قول الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104].
يبدأ شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، بتقديم الدروس المهمة من خلال سياق الآية المباركة؛ لأنها دروس ذات أهمية كبيرة جدًّا، من نفس السياق، ومن نفس موقع الآية المباركة: ((ما علاقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، بالموضوع السابق، ألا يبدو بأنه توجيهٌ جديد؟ الآن نحن مقبلون على آيات سمعناها، معظم ما فيها توجيهٌ للمؤمنين))؛ لأن ما قبل الآية هو عرضٌ قرآنيٌ عن بني إسرائيل، عن تاريخهم، عن قصصهم، عن ما حدث في تاريخهم، عن تشخيص لهم، عن نعم الله عليهم، وكيف تعاملوا مع نعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي مقدِّمتها: نعمة الهداية، ثم في هذا السياق إذا بالآية القرآنية توجُّه النداء إلينا نحن، إلى المؤمنين، الذين آمنوا، ليقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، هنا نتأمل ما هي العلاقة بين ذلك العرض عن بني اسرائيل، ثم يأتي هذا النداء، هذا الخطاب المباشر للذين آمنوا.
((أليس كذلك؟ توجيهٌ للناس هو اتَّجه هذا الاتِّجاه، اتَّجهت هذه الآيات هذا الاتِّجاه بعدما أعطى صورةً كاملةً عمَّن؟ عن أمَّةٍ لم تهتدِ بهدي الله، كيف وصلت إلى أحط مستوى، وإلى أسوأ نفسية))؛ لأن هذا من أهمِّ الدروس التي نستفيدها من العرض القرآني قبل هذه الآية عن بني إسرائيل، تشخيص دقيق لهم، نصل من خلال هذا التشخيص إلى: أنَّهم أمَّة لم تهتدِ بهدي الله، والنتيجة كيف كانت؟ كيف وصلوا على المستوى النفسي، وعلى مستوى الانحراف في واقعهم: واقعهم الثقافي، واقعهم العملي، واقعهم النفسي؟ كيف وصلوا إلى مستوى سيء، إلى أحط مستوى، وإلى أسوأ نفسية؟ والسبب هو ماذا؟ أنَّهم لم يهتدوا بهدي الله، لم يقدِّروا نعمة الهدى التي كانت أعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم، فكان تعاملهم مع هدي الله، وتلك الطريقة السلبية، هو الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.
هذا يعطينا نحن، كأمِّةٍ مسلمة تتَّجه على أساس الاهتداء بالقرآن الكريم، درساً مهماً: في كيف ينبغي أن يكون تعاملنا مع هدى الله، وألَّا نسير في نفس الاتِّجاه الذي ساروا هم فيه، في طريقة تعاملهم معه هدى الله؛ لأن المسألة خطيرة جدًّا، لها هذه النتيجة: أن يصل الإنسان إلى أحطِّ مستوى، وإلى أسوأ نفسية، حينما يكون تعامله مع هدى الله بطريقة سلبية، لا يهتدي بهدى الله، لا ينتفع بهدى الله، تكون النتيجة خطيرة جدًّا.
((إذاً هذا الموضوع عندما تعرض حياة أو تاريخ أمَّة على هذا النحو، هي تخلق لديك حالة من ماذا؟ من التسليم لله، وحالة من ماذا؟ من التَّقبل لِمَا يأتي من عند الله))؛ لأن هذا هو الاهتداء، الاهتداء قائم على التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والتَّقبل، التَّقبل لِمَا يأتي من عند الله في واقع العمل، في واقع الالتزام، على مستوى الموقف بشكلٍ عملي، التسليم لله هو قضية عملية، التَّقبل لهدى الله هو قضية عملية، والتزام عملي، واستجابة في ميدان العمل والالتزام.
والقرآن الكريم يربينا هذه التربية: كيف نتعامل معه هدى الله على أساس التسليم لله، والالتزام العملي، والتَّقبل العملي، ونجد حينما نتأمل في واقعنا كأمِّةٍ إسلامية، وصلت إلى مستوى ما وصلت إليه من الشتات، والانحطاط، والضعة، وسيطرة أعدائها عليها، وفقدان عناصر القوَّة... وأشياء كثيرة، ومعها القرآن، ومعها القرآن تتلوه، يتوفَّر كمصحف بشكلٍ كبير، ويطبع بطبعات كثيرة، لكن لماذا ومعها القرآن تصل إلى ما وصلت إليه؟! لأن الخلل هو في مستوى الاهتداء بالقرآن الكريم، الاهتداء الذي يترتب عليه التزام عملي، واستجابة عملية، وتسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
المحاضرة الثانية ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الأربعاء: 3/12/1447هـ