موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

كان الصائب أن يتوقع العدو السعودي وصول وجع الضربات اليمنية إلى عمق عاصمته التي رُسمت كبقعة صعبة المنال، فحين يبلغ تماديه في العدوان على الشعب اليمني إلى الوحشية في القتل والتدمير وبكل أريحية، وحين يتجاوز تصعيدُه التحذيراتِ من عواقب هذا السلوك الدموي المنفلت، فإنه من الطبيعي أن يأتيه الرد بحجم هذا الاستخفاف الذي يتعامل به مع الاستحقاقات اليمنية.

اليوم والعاصمة الرياض تُضرب فتُبدِّد الصواريخ والطائرات المسيرة هدوءها وتُزين بالنار والدخان سماءها، فإن في الدلالة ما يؤكد بأن اليد اليمنية بات بمقدورها الوصول إلى كل الأهداف الحيوية داخل السعودية كحق طبيعي ومكفول، رداً على العدوان المستمر والمتصاعد. ومعه صار على السعودي أن يغادر الصلف والكِبر والغطرسة، ويتأمل في هذا المتغير الكارثي الذي صارت معه مشاهد النيران وأعمدة الدخان مسألة إجبارية عليه تقبُّلُها في بلاده طالما أصر على سلب الشعب اليمني استقراره على أرضه.

وسواء في عتمة الليل أو في وضح النهار، ها هي النيران وألسنة اللهب ودويّ الانفجارات المتتالية تفرض نفسها كجزء من المشهد الذي صارت عليه العاصمة السعودية، لتسقط هالة الاستقرار الذي كان سِمة الواقع السعودي والمحفز لوضع العديد من المشاريع الاقتصادية الطموحة لضمان استمرار حالة الاستقرار الاقتصادي والرفاهية لمواطنيها، ولتتراجع مكانة البلاد التي فرضت على كل العالم التصور بأنها الجغرافيا الأبعد عن أن تكون -يوماً- هدفاً لأي هجمات.

خلال الـ24 ساعة الماضية نفذت القوات المسلحة عمليتين عسكريتين ضد شركة أرامكو في الرياض وعملية عسكرية أخرى ضد منشأة أرامكو في خريص، وتكللت العمليات بالنجاح وأدت إلى اشتعال النيران والحرائق في المنشآت المستهدفة، لعدة ساعات مع تأكيد صور الأقمار الصناعية للأدخنة المتصاعدة والممتدة لمسافات بعيدة.

أبعاد النيران والمشهد الحراري

بوصول العمليات اليمنية الواثقة إلى قلب الرياض يتمدد مشهد الحرائق ليشوّه ذاك التصور، متجاوزاً الأثر المباشر للضربات إلى نسف قاعدة أن "امتلاك المال يعني امتلاك القوة"، ولتُمثل هذه القدرة اليمنية في تجاوز كل المنظومات الدفاعية التي كلفت المليارات من الدولارات عمليةَ إحلال للمفاهيم الجديدة في المواجهة على حساب النمط التقليدي الذي يراهن على الترسانة المهولة من الأسلحة المكلفة.

الأقمار الاصطناعية ومقاطع الناشطين، إلى جانب المتابعات الميدانية والتغطيات التي نقلتها وكالات أنباء دولية مثل "وكالة الصحافة الفرنسية" (AFP) ومواقع متخصصة كـ "فلايت رادار 24"، سردت روايتها بالصوت والصورة؛ حيث أظهرت حجم تداعيات القصف اليمني بالصواريخ والطائرات المسيرة كبؤر حرارية ضخمة تتسع مساحتها عبر خرائط الاستشعار عن بعد. والصور الطيفية كشفت عن أثر الارتفاع الهائل في درجات الحرارة داخل الخزانات ومحطات التكرير، مع امتداد ألسنة الدخان لمسافات طويلة وصلت -في الضربات الأولى على منشآت أرامكو في جيزان وينبع- إلى 80 كيلومتراً وفق بيانات القمر الاصطناعي "سنتينل-3".

