أنصار الله: تقرير| يحيى الربيعي
تُمثل المقاطعة الاقتصادية في جوهرها الاستراتيجي امتناعاً طوعياً وشاملاً عن التعامل مع العدو في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية منها؛ كما أنها تتجاوز كونها موقفاً سلبياً مؤقتاً لتغدو سلاحاً استراتيجياً حاسماً، يحوّل معادلة المواجهة إلى سلوك عملي ملموس يهدف إلى تجفيف منابع قوة العدو الاقتصادية، وذلك عبر تطهير الأسواق الوطنية من منتجاته، والاستبدال بها منتجات استراتيجية تعزز توطين المنتج المحلي.
في هذا التقرير نقدم قراءة موثقة بالبيانات والشهادات الميدانية، تفكك خلفيات وأبعاد هذه المعركة المصيرية في مستوياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما يرصد التقرير تراجع أسهم الشركات الاحتكارية في البورصات العالمية بفعل المقاطعة، ويستعرض -في المقابل- هندسة البدائل الوطنية كأدوات فاعلة لصياغة استراتيجية تحرر اقتصادي، تؤسس لواقع يمني حر يعتمد في قوته واحتياجاته على موارده الذاتية وخيرات أرضه.
لم تكن المقاطعة الاقتصادية -يوماً- وليدةَ العصر الحديث أو إفرازاً لظروف سياسية مؤقتة، وإنما هي مرتكز سلوكي أصيل ضارب في عمق التاريخ البشري، وثّقته النصوص الدينية والقرائن التاريخية كأداة ردع فاعلة. إن امتداد مشروعية المقاطعة وتجذرها يتجلى بوضوح في الأوامر الإلهية الحازمة التي فرضت على الأمة مقاطعة الكافرين والمنافقين، بل إن التوجيهات القرآنية تجاوزت مقاطعة السلع والمنافع المادية لتصل إلى حد حظر ومقاطعة كلمات ومصطلحات محددة كان يستخدمها اليهود كتعبير عن حقدهم وبغضهم الدفين لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، مثل كلمة "راعنا" التي استُبدِلت بها كلمةُ "انظرنا".
وتؤكد هذه الحادثة بالدليل والشهادة القاطعة أن مقاطعة مصطلح لغوي أصبحت واجباً شرعياً، لأن استخدامه يمثل دعماً معنوياً وتساوقاً مع الأعداء. وبناءً على هذا القياس الإيماني الراسخ، تصبح مقاطعة بضائع ومنتجات الأعداء فريضة وضرورة حتمية لأنها تشكل في واقع الأمر دعماً مادياً كبيراً ومباشراً لمنظوماتهم العسكرية، وتفتح في الوقت ذاته مجالات خطيرة لتقبل السموم المميتة التي يمررها العدو عبر تفوقه العلمي والممنهج لضرب النسل والحرث، ونشر الأمراض المستعصية في صفوف الأمة.
في ظل الفارق المادي الكبير والخارج تماماً عن نطاق المقارنة التقليدية بين إمكانات الأمة الإسلامية والترسانة العسكرية المتطورة للأعداء، ونظراً لعمق الفشل والخيانة التي اتسمت بها أنظمة العمالة وحكام الجور الذين سيطروا على واقع الأمة فزادوا واقعها ضعفاً وهواناً، تبرز المقاطعة الشاملة كأهم سلاح استراتيجي يمكن من خلاله إحداث تأثير فعلي ومباشر على قوى الاستكبار، وإلحاق الضرر والنكاية المادية والمعنوية بهم في عقر ديارهم.
وتتميز هذه الآلية بكونها عملاً حضارياً تطبيقياً واقعياً يحقق نتائج ملموسة، ويمتاز بسلاسة التطبيق والاستمرارية من قِبل كافة فئات المجتمع دون الحاجة إلى تدريب أو خبرات عسكرية مسبقة، لاعتمادها الكلي على الإرادة الصادقة والالتزام العملي، مسببة شللاً لحركة العدو، وخسائر فادحة على كل المستويات.
