في هذا اليوم, يوم عاشوراء، في هذا اليوم, يوم العاشر من محرم وقعت فاجعة عظيمة ومأساة كبرى في تاريخ هذه الأمة، الأمة التي دينها الإسلام, وسماها الله ونبيها: المسلمين. تلك الفاجعة كان المفترض أن لا يقع مثلها إلا في تلك العصور المظلمة، في عصر الجاهلية، في عصر الشرك، في عصر الظلمات، كان الشيء المفترض والطبيعي لحادثةٍ مثل هذه أن لا تكون في عصر الإسلام، وفي ساحة الإسلام، وعلى يدي من يسمون, أو يحسبون على الإسلام، فما الذي حصل؟.
لم نسمع في تاريخ الجاهلية بحادثة كهذه!. ما الذي جعل الساحة الإسلامية مسرحاً لمثل هذه المآسي؟ لمثل هذه الأحداث المفجعة؟ ما الذي جعل من يسمون أنفسهم مسلمين، ويحسبون على الإسلام هم من ينفِّذون مثل هذه الكارثة!؟ مثل تلك العملية المرعبة المفجعة!.
وضد من؟ ضد من؟! هل ضد شخص ظل طيلة عمره كافراً يعبد الأصنام, ويصد عن الدين؟ هل ضد رجل عاش حياته نفاقاً ومكراً وخداعاً وظلماً وجبروتاً؟ كان هذا هو المفترض لأمة كهذه، أن يكون لها موقف كهذا أمام أشخاص على هذا النحو: كفر وشرك وطغيان وجبروت وظلم ونفاق.
لكنَّا نرى أن تلك الحادثة التي وقعت في الساحة الإسلامية، وعلى يد أبناء الإسلام، بل وتحت غطاء الإسلام وعناوين إسلامية، وخلافة تسمي نفسها خلافة إسلامية، نرى أن ذلك الذي كان الضحية هو من؟ واحد من سادة شباب أهل الجنة ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)). هو ابن سيد النبيين، هو ابن القرآن، هو ابن سيد الوصيين، وسيد العرب, على بن أبي طالب، هو ابن سيدة النساء فاطمة الزهراء، هو ابن سيد الشهداء حمزة.
ما الذي جعل الأمور تصل إلى أن يصبح الضحية في الساحة الإسلامية وتحت عنوان خلافة إسلامية وعلى يد أبناء هذه الأمة الإسلامية، أن يكون الضحية هو هذا الرجل العظيم؟.
إنه حدث - أيها الإخوة - مليء بالدروس، مليء بالعبر.. وما أحوجنا نحن في هذا الزمن إلى أن نعود إلى تاريخنا من جديد، إلى أن نعود إلى الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) فنتطلع في سيرته وحركته الرسالية، منذ أن بعثه الله رسولاً إلى أن صعدت روحه الشريفة للقاء ربه، إلى أن نعود إلى علي (عليه السلام) لنقرأ سيرته وحركته في الحياة، إلى أن نعود إلى الحسن وإلى فاطمة الزهراء وإلى الحسين، إلى الحسين الذي نجتمع هذا اليوم لنعزي أنفسنا بفقد مثله، وإلى أن نستلهم في هذا اليوم بالذات ما يمكننا أن نفهمه من دروس وعبر من تلك الحادثة التي كان هو وأهل بيته ضحيتها.
حادثة كربلاء فاجعة كربلاء هل كانت وليدة يومها؟ هل كانت مجرد صدفة؟ هل كانت فلتة؟ أم أنها كانت هي نتاج طبيعي لانحراف حدث في مسيرة هذه الأمة، انحراف في ثقافة هذه الأمة، انحراف في تقديم الدين الإسلامي لهذه الأمة من اليوم الأول الذي فارق فيه الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هذه الأمة للقاء ربه.
إذا ما فهمنا أن حادثة كربلاء هي نَتاج لذلك الإنحراف، حينئذٍ يمكننا أن نفهم أن تلك القضية هي محط دروس وعبر كثيرة لنا نحن, من نعيش في هذا العصر المليء بالعشرات من أمثال يزيد وأسوء من يزيد.
إن الحديث عن كربلاء هو حديث عن الحق والباطل، حديث عن النور والظلام، حديث عن الشر والخير، حديث عن السمو في أمثلته العليا، وعن الإنحطاط, إنه حديث عن ما يمكن أن تعتبره خيراً, وما يمكن أن تعتبره شراً، ولذا يقول البعض: إن حادثة كربلاء, إن ثورة الحسين (عليه السلام) حدث تستطيع أن تربطه بأي حدث في هذه الدنيا، تستطيع أن تستلهم منه العبر والدروس أمام أيٍّ من المتغيرات والأحداث في هذه الدنيا؛ لذا كان مدرسة, كان مدرسةً مليئة بالعبر, مليئةً بالدروس لمن يعتبرون, لمن يفقهون, لمن يعلمون.
الإمام علي (عليه السلام) عندما آلت الخلافة إليه كان أمامه عقبة كئوداً, شخص معاوية في الشام. أول قرار اتخذه الإمام علي (عليه السلام) هو أنه يجب عزل هذا الرجل ولا يمكن أن يبقى دقيقة واحدة في ظل حكم علي، يحكم منطقة كالشام باسم علي, وباسم الإسلام.
البعض نصح الإمام علياً (عليه السلام) بأنه ليس الآن وقت أن تتخذ مثل هذا القرار، معاوية قد تمكن في الشام، انتظر حتى تتمكن خلافتك ثم بإمكانك أن تعزله. يبدو هذا عند من يفهمون سطحية السياسة، وعند من لا يصل فهمهم إلى الدرجة المطلوبة بالنسبة للآثار السيئة, والعواقب الوخيمة لأن يتولى مثل ذلك الرجل على منطقة كَبُرَت أو صَغُرَت, على رقاب المسلمين, كمعاوية، تبدو هذه فكرة صحيحة.
دعه حتى تتمكن ثم بإمكانك أن تغيره بعد.. الإمام علي (عليه السلام) قال: لا يمكن.. واستشهد بقول الله تعالى: {وما كنتُ مُتخذ المضلينَ عضداً}(الكهف: من الآية51) عوناً ومساعداً؛ لأن من تعينه والياً على منطقة, أو تقرُّه والياً على منطقة ما، يعني ذلك أنك اتخذته ساعداً وعضداً، يقوم بتنفيذ المهام التي هي من مسؤوليتك أمام تلك المنطقة أو تلك.
عندما نعود إلى الحديث من هنا هو من أجل أن نعرف ما الذي جعل الأمور أن تصل إلى هذه الدرجة فنرى الحسين صريعاً في كربلاء، إنها الإنحرافات الأولى.
دروس من هدي القرآن الكريم
ملزمة دروس من وحي عاشوراء
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ 23/3/2002م
اليمن - صعدة