وفي قراءة استخباراتية نشرها موقع "ناتسيف نت" العبري المتخصص في الشؤون الاستخباراتية والأمنية، أشار التقييم الأمني إلى أن هذه الصور الحرارية والمؤشرات الطيفية تعكس دقة متناهية في بنك الأهداف اليمني، وقدرة تكتيكية على استغلال الثغرات الدفاعية، وإحداث أضرار هيكلية في البنية التحتية لمنشآت الطاقة تتجاوز أوهام التغطية الرادارية الشاملة.

ما الذي كان يتوقعه العدو السعودي وهو الذي استمرأ ممارسة هواية خلق الفوضى في واقع الآخرين وإقلاق سكينتهم، وإدارة حساباته خارج أي مستوى من البصيرة والوعي، لإدراك أن التماهي مع مخططات تقوم على سحق هذه الأمة ونهب مواردها لا يمكن أن تحافظ على إيقاع التقدم، أو تشكل عوامل دعم لمزيد من التنمية؟

من الهدوء إلى الاستنفار المستمر

نيران واشتعال ولهيب وموجات حرارية غير معتادة وعالية الشدة رصدها (مستشعر VIIRS) فوق مرافق البنية التحتية في صور الأقمار الاصطناعية لنظام FIRMS التابع لوكالة ناسا. واقع حال لم يكن متوقعاً أن تعيشه السعودية يوماً؛ حيث ساد الاعتقاد بأن العمق الصناعي والاقتصادي لها يمتلك تحصيناً كاملاً واستثنائياً من المنظومات الدفاعية الغربية تجعله بعيداً عن أهوال المواجهة المباشرة. غير أن وصول الصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية إلى المجمعات الرئيسية في مناطق انتشار منشآت أرامكو، ومن بينها الرياض، أحدث تحولاً كبيراً في هذا الاعتقاد؛ حيث تحول الهدوء في مناطق الإنتاج إلى حالة من الاستنفار الدائم والترقب المؤرق، وصارت الأراضي السعودية تتلقى الضربات بين اللحظة والأخرى. وفيما العمى يحكم عمليات المنظومة الدفاعية، تكتفي أمريكا -إجبارياً- بالتزام كرسي المتابعة عبر الشاشات.

المشهد غير المعتاد في الواقع السعودي يتحول شيئاً فشيئاً إلى صورة مألوفة، فالحرائق لا تتوقف، والنيران تلتهم كل شيء، وألسنة لهب خارج نطاق السيطرة، وأعمدة دخان كثيفة تملأ سماء المكان، وبؤر حرارية كبيرة جداً تتجاوز الـ (51 ميغاوات)، وعيون العالم ترقب هذا التدرج في الانحدار إلى مستوى بلد يعاني كباقي البلدان، ويعيش مثل هذه الانعطافات الكارثية.

اهتزاز البيئة الاستثمارية وتداعيات سوق الطاقة

ولأن السعودية في المكانة التي تجعل منها وجهة للاستثمار والاقتصاد، فإن الاهتمام بمتابعة واقعها بات يفرض على الطموحين للتمدد بمشاريعهم الدولية عبر هذه الدولة تقييم الواقع وهذه الصدمة الميدانية بحذر شديد يتجاوز الحدث والأثر اللحظي إلى حساب المستقبل. فالسعودية لم تعد دولة غير قابلة للاستهداف، واستهداف منشآت أرامكو وإصابة خطوط إنتاجها نموذج واضح يعرقل الخطط الاستثمارية، ويفرض تكاليف إضافية تتعلق بزيادة أقساط التأمين ضد أخطار الحرب، وإعادة تخصيص الموارد المالية نحو الصيانة والدفاع، ما يجعل البيئة الاستثمارية أمام تحديات ومخاطر عالية.