وقد حدد شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي، رضوان الله عليه، الأبعاد السيادية والجهادية لهذا السلاح في المشروع القرآني، مركزاً على تحريض الأمة لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية لما تمثله الأسواق والثروات الإسلامية من شريان حياة أساسي تعتمد عليه قوى الطغيان لبناء قوتها الاقتصادية، حيث يؤكد: "الإنسان الذي يعتبر مجاهداً يجب أن يبذل جهده في سبيل الله، ويعرف ماذا ينبغي أن يعمل. وأعتقد فعلاً رفع الشعار، وتفعيل المقاطعة الاقتصادية، تعتبر من الجهاد في سبيل الله، ولها أثرها المهم فعلاً، بل قد يكون هذا الجهاد أشد على الأمريكيين مما لو كنا عصابات نتلقى لهم ونقتلهم، فهو يؤثر عليهم بشكل كبير من الناحية المعنوية والنفسية بالشكل الذي لا يستطيعون أن يواجهوه بأي مقولة من مقولاتهم، وفي نفس الوقت يعرفون أنه يضربهم ضربات نفسية ومعنوية رهيبة".
تتجاوز آثار المقاطعة الاقتصادية حدود النكاية المالية لتحدث ارتدادات وهزات بنيوية شاملة في جبهة العدو؛ فعلى الصعيد السياسي تشكل المقاطعة عملية ردع حقيقية تساهم بفعالية في تلاشي سياسات الهيمنة والاستعلاء، وتجبر العدو على مراجعة حساباته والتخلي عن قراراته العدائية ومخططاته الاستعمارية مجبراً، كونها تفرض عليه لغة القوة التي لا يفهم غيرها، مما يرفع من شأن الأمة وقيمتها السيادية في نظر أعدائها.
وعلى المستوى الاقتصادي، يتيح هذا السلاح للمواطن البسيط من قريته أو مدينته إمكانية تكبيد منظومات الأعداء خسائر فادحة تدفع بها نحو الأزمات الحادة والإفلاس، خاصة وأن القوى الاستكبارية تعتمد بشكل كلي على أسواقنا لإنعاش مزارعها ومصانعها، وبالتالي فإن تفعيل المقاطعة بشقيها الاستيرادي والتصديري، لا سيما في قطاع النفط، كفيل بشل قدرة العدو الذي لا يمكنه التحرك بدون التدفقات المالية.
وتتكامل هذه الضربات لتصل إلى البنية الاجتماعية للأعداء، حيث يؤدي تدهور المعيشة والأزمات الاقتصادية الناجمة عن المقاطعة إلى إشعال الثورات وتفكك الإمبراطوريات التي اعتادت مجتمعاتها رفاهية العيش ورغده كالمجتمع الأمريكي والصهيوني.
وفي المقابل، تتحول المقاطعة إلى رافعة لتصحيح الوضع الداخلي للأمة عبر توجيه السخط نحو العدو الحقيقي، وترشيد الاستهلاك الزائد، وتشجيع المنتجات المحلية لتأمين الاكتفاء الذاتي المستقل، وبناء واقع اقتصادي متين يجسد شعار "نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع".
ويتحرك هذا السلاح مستنداً إلى تجارب تاريخية قاطعة أثبتت جدواها في كسر شوكة القوى الاستعمارية؛ إذ نجحت الهند بقيادة غاندي في إلحاق خسائر فادحة بالاحتلال البريطاني عبر مقاطعة المنسوجات والملح المستورد، والاعتماد الكامل على الغزل والإنتاج المحلي، ما شكل دافعاً أساسياً لانسحاب بريطانيا.
وفي أمريكا، تمكن المواطنون السود من إسقاط نظام الفصل العنصري الجائر في قطاع المواصلات بمجرد امتناعهم الطوعي الشامل عن استخدام الحافلات والاعتماد على الأقدام والدراجات، ما كبد القطاع خسائر مادية فادحة أجبرت السلطات على إلغاء قوانينها التمييزية.
