موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
ليس بالجديد أن تعمد السعودية إلى صناعة بؤرة توتر في محيط باب المندب، فآلة الشتات الذهني والنفسي التي تعيشها نتيجة ما تمر به من ضغوط الانهيار والتلاشي المفروضة عليها من قبل اليمن، تدفعها لتحركات لا تنُم عن أي حنكة أو خبرة سياسية، بقدر ما تعكسه عن فقدان لبوصلة الأولويات.
عمد العدو السعودي خلال الأيام الماضية إلى فتح جبهة جديدة في باب المندب ودفع بالآلاف من أدواته وزوّدهم بالأسلحة والعتاد والمدرعات، مع إسنادهم بمئات الغارات للتحرك في أكثر من مسار، خاصة باتجاه مطار ذباب وكذلك الزحف باتجاه باب المندب انطلاقا من رأس العارة والمضاربة في لحج، إلا أن الملفت ما أقدم عليه العدو السعودي من استهداف لجزيرة ميون التي تتسوط باب المندب، بالغارات الجوية والصواريخ، كما أكد ذلك متحدث القوات المسلحة العميد يحيى سريع والذي أكد أن استهداف جزيرة ميون بالقصف الجوي والصاروخي من قبل العدو السعودي يهدد خطوط الملاحة البحرية بشكل مباشر ، مضيفا أن المعتدي السعودي يتحمل أي تبعات جراء ذلك وما سينتج عنه من تهديد لسلامة الملاحة البحرية.
وفي الوقت الذي تتكشف فيه هشاشة الرياض وعجزها عن كبح جماح الانهيار التدريجي المتسارع، الناتج عن شلل مطاراتها وتعطل إنتاجها النفطي وتجفيف شرايين اقتصادها، تسعى إلى خلط الأوراق في باب المندب بغية تأليب المجتمع الدولي واستدعاء تدخله عبر التهويل من الواقع الجديد الذي فرضته القوات اليمنية بسيادتها الطبيعية والمشروعة على هذا المضيق الحيوي.
ومن جهة أخرى، تهدف الرياض من وراء محاولة استعادة السيطرة على المضيق إلى ما هو أبعد من فك الحظر عن صادراتها النفطية؛ إذ تسعى لتمرير أجندات دولية تهدف إلى تدويل هذه المنطقة المائية وإعادة التموضع العسكري فيها، تحت شعارات وحجج واهية في مقدمتها "حماية الملاحة الدولية".
تتوهم الرياض أن خلط الأوراق عند باب المندب قد يمنحها ورقة ضغط أو طوق نجاة يُخرجها من مأزقها الراهن، إلا أن مراهناتها هذه أثبتت فشلها مراراً؛ إذ تبقى القوات اليمنية الممسكة بزمام السيطرة على الأرض والممر المائي هي صاحبة القول الفصل، والعصيّة على جميع المخططات الإقليمية والإملاءات الخارجية. والحقيقة إن المراهنة على تحريك هذه الأوراق المشبوهة لن تمنح الرياض أمنها المفقود، ولن تُنعش اقتصادها المتردي، بل ستضاعف من حالة الانكشاف الاستراتيجي التي تعاني منها، وستعرّي عمق مأزقها الشامل وتخبطها القيادي أمام العالم أجمع.
وبدلاً من أن تُنقذ الرياض نفسها، تسهم هذه التحركات الحثيثة في تسريع وتيرة انهيارها، وتأكيد حقيقة أن المعادلة في البحر الأحمر وباب المندب قد تغيّرت إلى غير رجعة، ولم يعد بمقدور أي ضغوط أو تحركات عدوانية أو جلب تحالفات دولية، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
تؤكد وزارة الخارجية أن بسط اليمن سيادته الكاملة على كامل أراضيه ومياهه الإقليمية، بما فيها باب المندب، هو حق سيادي أصيل ومشروع تكفله القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، ولا يمكن التفاوض عليه أو التنازل عنه. كما تحمّل الوزارة النظام السعودي المسؤولية المباشرة عن عسكرة هذا الممر الملاحي الحيوي والمناطق المحيطة به وإقحامه في الصراعات، مُحذّرةً من أن أي مغامرة أو استمرار للعمليات العسكرية في باب المندب لن تتوقف آثاره عند حدود المنطقة، بل ستكون له انعكاسات وخيمة ومباشرة تهدد استقرار الملاحة وسلاسة خطوط التجارة العالمية.