وقد أبرزت صحيفة "وول ستريت جورنال" (The Wall Street Journal) وصحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times) هذا التحول العميق، مؤكدتين أن تصاعد مشاهد الحرائق أدى إلى هز ثقة الأسواق الدولية، وعرقلة طموحات التحول الاقتصادي، إلى جانب القفزات الكبيرة في كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب على الأصول والمرافق الصناعية. وفي السياق ذاته، سلطت مجلة "لويدز ليست" (Lloyd's List) البريطانية المتخصصة في الشؤون البحرية الضوءَ على التأثيرات المباشرة لهذه النيران على أمن الملاحة وموانئ التصدير وسلاسل الإمداد، مشيرة إلى أن تهديد خطوط الأنابيب والمنافذ البحرية فرض واقعاً لوجستياً مربكاً على حركة شحن النفط عبر البحر الأحمر والخليج.

مشهد الحرائق وهي تلتهم خطوط التكرير، ونيرانها تبدو "ككائنات تتغذى على الحديد، وترسل إلى الفضاء زئيراً يتردد صداه بين المنشآت المصابة، لتصنع شواهد حية على تحول النفط من مصدر للثروة إلى مادة للسعير". هذه التفاصيل الموجعة لا يبدو أنها قابلة لأن تطويها الذاكرة سريعاً، وقد تتحول إلى كابوس طويل مؤرق للبلاد والمتحالفين معها.

تدحرج كرة الانهيار وصولاً إلى السقوط

استمرار الكِبر والغطرسة ورفض أن ينعم الآخرون بالهدوء والسكينة يشكل بيئة مواتية لحدوث مثل هذه المتغيرات. قد يراها البعض حالياً بسيطة، إنما لا أحد يمكنه ضمان عدم تدحرج كرة الانهيار وصولاً إلى السقوط، وهو ما لا يرجوه أحد إلا متى كان هو العقاب الوحيد الكفيل بإيقاف التعنت والتهور والتعاطي الاستكباري مع الآخرين، بما يمكنهم من تطوير حياتهم ويرتقي بواقعهم.

مشهد النار صنعته أيادي القوات المسلحة اليمنية دفاعاً عن الأرض والسيادة من الاستباحة، ورداً على استمرار محاصرة أربعين مليون نسمة وحرمانهم من الاستقرار المعيشي والانفتاح على الحياة والاستفادة من ثرواتهم ومقدراتهم.

اليمن منذ (12) عاماً يعيش التفاصيل الموجعة من قتل ودمار وتشريد، وجوع وتدني خدمات، وهي التفاصيل التي جرى رسمها وتحديدها في البيت الأبيض الأمريكي الذي شهدت ساحته لحظة إعلان العدوان على الشعب اليمني. وطوال أمد هذا البؤس وبرودة قوى الشر عن استشعار فداحة هذا الواقع، كان من الطبيعي أن يدفع أبناءَ البلد لانتزاع حقوقهم المسلوبة والركون على الله سبحانه وتعالى وعلى سواعد وقدرات أبناء الشعب. فكان من نتيجة هذا التحرك هذه المشاهدُ التي صارت تعيشها السعودية؛ حيث النيران تلتهم الاستقرار وتكشف عن الهشاشة الأمنية التي لم تُجدِ لتوفيرها مئات المليارات من الدولارات.

وقد أكدت وكالة "رويترز" (Reuters) أن التعطل الفوري في إمدادات النفط وإغلاق بعض خطوط الأنابيب كإجراء احترازي إثر الضربات المباشرة تسبب في انكماش كميات الخام المتدفقة إلى الأسواق العالمية، وأحدث إرباكاً شديداً وموجات اضطراب في أسواق النفط الدولية.

تهاوي وهم التفوق الاستراتيجي

فشلت المظلة الأمنية والعسكرية الغربية بشكل ذريع في حماية البنية التحتية الاقتصادية الحيوية، وتداعت مع هذا الفشل نغمة "الردع المطلق" التي اعتمدت عليها الرياض لعقود طويلة لحماية مقدراتها. فتمكُّن التكنولوجيا العسكرية اليمنية -عبر الصواريخ الباليستية والدقيقة والطائرات المسيرة- من اختراق أحدث منظومات الدفاع الجوي والرصد الراداري التي أُنفقت عليها مئات المليارات من الدولارات، مثّل خرقاً ميدانياً خطيراً، وضربة قاصمة للعقيدة الدفاعية التي يُقيم عليها المحور الأمريكي وجوده ونفوذه في المنطقة.