وفي ذات السياق، استطاع الشعب الياباني مواجهة الغطرسة الأمريكية بالامتناع المطلق عن شراء السلع الأمريكية، وتوجيه الدعم الكامل للصناعات الوطنية، ما أفرز فائضاً تجارياً ضخماً لصالح اليابان مكنها من فرض سيطرتها الاقتصادية حتى داخل السوق الأمريكية نفسها.
وعلى الساحة الوطنية، لم تقف هذه التعبئة الشاملة والواعية عند حدود الموقف النظري، بل تُرجمت عملياً بفعل المسار التحرري والقيادة الحكيمة إلى هزة استراتيجية عنيفة ضربت البنية الهيكلية لفاتورة الواردات الخارجية؛ وهي الفاتورة المليارية البالغة 8.8 مليار دولار سنوياً التي وظفتها قوى الاستعمار وشركاؤها الإقليميون طويلاً كأداة ارتهان ممنهجة لقضم القرار الوطني وإبقاء البلاد تحت وطأة الوصاية، امتداداً لإرث التبعية الاقتصادية المكرس على مدى ستة عقود من حكم الأنظمة البائدة، حتى أسقطت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م معادلاتِ هذا الارتهان بصياغة مرحلة الاستقلال والسيادة الوطنية الكاملة.
وفي مسار معركة التحرر الاقتصادي، يؤكد القائم بأعمال وكيل وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار لقطاع التجارة الداخلية وحماية المستهلك، محمد قطران، أن الوزارة سارعت إلى إسقاط أدوات الهيمنة عبر إصدار قرار حازم يقضي بمنع استيراد منتجات الشركات الأمريكية والإسرائيلية الداعمة للكيان الصهيوني.
وينطلق هذا الإجراء من حتمية النصرة المبدئية لشعب فلسطين المظلوم، والقطع الفوري للعوائد الصافية التي كانت تجنيها تلك الشركات من قوت الشعب اليمني، والتي تتراوح ما بين 500 مليون ومليار دولار سنوياً، حيث كانت تُحول مباشرة لتمويل آلة القتل الصهيونية واستهداف الأطفال والنساء في غزة.
وتأسيساً على هذه الرؤية الاستراتيجية الوطنية، تبلور المسار التشريعي والتنفيذي في هيئة قرارات حازمة وغير قابلة للمساومة، بدأت ملامحها الميدانية في الربع الأخير من عام 2023م بحظر الإعلانات التجارية وشطب وكالات الشركات الداعمة للكيان، وتوجت بالتوجيهات الصارمة الصادرة عن رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، في أبريل 2025م، والتي قضت بإلزام الحكومة ممثلة بوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار ومصلحة الجمارك بالبدء الفوري في تفعيل إجراءات حظر استيراد منتجات شركات ومصانع إنتاج البضائع الأمريكية والإسرائيلية، ومنع تداول كافة السلع الداعمة للكيان الصهيوني أياً كان مصدرها أو بلد منشئها الالتفافي.
واستجابةً لهذا المسار التحرري، صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (10) لسنة 1446هـ ليمثل خطوة حسم قانونية فرضت حظراً جمركياً شاملاً، مشفوعاً بأمر تنفيذي يقضي بإنفاذٍ كامل لقرارات حظر الاستيراد ومنع التداول ابتداءً من 18 أغسطس 2025م. ودشّن هذا القرار مرحلة تاريخية لإعادة رسم خارطة التجارة الخارجية وميزان المدفوعات الوطني، وتطهير السوق اليمني الذي اعتمد تاريخياً وبفعل السياسات السابقة بنسبة تقارب 95% على السلع المستوردة.
