لم يتحدث القرآن عن الحسرات بالنسبة للكبار، الكبار يكفيهم حسرة أنهم يحملون أوزاراً كثيرة من أوزار الذين يضلونهم، من أوزار الذين يخدعونهم، {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (النحل:25).
تأتي الخصومة هناك في يوم القيامة, أو في النار, فنرى بأن تلك الخصومة لا يحصل من ورائها شيء إيجابي بالنسبة لهؤلاء المتحسرين النادمين، أن يتحولوا إلى كتل من العداء والمباينة لأولئك الذين كانوا في الدنيا كتلاً من الولاء والمعاونة لهم، لن تقبل هذه في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى، لن تقبل, لا قيمة لها. ألم يظهروا في حالة عداء لأعداء الله؟!، وعداء من ذلك النوع الشديد، ذلك الذي لو حصل منه جزء في الدنيا هنا لنفعهم.
فيعرضه القرآن الكريم لنا بأن تلك الخصومة ـ أيضاً ـ ليست خصومة بين أطراف عند طرف ثالث هو سيقضي بشيء لهذا الطرف الذي اكتشف بأنه مظلوم، وأنه كان مخدوعاً، وأنه كان مغروراً. لا.{لِكُلٍّ ضِعْفٌ}(الأعراف: من الآية38) {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة: من الآية167).
تتظلم, ما هم هنا تظلموا؟ {رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} (فصلت:29) {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ}(الأعراف: من الآية38)، أليس هذا تظلماً؟.
لا يجابون إطلاقاً في تظلمهم، ولا يقدر لهم ذلك الموقف أنهم أصبحوا يكرهون ويبغضون ويباينون أعداء الله هؤلاء الكبار الذين كانوا في الدنيا معهم، فقد تصححت وضعيتهم.. لا.. انتهى كل شيء، وما ذلك كله إلا نوع من العذاب النفسي لهم أيضاً، عذاب نفسي يعانون منه.
فقلنا: ما هو الموقف الصحيح من خلال ما نفهمه من مجموع هذه الآيات التي تتحدث عن مواقف خطيرة من هذا النوع؟ هو أنك وأنت هنا في الدنيا، ذلك الموقف الذي يمكن أن تقفه، وذلك الكلام الذي يمكن أن تقوله، وتلك المباينة، وذلك العداء، وذلك اللعن مكانه هنا في الدنيا حيث سينفعك، فقرين السوء ابتعد عنه، ولا تقل: [أنا فاهم وعارف لكل شيء، وما باستطاعته أن يخدعني، وأنا عارف كيف هو وأنا واثق من نفسي] وعبارات من هذه. هذا غير صحيح.
أنت من حيث المبدأ لا يصح لك أن تجالسه وتصادقه، وتكون على علاقة مستمرة معه، وتنادمه فتسمع منه الباطل، وهو يحاول أن يخدعك ويضلك, فتحاول أن تسكت عنه!. قد تحصل هذه تسكت عنه وتجامله ثم تقول أنت في الأخير أنك لن تتأثر، قد تتأثر، وحتى لو لم تتأثر فهذا موقف غير صحيح لا يجوز لك أن تقفه. إن كان سيقول كلاماً باطلاً هل أنت سترد عليه, وتوضح بطلان ما يقول؟ وإن كان سيقف موقفاً باطلاً هل أنت سترد عليه وتقول: لا, في هذا الموقف لن أكون معك؟.
هل إذا كان سيبذل ماله في الصد عن سبيل الله هل أنت ستمنعه وتقول: لا, لن أقف معك، وسأقطع علاقتي معك؟ لا بأس إن كنت من هذا النوع، لكن ما الذي سيحصل؟ مجاملات متبادلة، وسكوت عن باطل عن موقف باطل، عن قول باطل، عن بذل للقول وللمال وللنفس في مواقف وقضايا باطلة، وأنت تسكت وتحافظ على علاقتك معه.
إذاً أصبح الدين بكله لا يساوي علاقتك معه، أصبحت علاقتك بالله سبحانه وتعالى ليست بشيء في مقابل علاقتك مع هذا الشخص، أنت أصبحت في باطل، أنت يا من تقول:[بأن ما باستطاعته، أنا فاهم لكل شيء، ولن يستطيع أن يضلني]، هكذا قد ضليت، أصبحت في ضلال، وأصبحت علاقتك به أغلى من الدين كله؛ لأنه إن كنت متديناً فالدين مواقف، فإذا لم يكن لك مواقف أمام باطل يصدر من صديقك فهذا يكشف بأنك لست ملتزماً.
دروس من هدي القرآن الكريم
معرفة الله وعده ووعيده- الدرس العاشر
{رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ}
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ: 5 من ذي القعدة 1422هـ
الموافق: 29/1/2002م
اليمن - صعدة