ولا شك إن السعي السعودي المحموم لتحويل واحدة من أهم النقاط الحاكمة للتجارة البحرية العالمية إلى منطقة اشتباك مسلح وساحة لمواجهة عسكرية مفتوحة، يمثل في جوهره وطبيعته الخطر الفعلي والتهديد المباشر لأمن الملاحة البحرية الدولية وسلامة الإمدادات الاقتصادية. وما الترويج الإعلامي المكثف والممول سعودياً إلا محاولة مكشوفة لقلب الحقائق وتضليل الرأي العام العالمي، عبر محاولة تصوير حماية القوات اليمنية لمياهها الإقليمية وكأنها مصدر الخطر، في حين أن السلوك السعودي المغامر وإقحام التحالفات الدولية في المضيق هو السبب الرئيس والمصدر لأي تهديد يطال حركة التجارة العالمية.
يؤكد الخبراء أن تحركات الرياض لا تشير إلى رغبةٍ في ضمان أمن حركة الملاحة وسلامتها، بقدر ما تكشف عن هدفٍ لخلط الأوراق، وإحداث فوضى تربك حركة السفن، وصولاً إلى استحضار الصراع أو عسكرة المضيق، فضلاً عن كونها تعبيراً عن رغبةٍ سعودية أمريكية إسرائيلية لإعادة فرض واقع جيوسياسي جديد يُجرّد صنعاء من أوراق الضغط الاستراتيجية التي امتلكتها وثبّتتها خلال الفترة الماضية.
الأكيد أن التحشيدات السعودية باتجاه باب المندب، وأي مساعٍ لإيجاد ترتيبات أمنية أو تحالفات بحرية، أو أي عنوان آخر، هو أمرٌ يمسّ جوهر الأمن القومي اليمني، ما يعني حتمية مواجهته بحزم؛ فحماية المياه الإقليمية ومضيق باب المندب مسؤولية سيادية حصرية للدولة اليمنية، وليست مجالاً للتفاوض أو المساومة في سوق الصفقات الإقليمية.
هذا الموقف السياسي اليمني يعكس تمسكاً حازماً بمفهوم "السيادة الوطنية الكاملة" على المياه الإقليمية والسواحل اليمنية؛ إذ يرتكز على رؤيةٍ أمنية غير قابلة للتجزئة أو المساومة، ويرفض تماماً إسناد حماية الممرات البحرية إلى تحالفات إقليمية، أو إسنادها لمجاميع مسلحة تُحرّكها أجندات وقوى خارجية. فالأمن الملاحي في البحر الأحمر وباب المندب يظل شأناً سيادياً أولاً وأخيراً، ومرتبطاً بالقرار الوطني المستقل، ولا يمكن رهنه للتجاذبات الدولية.
وبالنظر إلى النشاط العدائي المستمر من قِبل الولايات المتحدة و"إسرائيل" والسعودية في المنطقة، فإن أي وجود عسكري أجنبي، أو أي غطاء تحالفي يسعى لفرض ترتيبات أمنية جديدة في باب المندب لا يستهدف حماية التجارة الدولية بقدر ما يهدف لتكريس عسكرة الممر الملاحي خدمةً لأجندات خارجية، وتحديداً أمريكية وإسرائيلية تسعى إلى الحدّ من القدرات اليمنية وتعطيل مفعول الجبهة البحرية.
ومن هذا المنطلق، يُشدد اليمن على أن أمن باب المندب والبحر الأحمر يمثل شأناً سيادياً يمنياً بامتياز، وأن أي مساس بهذا الحق، عبر استقدام الرياض للفصائل والتحشيدات العسكرية، سَيُقَابَل بردٍّ عسكري كفيلٍ بإفشال تلك المخططات، وإبقاء المعادلة لصالح الطرف الأقدر على السيطرة الميدانية والردع الجغرافي.
ويرى مراقبون أن الإصرار السعودي على المساس بالواقع العسكري والجغرافي لباب المندب، ونقل ثقل الصراع إليه، يمثل خطاً أحمر لا يمكن لليمن التساهل معه أو التغاضي عنه؛ فالقوات المسلحة، بما تمتلكه من قدرات صاروخية وبحرية وطائرات مسيّرة وتكتيكات دفاعية ساحلية متطورة، قادرة على تحويل أي انتشار أو تثبيت عسكري سعودي في باب المندب إلى هدف ثابت ومباشر، ما يعني أن الرياض، بتحشيداتها ومحاولات تقدمها نحو المضيق، إنما تدخل في معادلة صفرية لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة الملاحة التي تزعم حرصها على حمايتها، وإعادة إشعال المواجهات البحرية والبرية بشراسة أكبر وعلى نطاق أوسع.