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد ومصلحة الجمارك عن حجم النكاية الاقتصادية بالعدو؛ إذ صدرت قرارات نافذة قضت بحظر دخول 99 سلعة وبضاعة أمريكية تابعة لشركات داعمة للكيان الصهيوني، بالتزامن مع شطب 354 وكالة تجارية، وإغلاق 12 شركة و23 فرعاً لشركات وبيوت تجارية أجنبية، إلى جانب إلغاء وتطهير السجلات الإدارية لـ 3227 علامة تجارية أمريكية وصهيونية، مما أدى عملياً إلى قطع الشرايين المالية المغذية لآلة الحرب الاستعمارية، وحماية الاحتياطيات النقدية الوطنية من التآكل والنزيف لصالح الأعداء.
تتجلى ارتدادات هذا السلاح الاقتصادي بوضوح في جغرافيا السيادة الوطنية، حيث تشهد العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الحرة حملة مقاطعة شعبية عارمة وصارمة، تزامنت مع انكسار حاد لأسهم الشركات الداعمة للاحتلال في الأسواق العالمية.
وحسب المعطيات الرسمية، سجلت أسهم شركة المشروبات الغازية "كوكاكولا" تراجعاً حاداً بلغ نحو 258 دولاراً للسهم، وانحدرت أسهم شركة "ماكدونالدز" إلى نحو 245 دولاراً، ما عكس حجم المأزق المالي الذي واجهه الصهاينة، دافعاً إياهم لإنفاق أكثر من 7 ملايين دولار على الحملات الإعلانية اليائسة لمحاولة امتصاص هذا الانكسار الاقتصادي غير المسبوق.
وعلى الضفة المقابلة، تحولت المقاطعة إلى ركيزة أساسية يرتكز عليها الشعب اليمني لتفجير طاقات الإنتاج المحتجبة وصناعة البدائل المستقلة، حيث انطلقت الجهات الحكومية والشعبية في مسار متكامل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام عبر تشجيع وتنمية مشاريع الاقتصاد المجتمعي المقاوم.
ويتجسد هذا التحول عملياً في تدفق البدائل الوطنية وصدارة حضورها في الأسواق، كالمشروبات الغازية المحلية "ون سي" و"ديلسي"، ومساحيق المنظفات عالية الجودة مثل "شروق" و"أبوللو" و"تيرا" و"ليجا"، وهي منتجات وطنية خالصة ويعمل على تصنيعها كوادر محلية من قِبل شركات وطنية رائدة كمؤسسة الجمل والمؤسسة اليمنية لصناعة السمن والصابون، لتثبت قدرة المنتج المحلي على كسر احتكار الواردات الأجنبية.
وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية لقطاع الثروة النباتية، الدكتور إبراهيم السراجي، أن كفاءة الإنتاج الزراعي اليمني شهدت قفزة نوعية كبرى خلال الفترة من 2015م حتى 2025م؛ حيث ارتفعت كميات إنتاج الحبوب بنسبة 21 بالمائة، بينما سجلت البقوليات نمواً مضطرداً بنسبة 31 بالمائة. وتجسد هذا الإنجاز الاستراتيجي ميدانياً في تحويل محافظة الجوف إلى مركز رئيس لإنتاج القمح وسلة غذاء وطنية، حيث بلغت المساحة المزروعة فيها خلال الموسم الماضي نحو 18 ألف هكتار، بإنتاجية متنامية تعزز من خطى الانعتاق من ارتهان اللقمة.
وفي ذات السياق الاستراتيجي الهادف لتقليص فجوة الاستيراد وتأمين الأمن الغذائي، بلغت المساحة المزروعة من محصول الذرة الشامية الواعد نحو 40 ألف هكتار، محققةً إنتاجاً كبيراً يقارب 120 ألف طن. وتوازياً مع هذا النمو، دخلت زراعة فول الصويا لأول مرة في تاريخ البلاد كمحصول استراتيجي انتقل فعلياً إلى مرحلة التوسع الميداني بتسجيل 1,350 هكتاراً مزروعة في منطقة باجل بإنتاج متوقع يصل إلى 3,200 طن، وبمشاركة فاعلة من أكثر من 300 مزارع، ما يعد خطوة حاسمة لتقليص فاتورة استيراد هذا المحصول التي تتجاوز 267 ألف طن سنوياً، ومواجهة فجوة الأعلاف التي نستورد من العدو منها ما يتجاوز 650 ألف طن سنوياً لإبقاء قطاع الثروة الحيوانية تحت وطأة الارتهان الخارجي.