وفي تحليل عسكري صادر عن معهد دراسة الحرب "ISW" (Institute for the Study of War)، أشار المعهد إلى أن النجاح اليمني في تنفيذ هجمات مركبة تتجاوز منظومات "باتريوت" والرادارات الحديثة يمثل تحولاً تكتيكياً نوعياً أثبت عجز أحدث التقنيات الغربية عن مواجهة هذا النمط من الهجمات المسددة. وهو ما أكدته صحيفة "واشنطن بوست" (The Washington Post)، حيث أوضحت أن المشهد الكارثي للحرائق في العمق السعودي كشف عن الفشل الذريع للحماية العسكرية الخارجية المأجورة، برهاناً على أن الاستقرار لا يمكن استيراده بعقود التسليح ومظلات الحماية الأجنبية.

هذا الانكشاف المباشر أرسل رسالة صارخة مفادها أن الرهان على  الحمايات الخارجية والتحالفات الأمنية قد سقط تماماً، وترك الشراكات الاقتصادية والعسكرية الممتدة لسنوات أمام واقع جديد يُعيد صياغة قواعد اللعبة، ويُجبر السعودية وحُماتها على مواجهة حقيقة أن أمن المنطقة لا يمكن استيراده من الخارج، بل يتأسس فقط على احترام سيادة الشعوب وإنهاء العدوان والحصار على اليمن.

النيران تفرض الشروط وترسم التوازنات

استعادة السعودية للحالة السابقة من الأمن والاستقرار لا تتطلب أكثر من كسر أغلال التأثير الأمريكي-الإسرائيلي، والبدء في تمكين اليمنيين من حقهم في العيش بكرامة؛ بإنهاء العدوان ورفع الحصار ومعالجة ملف الأسرى والمرتبات وباقي استحقاقات السلام. ودون ذلك، لا يبدو أن المنطقة ستنعم بالهدوء أو بالوقت الكافي لرسم الخطوط لواقعٍ طَموح بالتجديد والرفاهية. والمفارقة اليوم أن دولة كالسعودية -بثرائها وما تحظى به من مكانة لدى القوى العظمى- باتت تعيش حال أي دولة قابلة للاستهداف، وهو ما بدد لدى الغرب صورة الدولة الآمنة بشكل مطلق، ومدّد تداعيات المشهد المحترق إلى البعد الاستراتيجي الدولي.

وحسب ما أفاد به موقع "أكسيوس" (Axios) الأمريكي، فإن الضغط الناري الميداني واستهداف شرايين الطاقة بات يمارس ضغطاً سياسياً كبيراً يُجبر الأطراف الإقليمية والدولية على إعادة تقييم خياراتها الدبلوماسية والميدانية، والتفكير بجدية في مسار الحل الشامل. وفي ذات السياق، لفتت صحيفة "هآرتس" العبرية إلى أن تداعيات هذه الحرائق والضربات الدقيقة أربكت حسابات المحور الإقليمي والداعمين الدوليين، وكسرت الهالة الأمنية التي أُحيطت بها المنطقة، مبرهنة على أن قواعد الاشتباك القديمة قد انتهت بلا رجعة.

وبالنظر إلى هذا المشهد غير المألوف في السعودية تتجلى قسوة الرد العسكري اليمني، وصرامة الرسالة الميدانية التي أرادت القوات المسلحة إيصالها. فاستهداف أرامكو، وما رافقه من انخفاض للإمدادات، وإرباك للمحور الأمريكي، وتعطيل للمشاريع، وتوثيق فضائي ومرئي، يثبت أن الخيار الميداني القائم يمارس أعلى درجات الضغط والإيلام ضد النظام السعودي، مؤكداً أن معادلة المواجهة قد دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها النيران أداة فرض الشروط، ورسم التوازنات السياسية.