موقع أنصار الله . تقرير | أنس القاضي 

دخلت السعودية حربها  العدوانية على اليمن عام 2015م وهي تفترض أن التفوق الجوي والمالي، واتساع التحالف الإقليمي، ووجود قوى يمنية عملاء لها، سيسمح لها بإعادة إخضاع اليمن وتنصيب مرتزقتها حكاما على صنعاء خلال فترة قصيرة، وإعادة اليمن إلى المعادلة التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود، نفوذ سعودي واسع، وسلطة يمنية تراعي المصالح السعودية غير المشروعة على حساب المصلحة الوطنية اليمنية، وبعد أكثر من عقد تغيرت المعادلة بصورة عميقة، فالسعودية التي بدأت الحرب وهي تقصف المطارات والموانئ والمنشآت اليمنية، وتفرض الحصار وتتحكم بحركة الطيران والتجارة، أصبحت تواجه الضغط داخل عمقها، مطاراتها ومنشآتها النفطية وحركة الملاحة المرتبطة بها دخلت ميدان المواجهة، فيما بقيت حكومة صنعاء قائمة، وتطورت قدرات القوات المسلحة اليمنية، وأصبح باب المندب والساحل الغربي جزءاً من معركة أوسع تتصل بالأمن السعودي والنفط والملاحة وموقع المملكة التفاوضي.
هذا التحول هو مركز المأزق العسكري السعودي اليوم، فالرياض ما تزال تمتلك الطائرات والمال والقدرة على تمويل تشكيلات عسكرية واسعة من المرتزقة، كما تستطيع استجلاب الدعم السياسي والعسكري الخارجي، لكنها تواجه مشكلة مختلفة، تحويل هذه الموارد إلى نتيجة سياسية على الأرض اليمنية، فالقوة العسكرية تستطيع فتح جبهة وإسناد هجوم وقصف مواقع وهو ما تقوم به حاليا، بينما تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بما إذا كان ذلك يعيد صنعاء إلى التبعية ويمنح السعودية القدرة على فرض شروطها، ومع كل جولة جديدة تتسع الفجوة  الواقعية للسعودية بين حجم القوة المستخدمة والنتيجة التي تحققت، أما اليوم فصنعاء من تتحكم بالحركة الملاحية للسعودية مثل مطارات الرياض وسفن النفط في البحر الأحمر.

معركة الساحل

يمكن فهم ما يسمى عملية "فجر اليمن" داخل هذا المأزق، فالجغرافيا التي تتركز فيها العمليات تمنحها معنى يتجاوز الشعارات التي تكررها حكومة المرتزقة عن "استعادة الشرعية" و"إسقاط الانقلاب"، إذ تتركز المعركة في الساحل الغربي ومحيط باب المندب، وهي منطقة ترتبط مباشرة بالملاحة الدولية وبالنفط السعودي وبالقدرة على التحكم في جزء مهم من البحر الأحمر، المنطقة التي تمنح السيطرة عليها ورقة ثقيلة في أي مفاوضات لاحقة.
لو كانت العملية تستهدف بصورة أساسية الدفاع عن جغرافيا حكومة العليمي، لاحتلت تعز موقعاً أكبر في الجهد العسكري السعودي، فالقوات التابعة لحكومة صنعاء تتقدم في ريف المحافظة، ومدينة تعز نفسها أصبحت ضمن ضغط عسكري متزايد، بينما يتركز الإسناد الجوي والاهتمام السعودي بدرجة أعلى في الساحل، حيث توجد المصالح المرتبطة بالمضيق وبخطوط الملاحة وبالمجال الذي تستخدمه صنعاء في الضغط على السعودية.
وهذا يضع ما سميت بعملية "فجر اليمن" في سياق محاولة سعودية لاستعادة ورقة عسكرية فقدت جزءاً مهماً منها بعد التطورات في الساحل الغربي، فالسيطرة على باب المندب بالنسبة إلى الرياض تمنحها أكثر من موقع عسكري، تمنحها ثقلاً في التفاوض، وتعيد جزءاً من قدرتها على التحكم في المجال البحري، وتقلل من قدرة صنعاء على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط على الاقتصاد السعودي. ولهذا دفعت السعودية بقدرات جوية كبيرة لإسناد العمليات في الساحل، واستمرت محاولات التقدم من جهة لحج ورأس العارة والمضاربة باتجاه جنوب ذوباب ومحيط المضيق، وتكررت الهجمات رغم الخسائر وفشل الاختراقات الأولى، ضمن محاولة السعودية إعادة بناء جبهة قادرة على الوصول إلى باب المندب، وإعادة تشكيل ميزان القوى بعد خسارة مواقع كانت تعتمد عليها عبر قوات طارق صالح وغيرها من التشكيلات، وفي المقابل، تتمسك القوات المسلحة اليمنية بالمضيق والساحل باعتبارهما جزءاً من الجغرافيا اليمنية ومن معادلة السيادة، وتتعامل مع المعركة هناك باعتبارها دفاعاً عن منطقة استراتيجية مهمة تربط اليمن بالعالم.

