((أي: كلمة معناها في داخل النفس، وليس في إطلاقهاً، معناها عند اليهودي سبٌّ للرسول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، إذاً هنا قضية يهودية لا تزال في الأعماق، داخل اليهودي، لا تزال في الأعماق داخل اليهودي، تعتبر ماذا؟ يحارب بها النبي، وهي ما زالت في داخله، لم تظهر على لسانه، لم تتحرَّك بشكل موقف، ما زالت في الأعماق، يجب أن تكونوا دقيقين في التعامل مع هذه، ليس فقط ما يبرز من اليهود، بل ما لا يزال في أعماق أنفسهم نوايا لديهم)).
وهذه تربية متقدِّمة جدًّا، يعني: ترتقي بالأمة لو أنَّ الأمَّة حملت هذه التربية القرآنية، واستوعبت هذا الهدى؛ لَمَا تمكَّن اليهود أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلى ما وصلوا إليه من نفوذ، وسيطرة، واحتلال، وهيمنة كبيرة في واقع هذه الأمَّة، لَمَا وصلوا إلى ذلك إطلاقاً؛ لأن القرآن الكريم يربينا هذه التربية: أن نتحرَّك في مواجهة اليهود، واتِّخاذ مواقف عملية، حتى تجاه ما لا يزال نوايا ومقاصد في داخل أنفسهم، لم يخرج إلى الواقع بشكل عملي، بشكل أعمال، بشكل قتل، أو بشكل أنشطة عدائية في الساحة؛ لأنه هنا اتَّخذ موقفاً منهم، وعلَّم المسلمين لاتِّخاذ موقف، وأمرهم بذلك تجاه ماذا؟ تجاه مقصد نفسي، شيء يقصدونه في أنفسهم، معنى لمفرده بشكلٍ سيء، لا يزال في داخل أنفسهم، لم يخرج إلى الواقع العملي بشكل أحداث، أو بشكل أنشطة تخريبية عدائية في الساحة، فلم يتساهل معهم، لم يتساهل معهم إلى أن يصل الأمر إلى مستويات خطيرة وكارثية.
وهنا القرآن الكريم يحدِّد لنا:
- ميدان الصراع معهم.
- مستوى الأهمية للموقف منهم.
- ومتى نبدأ في التحرُّك ضدهم، متى نبدأ.
كانت البداية من ذلك الواقع، من تلك الظروف، من هذا المستوى من التحرُّك العدائي من جانبهم، الذي لا يزال في إطار استخدام مفردة لمعنى سيء، يسيئون بها، بمقصد، هذه الإساءة لا تزال مقصد يقصدونه في أنفسهم، معنى في أنفسهم، هذا المستوى المتقدِّم من التحرُّك الجاد، وبعناية، وبتأكيد في مواجهتهم، يبيِّن لنا- فعلاً- الفجوة الكبيرة جدًّا في واقع الأمَّة، يعني: الآن وصلت الأمَّة إلى أنَّ الكثير منها لم يحنِ الوقت عندهم للتحرُّك لاتِّخاذ مواقف ضد اليهود بأي شكلٍ من الأشكال، حتى بالرغم مما قد فعلوا ويفعلون، وما قد وصلوا إليه، وما قد حصل من كوارث كبرى، وطامات رهيبة، ما يفعلونه:
- على مستوى حربهم الناعمة المفسدة، المضلَّة، التي قد أحدثت ضرراً رهيباً جدًّا في واقع الأمَّة، خللاً هائلاً جدًّا.
- وعلى مستوى حربهم الإجرامية الصلبة، الوحشية، المدمِّرة، التي فيها الجرائم الرهيبة جدًّا.
- وحتى ما يفعلونه بشكلٍ عام من إساءات كبرى إلى الرسول "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، إلى القرآن، إلى المقدَّسات، وما يهدِّدون به هذه الأمَّة على مستوى دينها ودنياها.
مع كل ما قد حصل، لا تزال النظرة لدى الكثير من أبناء هذه الأمَّة من مختلف أطيافها: على مستوى علماء دين، البعض منهم، على مستوى أكاديميين، على مستوى سياسيين، على مستوى جماهير، أنَّه لم يحنِ الوقت بعد عندهم هم في أن يتحرَّكوا لاتِّخاذ أي موقف تجاه ما يعمله اليهود؛ بينما القرآن حرَّك النبي والمسلمين لاتِّخاذ موقف في مرحلة مبكِّرة، في مقابل استخدام كلمة لمعنى سيء.
فنجد هنا درساً مهماً جدًّا، لنعرف متى هو الوقت للتحرك في مواجهتهم، الوقت هو بهذا المستوى: أن نتحرَّك بشكلٍ مبكِّر، دون أن ننتظر حتى تحصل الكوارث والطامات الكبرى، ثم نقول: [آن الأوان لنتحرَّك لاتِّخاذ موقف].
