لم يعد موقف العدو السعودي المرتبك تجاه قيادات موالية لها كالمرتزقة مجرد سوء فهم أو أزمة ثقة، بل هو اعتراف ضمني ومكتوب بالهزيمة السياسية والعسكرية أمام صنعاء، التي فرضت نفسها كدولة مؤسسات وجغرافيا عصية على الانكسار. في المقابل، تنظر الرياض إلى العليمي، وعفاش (طارق)، والإصلاح، وعيدروس، كأدوات وظيفية انتُزعت منها الكرامة السياسية والسيادة، ليصبحوا مجرد بنادق للإيجار وموظفين في غرف "اللجنة الخاصة".
الشك السعودي المستمر في هذه القيادات يثبت حقيقة واحدة: الرياض لا تحترم من يتنازل عن سيادة بلده، ومن يرتضي لنفسه دور "المرتزق" لن ينال ثقة مشغّله أبداً.
صنعاء فرضت "معادلة الندية" والرياض تبحث عن تابعين
السبب الأساسي الذي يجعل السعودية ترفض كل القيادات الموالية لها وتشكك فيها، هو أنها تقارنهم دائماً بصلابة وحضور صنعاء. صنعاء تتحدث بلغة الصواريخ، والمسيرات، وحماية الثروات السيادية، وفرض الشروط في مياه البحر الأحمر؛ بينما يتزاحم العليمي وطارق والإصلاح والزبيدي في صالات المطارات والقصور بحثاً عن وديعة مالية أو شرعية ورقية. الرياض تعشق التابع وتخشى الند، ولأنها عجزت عن إخضاع صنعاء، فإنها تفرغ عقدة النقص هذه بإذلال أدواتها والتنكيل السياسي بهم.
أدوات بلا حاضنة.. قيادات صُنعت في الفنادق
تدرك السعودية أن العليمي وجباري وطارق والإصلاح والزبيدي لا يملكون قراراً مستقلاً ولا يمثلون تطلعات الشعب اليمني، بل هم مجرد واجهات كرتونية تم تجميعها في "اتفاق الرياض" و"مشاورات غرف الفنادق". هذا الفراغ الشعبي للأدوات جعل الرياض تتعامل معهم كقطع غيار سياسية: فهي تستخدم العليمي لتهدئة تيار وتلعب بورقة طارق لابتزاز آخر، ثم تلوح بالإصلاح والزبيدي عند الحاجة للمناورة كقيادات بلا مخالب، ومن يفتقد المخالب على الأرض، لا يمكنه الجلوس على طاولة الكبار.
الخوف من "الشبح اليمني" وثبات صنعاء
العمق الاستراتيجي والعقيدة الوطنية التي تُدار بها الأمور في صنعاء، جعلت صانع القرار السعودي يعيش في رعب دائم من أي تحرك يمني خارج السيطرة. لذلك، فإن الفيتو السعودي المفروض على "طارق عفاش" أو "الإصلاح" أو "الزبيدي" ليس لأنهم يشكلون خطراً على صنعاء، بل لأن الرياض تخشى أن يتحول أي سلاح أو نفوذ بيد هؤلاء إلى قوة وطنية قد تلتقي يوماً ما مع صنعاء في خندق الدفاع عن السيادة اليمنية الكاملة ضد الهيمنة الخارجية.
نهاية مشروع "الوصاية" والاعتراف بالأمر الواقع
إن التشكيك السعودي في الأدوات التابعة له يعكس قناعة الرياض بأن مشروع الوصاية عبر الوكلاء قد انتهى إلى غير رجعة، فالعالم اليوم، ومعه الإقليم، بات يدرك أن القرار اليمني الحقيقي يُصنع في العاصمة صنعاء، وأن الرهان على كيانات ممزقة وولاءات مشتتة هو رهان خاسر، ويدرك أن السعودية تريد تفصيل قادة بمقاس عجزها، لكن الجغرافيا اليمنية لا تقبل القسمة إلا على الأقوياء الثابتين فوق ترابها.
باختصار..
تخبط الرياض مع أدواتها هو النتيجة الطبيعية لكل من يبيع قراره الوطني للخارج. صنعاء اليوم لا تنتظر صك غفران من اللجنة الخاصة، ولا تبحث عن مقاسات ترضي المملكة، بل تصنع مقاساتها الخاصة بقوة السلاح، وثبات الموقف، والتفاف الشعب حول مشروع السيادة والاستقلال، وما لم يستوعب "مرتزقة الفنادق" هذا الدرس، فسيظلون مجرد أرقام مهمشة في حسابات الرياض، يُستبدلون بغيرهم بجرّة قلم عند أول تسوية حقيقية مع صنعاء القوية.