الحصار بالحصار

أحد أهم التحولات في الحرب هو تغير اتجاه الضغط الاقتصادي، فالسعودية استخدمت -منذ بداية العدوان- الحصارَ باعتباره أداة أساسية في إخضاع اليمن، إغلاق مطار صنعاء، التضييق على ميناء الحديدة، التحكم بحركة السفن والسلع، وإخضاع التجارة اليمنية لمنظومة من القيود والتفتيش والتأخير، وكانت الكلفة تقع بصورة رئيسية على المجتمع اليمني والاقتصاد اليمني.
معادلة "الحصار بالحصار" نقلت جانباً من هذه الكلفة إلى السعودية نفسها، فأصبح تصدير النفط وحركة الطيران والملاحة المرتبطة بالمملكة ضمن مجال الضغط، وأصبح اليمن يملك قدرة متزايدة على ربط استمرار الحصار عليه بكلفة اقتصادية وأمنية داخل السعودية، وهذه المعادلة تغير طبيعة الحرب لأن الرياض أصبحت أمام علاقة مباشرة بين سياستها داخل اليمن وبين استقرار اقتصادها ومنشآتها.
يحتل النفط مركز هذه المعادلة، فالسعودية تستطيع تحمل كلفة عسكرية كبيرة، لكنها تعتمد على استقرار صادراتها النفطية، وعلى استمرار عمل المنشآت والموانئ المرتبطة بها، كما يعتمد مشروع التحول الاقتصادي على وجود بيئة تبدو مستقرة وآمنة أمام المستثمرين، ولذلك يصبح توقف التصدير أو تهديد خطوطه أكثر حساسية من خسارة موقع عسكري هنا أو هناك.
الأمر نفسه ينطبق على الطيران، فتعطيل المطارات السعودية واستمرار تعرضها للخطر يضرب قطاعاً مرتبطاً مباشرة بالسياحة والاستثمار والأعمال الدولية، ويؤثر على صورة المملكة باعتبارها مركزاً اقتصادياً إقليمياً. والمفارقة أن مطار صنعاء ظل طوال سنوات العدوان تحت القيود والإغلاق، بينما كانت الرياض قادرة على فتحه وتجنيب نفسها كلفة اغلاق مطاراتها، وهو ما لم يكن في الحسبان.
وهنا تتضح أهمية الضغط المتزامن، فالعمليات داخل اليمن تستهدف إسقاط الأدوات العسكرية التي تعتمد عليها السعودية، والعمليات على العمق السعودي تستهدف رفع كلفة استمرار الحرب، والحظر المرتبط بالنفط والملاحة يضغط على أكثر القطاعات حساسية. وبهذا تتحول المواجهة إلى محاولة لحرمان الرياض من إمكانية خوض حرب طويلة داخل اليمن، بينما يبقى اقتصادها ومجتمعها ومنشآتها خارج دائرة التأثير.

المأزق العسكري وحدود القوة السعودية

ما تزالت السعودية قادرة على القصف، وتمتلك وسائل تكنولوجية ومالية وعسكرية كبيرة، كما تستطيع توسيع شبكة الدعم عبر الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وباكستان وغيرها، لكن المشكلة العسكرية ليست مرتبطة بحجم القوة وحده، بل بقدرتها على إنتاج النتيجة التي بدأت الحرب من أجلها، أي أن مزيداً من حشد القوة لن يغير للسعودية النتيجة، ولن يعطيها ما ترجوه.
بعد أكثر من عقد، بقيت صنعاء خارج السيطرة السعودية، وتوسعت قدراتها العسكرية، وتحولت من طرف يتلقى الضربات الجوية إلى طرف يستطيع نقل الحرب إلى العمق السعودي، فيما أصبحت القوات التي تعتمد عليها الرياض داخل اليمن بحاجة مستمرة إلى المال والتسليح والإسناد الجوي والمعلومات الاستخباراتية لكي تحافظ على قدرتها القتالية.
تقف السعودية اليوم أمام مأزق حقيقي: كل جبهة جديدة تحتاج إلى مزيد من الموارد، وكل تقدم يحتاج إلى غطاء جوي، وكل خسارة تحتاج إلى إعادة بناء وتجنيد وتمويل. ولذلك فإن الحرب تستنزف السعودية من دون ضمان نتيجة نهائية، ويمكن للطيران أن يمنع انهيار جبهة أو يساعد على تقدم محدود، لكنه يواجه صعوبة في تحويل موازين القوى وتغيير المكاسب الميدانية اليمنية.
ومن هنا يظهر جانب آخر من المأزق، فالسعودية تحاول معالجة ضعف أدواتها المحلية بتوسيع شبكة الشركاء الخارجيين: (دعم دفاعي، تبادل معلومات، تخطيط، مراقبة، تشغيل مسيرات، وتطوير قدرات الدفاع الجوي)، وكل ذلك قد يساعد المملكة على تقليل آثار الضربات اليمنية أو تحسين أداء قواتها، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة، أي أن الحرب نفسها ناتجة عن علاقة سياسية مختلة مع اليمن، وأن توسيع التحالف لا يستطيع أن يعيد إنتاج الهيمنة القديمة إذا كانت شروطها داخل اليمن قد تغيرت.
حتى التدخل الأمريكي اللوجستي الحالي، إذا اتسع وأصبح عدوانا مباشراً، فيمكنه أن يرفع حجم القوة المستخدمة ضد اليمن، لكنه سيفتح في المقابل نطاقاً أوسع للمواجهة، ويرفع كلفة الحرب، ويحول الأزمة اليمنية إلى جبهة أكبر داخل الصراع الإقليمي، ولن يحقق النتيجة المرجوة للسعودية، أي ستبقى السعودية نفسها في قلب دائرة الاستهداف.

