلة التي روّج لها النظام السعودي، ممثلًا بمحمد بن سلمان، حول مزاعمه باستهداف اليمنيين لمكة المكرمة، لا تعدو كونها أكذوبة سياسية وفبركة إعلامية مفضوحة، والغرض منها تشويه الوجه الناصع للمقاومة اليمنية واستغلال المشاعر الدينية العميقة للمسلمين كورقة ضغط سياسية.
وتأتي هذه الأكاذيب في وقت تقف فيه السعودية عارية أمام التاريخ والأخلاق، فهي التي سفكت دماء أطفال اليمن ونسائه منذ عام 2015م وحتى يومنا هذا، ودمرت المدارس والمستشفيات والجامعات والمصانع والمطارات، وكل مقومات الحياة لأكثر من عقد من الزمن، وطال دمارها الحاقد أكثر من ألفي مسجد في اليمن، فضلًا عن قصف المقابر والآثار والمدن الحضارية، وإغلاق مطار صنعاء الدولي لسنوات طويلة، وإغلاق ميناء الحديدة، متسببة في أزمة خانقة للشعب اليمني العظيم، وهي إلى يومنا هذا لا تزال تقصف المدن والمحافظات والسجون والمدنيين، لتظل دوماً السبب الأساسي لشقاء اليمن منذ قيام الجمهورية.
وها هي السعودية اليوم تخرج على الناس كثعلب في ثياب الواعظين، تبكي وتتذلل متحدثة عن مكة وقدسيتها، متناسية أن سجلها الأسود هو من جلب الفساد والانحلال وفتح المراقص بالقرب من الحرم المكي الشريف، في مفارقة مخزية تكشفها سياسات آل سعود التي يعرفها القاصي والداني، دون حاجة إلى التغطية عليها، والحقيقة الناصعة التي لا غبار عليها أن العمليات العسكرية اليمنية طوال فترة العدوان كانت موجهة حصريًا نحو القواعد والمنشآت العسكرية والاقتصادية التابعة لتحالف العدوان، دفاعًا عن النفس وسيادة الوطن، ولم تكن يومًا، ولا يمكن أن تكون، موجهة نحو الحرمين الشريفين، اللذين يمثلان مهبط الوحي ومحجة قلوب كل اليمنيين، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
ويرتبط أبناء اليمن بمكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس برباط عقائدي وإيماني وثيق، لا يمكن لأي دعاية مغرضة أن تشوّهه، فقد تجذّر حب مكة في وجدان اليمنيين تاريخيًا، باعتبارهم السند الأول للإسلام والأنصار الأوائل الذين عظّموا شعائر الله، مستلهمين ذلك من الوسام النبوي الشريف الذي توّجهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»، ولم يقتصر هذا الحب الإيماني على الحرمين الشريفين فحسب، وإنما امتد ليتوج بعشق أبدي للقدس الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهو ما يترجم اليوم بأبهى صورة في المواقف اليمنية الثابتة تجاه القضية الفلسطينية.
وقد عُرف الشعب اليمني عبر التاريخ بأخلاقه العربية والإسلامية الأصيلة، وفي مقدمتها النخوة والشجاعة والغيرة على الدين، وصدق الولاء والثبات على الحق، كما تجلى ذلك في عرى الوفاء والصدق المطلق، حيث يقول الإمام علي في قصيدته المشهورة: «رجالٌ يحبون النبي ورهطه... لهم سالفٌ في الدين غيرُ أثامِ».
فحين يتعلق الأمر بإعلاء كلمة الله والدفاع عن المستضعفين، لا يبخل اليمنيون بشيء، وإنما يقدمون أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل المبادئ السامية والقيم الإسلامية، متجاوزين أعتى الحصار وأقسى الظروف بصبر وثبات لا مثيل لهما.
وفي هذا السياق، أثبت أنصار الله بشكل عملي وملموس مدى التزامهم الحقيقي بالدفاع عن قضايا الأمة والمقدسات الإسلامية، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء، حيث لم تتوقف مواقف اليمن عند حدود الإدانة، وإنما تُرجمت إلى خطوات عملية مؤثرة في نصرة قطاع غزة والقدس الشريف، رغم الجراح ومعاناة الحصار.
وفي طليعة هذا كله، لعب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي دورًا تاريخيًا وفريدًا بحكمته وشجاعته وبصيرته النافذة، لتشكل قيادته بوصلة إيمانية وأخلاقية حقيقية، جعلت من اليمن درعًا حصينًا للمقدسات وصوتًا صادقًا للمستضعفين في وجه كل مشاريع الهيمنة والاستكبار، مستمسكين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.