تؤكد تحليلات الخبراء أن الرهان على التحرك العسكري في الساحل الغربي يُعدّ خياراً عقيماً ومحفوفاً بالمخاطر القاتلة؛ استناداً إلى أن تجربة السنوات الماضية أثبتت بأن القوة العسكرية والغطاء الجوي المكثف لم يتمكنا من فرض واقع جديد، أو إحداث أي تغيير ملموس في المعادلة البحرية التي فرضها اليمن في البحر الأحمر. بل إن أي تصعيد جديد في هذه الجبهة الحيوية لن يؤدي إلا إلى مضاعفة الكلفة التشغيلية والميدانية على القوى المعتدية، وتحويل الساحل بأكمله إلى مستنقع استنزافٍ معقد يهدد بتفجير المواجهة الشاملة، وتدمير ما تبقى من فرص الاستقرار الإقليمي.
ما سبق يؤكد حتمية إدراك أن السلامة الملاحية والاستقرار التجاري لا يمكن أن يُبنَيا على أوهام الحسم العسكري أو التوسع القسري للمجاميع المسلحة التابعة للرياض، وإنما يرتكزان على احترام المعادلات السيادية، ووقف التصعيد الميداني، وإبعاد الشرايين الملاحية الدولية عن النزوات والتهورات السياسية والعسكرية. وفي المعطيات الميدانية ما يؤكد ذلك؛ إذ إن استمرار اندفاع السعودية ومجاميعها نحو باب المندب سيظل العائق الأساسي أمام أي استقرار ملاحي، وقد يدفع بالوضع نحو مرحلة جديدة وأشد خطورة من الصراع.
وفي هذا السياق، تتكامل البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية مع المؤشرات والأرقام الدقيقة الصادرة عن وزارة النقل بشأن حركة السفن عبر باب المندب، لِتُشكّل في مجموعها رسالة سياسية وإعلامية عالية النبرة موجهة للمجتمع الدولي؛ تدعوه إلى تحمّل مسؤولياته والضغط الفاعل على الجانب السعودي لوقف هذه المغامرات العسكرية غير المحسوبة. فهذه التحركات لا تُهدد الوضع الميداني فحسب، بل ستنعكس تداعياتها المباشرة سلباً على سلاسل الإمداد العالمية وأمن الملاحة الشريانية في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
وتأسيسًا على ذلك، فإن التحذيرات الصريحة المتكررة من التحركات العسكرية السعودية ومجاميعها في محيط باب المندب تتجاوز حدود المناورة أو التكتيك السياسي؛ لِتُعبّر عن استراتيجيةٍ متكاملة ومبدئية تقوم على ربط الاستقرار الملاحي وأمن التجارة الدولية بوقف التصعيد والعدوان العسكري، واحترام كامل السيادة الوطنية لليمن، ورفع اليد الخارجية نهائياً عن المقدرات اليمنية والممرات الحيوية. وهي معادلةٌ تؤكد بوضوح أن حماية الملاحة لا تتحقق بالاستقواء بالتحالفات أو فرض الإرادات، بل باستعادة الاستقرار السياسي والالتزام بقواعد السيادة والردع الجغرافي. بينما المضيّ قدماً في خيار العسكرة وإشعال الجبهات البحرية والساحلية من قبل الرياض لن يجلب الاستقرار المنشود، وإنما سيفضي حتماً إلى فوضى أمنية شاملة في أكثر الممرات المائية حساسية وأهمية في العالم؛ ما سيفرض على حركة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي دفع الثمن الأكبر لهذه المغامرات العسكرية.
وفي التحذير الصريح الذي أطلقته وزارة الخارجية، المشفوع بالمؤشرات والأرقام الدقيقة لوزارة النقل حول حركة السفن، ما يضع المجتمع الدولي والقوى الفاعلة كافة أمام حقائق دامغة بقدرة اليمن على أن يكون حصناً ضد كل من يفكر في نشر الفوضى في مياهه أو أرضه، لكنه في عين الوقت يُحمل الأطراف الدولية مسؤولياتهم لإيقاف العبث السعودي، وتدارك تداعياته الميدانية.