رفض التسليم بنتائج الحرب

المشكلة السعودية اليوم ترتبط أيضاً بصعوبة التسليم بنتائج أكثر من عقد من الحرب العدوانية الفاشلة رغم اجراميتها، فالاعتراف بأن اليمن دولة مستقلة عن القرار السعودي، وأن القوات المسلحة اليمنية أصبحت قادرة على ضرب العمق السعودي، وأن الوكلاء المحليين عجزوا عن استعادة العاصمة، يعني -عملياً- الاعتراف بأن الهدف السياسي الأصلي للحرب لم يتحقق. لهذا تبدو الرياض حريصة على تعديل ميزان القوى قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، فهي تحتاج إلى اتفاق تستطيع تقديمه باعتباره ثمرة ضغط عسكري ونجاحاً في حماية الأمن السعودي، وليس باعتباره خروجاً تحت الضغط، ومن هنا يمكن فهم استمرار معركة الساحل، والتحشيد في باب المندب، ومحاولة استعادة مواقع استراتيجية، وتوسيع شبكة الدعم الخارجي.
السعودية تحتاج إلى ورقة نصر، أو على الأقل إلى وضع ميداني يسمح لها بالقول إنها خرجت من الحرب وهي تحتفظ بنفوذ وقدرة على حماية مصالحها، وهذه الحاجة تدفعها إلى مواصلة القتال حتى حين تصبح أهداف الحرب الأصلية بعيدة، ولذلك تتحول العمليات العسكرية من محاولة لإسقاط صنعاء إلى محاولة لتحسين شروط الخروج من الحرب.

خاتمة

المأزق العسكري السعودي اليوم يقوم على تناقض واضح: الرياض تمتلك قوة عسكرية ومالية كبيرة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في تحويلها إلى نتيجة سياسية داخل اليمن، وكل محاولة لتعويض هذا العجز بالقصف والتحشيد والتحالفات الخارجية ترفع كلفة الحرب وتوسع دائرة الضغط على المملكة نفسها.
معركة باب المندب ومعادلة "الحصار بالحصار" أجزاء من مواجهة واحدة، تحاول السعودية فيها استعادة أوراق فقدتها وتحسين موقعها قبل التفاوض، وصنعاء تحاول رفع الكلفة عليها عسكرياً واقتصادياً وإسقاط الأدوات التي تعتمد عليها داخل اليمن. وبين الطرفين تتحول المعركة من صراع على مواقع عسكرية إلى صراع على شروط إنهاء الحرب.
تعرف السعودية أن استمرار الحرب يضغط على النفط والطيران والاستثمار و"رؤية 2030"، وتعرف أن استعادة الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب أصبحت شديدة الصعوبة، لكنها ما تزال تبحث عن صيغة خروج تحفظ لها صورة القوة والنفوذ، ولهذا لا تزال مترددة في التسليم الكامل بالواقع الجديد في اليمن.
الخروج من هذا المأزق يبدأ حين تنتقل الرياض من محاولة تعديل اليمن بالقوة إلى التعامل معه كدولة مستقلة، وحين تصبح المصالح السعودية المشروعة جزءاً من علاقة متبادلة بين دولتين، لا أساساً لهيمنة دولة على أخرى، وحين تتحول المفاوضات من وسيلة لإعادة إنتاج التبعية إلى مدخل لإنهاء الحرب ورفع الحصار والتعويض واعادة الاعمار وفتح الطريق أمام تسوية يمنية يمنية، عندها يصبح السلام مخرجاً للسعودية من حرب استنزفت أدواتها ونفوذها، ومخرجاً لليمن من علاقة هيمنة استمرت لعقود.