البعض الناس يعني يصل بهم الحال إلى أنهم يقدِّمون هذه كرؤية، كرؤية، أنَّه: [يجب الانتظار حتى يتمكَّن اليهود وأعوانهم من النصارى، وكل المنافقين، إلى أن يسيطروا بشكلٍ تام على كل شيء، وأن يصلوا إلى كل منزل، وأن يحتلُّوا كل مسجد، وأن يهينوا كل شخص، وأن يحقِّقوا كل أهدافهم، ثم بعد ذلك يمكن أن نقول: آن الأوان لاتِّخاذ موقف تجاه ما يعملون]! يعني: بُعْد رهيب جدًّا وشاسع عن هذه التربية القرآنية المهمة.
نجد هنا هذا الدرس المهم جدًّا: ((يجب أن تكونوا دقيقين في التعامل معهم، ليس فقط ما يبرز من اليهود، بل ما لا يزال في أعماق أنفسهم نوايا لديهم، {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}[البقرة:104]: توقَّفوا عن استخدام هذه الكلمة تماماً، عندما يتوقَّف العرب عن استخدام تلك الكلمة بشكلٍ عام، اتركوها نهائياً، لماذا؟ ليقفل المجال على اليهودي، فلا يكون بإمكانه أن يستخدمها، إذاً ألم يكن هذا موقفاً أمام نوايا، وقدِّم التوجيه به توجيهاً حاسماً، بعده: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]؟))، يعني: في نفس الآية تأكيد، تبدو المسألة عند الكثير طبيعية: [كلمة استخدمها أولئك استخداماً سيئاً، لمعنىً سيء في أنفسهم، فيأتي الأمر بمقاطعتها نتيجةً لذلك، لماذا؟ الآخرون يستخدمونها بمعنى طبيعي، غير مسيء]، المسألة أتى فيها توجيه حاسم: ((بعده: {وَاسْمَعُوا}[البقرة : 104]، واسمعوا ويكفيكم أن تسمعوا، وقد سمعتم كيف كان الذين لا يستجيبون لهدي الله، ولا يقيِّمون الأشياء التي تقدَّم إليهم، لا تكونوا كبني إسرائيل، تقولون: [ما هي الفائدة؟ ما فائدتها؟ ما هي القيمة لها؟ نحن نستخدمها]، لا، {اسْمَعُوا}: التزموا))؛ لأن المطلوب من عبارة: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104] هو الالتزام العملي.
(({وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]))، يأتي أيضاً هذا الوعيد، ((للرافضين، للكافرين أنفسهم، اليهود الذين لا يزالون يستخدمون نوايا سيئة، وللرافضين منكم، الذين لا يسمعون، {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104] منكم ومنهم))، من يرفضون هذا التوجيه يعني.
((هذه مع أنها تبدو في الصورة قضية بسيطة))، قد تبدو فعلاً لدى الكثير من الناس قضية بسيطة، {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}[البقرة:104]، يعني: قاطعوا هذه المفردة واتركوا استخدامها؛ لأن اليهود يستخدمونها بمعنى سيء في أنفسهم، سيقول البعض: [لكنَّنا نستخدمها بمعنى طبيعي، بمعنى جيد، فمالنا واستخدام اليهود لها لمعنى سيء، المسألة بسيطة]، ((هذه مع أنها تبدو في الصورة قضية بسيطة، لكنها تعطي منهجاً مهماً جدًّا في الصراع مع اليهود))، وهذا ما ينبغي أن نركِّز عليه وأن نستوعبه، هذه الآية تقدِّم هذه التربية، هذه المنهجية العظيمة في الصراع مع اليهود، ((أي: هي ترسِّخ عند المسلمين حالةً على مستوى عالٍ من اليقظة، والحذر، والانتباه، واتِّخاذ موقف أمام أي شيء من اليهود، وإن كان لا يزال نيةً في أعماق أنفسهم))، يعني: حتى لو كان مجرد نوايا، ظهرت مؤشرات تكشفها، وتدل عليها؛ فالمسألة أن نبادر لاتِّخاذ موقف، ألَّا ننتظرهم حتى تحصل الكوارث والطامات الكبرى، لنقول: [آن الأوان لنتحرَّك لاتِّخاذ موقف]، بل أن نحمل هذا المستوى من اليقظة، والحذر، والانتباه، والمبادرة في اتِّخاذ المواقف العملية الاستباقية، قبل انتظار الكوارث والطامات الكبرى.
((من أين أُتِيَ العرب؟ ومن أين أُتِيَ المسلمون حتى أصبح اليهود هم الذين يدرسونهم الآن؟ من أين؟ لم يحملوا هذه الروحية التي تعطيها هذه الآية: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، لم يعد لديهم اهتمام حتى بما يشاهدونه، بما يلمسونه، بما يحسُّونه من اليهود، لم يعد لديهم اهتمام أن يعملوا ضدهم شيئاً، ألم يفقدوا روحيةً؟ فقدوا تربيةً وجَّهت إليها هذه الآية)).
المحاضرة الثانية ضمن سلسلة محاضرات (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
للسيد القائد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي "يحفظه الله"
الأربعاء: 3/12/1447هـ