ويعكس كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2023م حجم الثروة الحيوانية التي يمتلكها اليمن كقاعدة ارتكاز صلبة لبناء اقتصاد مقاوم؛ حيث بلغت أعداد الضأن أكثر من 10.7 ملايين رأس، والماعز 10.3 ملايين رأس، وقرابة مليوني رأس من الأبقار، إضافة إلى 462 ألف رأس من الجمال. ويؤكد وكيل قطاع الثروة الحيوانية، الدكتور عبد الرؤوف الشوكاني، أن القرارات السيادية الصارمة بوقف استيراد الأبقار من القرن الأفريقي حمت الأصول الحيوانية المحلية من الأوبئة الوافدة، وحفزت المربين نحو الإنتاج بكفاءة أعلى.
وفي قطاع الألبان، الذي دُشنت استراتيجيته الوطنية منتصفَ عام 2023م بإجمالي استثمارات بلغت 8.8 مليار ريال لتطوير البنية التحتية خصوصاً في سهول تهامة المعطاءة، قفز إنتاج الحليب قفزة نوعية وغير مسبوقة، مرتفعاً من 16.470 لتراً يومياً قبل إطلاق الاستراتيجية إلى نحو 157 ألف لتر يومياً بنهاية عام 2025م، ما أدى مباشرة إلى خفض فاتورة الاستيراد بنسبة 4.93 بالمائة، وتوفير نحو 19 مليون دولار من النقد الأجنبي سنوياً، مع استمرار العمل الثوري لردم الفجوة القائمة، حيث لا يزال السوق يعتمد بنسبة 69 بالمائة على الاستيراد لتلبية احتياج سنوي يقدر بنحو 1.37 مليون طن.
وعلى الصعيد التنموي، توسعت قاعدة الإنتاج الريفي ليرتفع عدد منتجي الحليب من 1218 إلى أكثر من 14 ألف منتِج خلال عامين ونصف، وبلغ إجمالي المستفيدين 104 آلاف شخص، من بينهم 1500 مستفيد من الجرحى الأبطال وأسر الشهداء الأبرار الذين تم تمكينهم اقتصادياً عبر تمليكهم أبقاراً إنتاجية. وضخ هذا القطاع الحيوي سيولة نقدية متداولة في أوساط المجتمع تجاوزت 36 مليار ريال، بقيمة توريد شهري للحليب بلغت نحو 1.9 مليار ريال، وبمستوى دخل شهري للمنتِج الواحد يصل إلى 135 ألف ريال، بالتوازي مع برامج النحل النوعية التي شملت تدريب ألفي مستفيد وتوزيع 30 ألف خلية نحل وإنشاء 4 معامل متطورة لفرز العسل والشمع و4 مراكز لإكثار النحل، فضلاً عن مشاريع تمكين لنحو 980 مستفيداً.
ويمثل قطاع الدواجن اليوم العمود الفقري للأمن الغذائي الوطني بعد نجاح المنتج المحلي في تحقيق تفوق كامل وحاسم على المستورد؛ حيث تشير البيانات الرسمية لعام 2025م إلى وصول إنتاج اللحوم البيضاء (الدواجن) إلى ما يقارب 200 ألف طن، وتجاوز إنتاج بيض المائدة حاجز 1.5 مليار بيضة. يدعم هذا الاستقرار نشاطاً تشغيلياً واسعاً لأكثر من 6 آلاف منشأة ومزرعة دواجن في مختلف المحافظات.
وجاء القرار الاستراتيجي بإيقاف استيراد الدواجن المجمدة في عام 2025م ليحدث نقلة نوعية أدت مباشرة إلى خفض فاتورة الاستيراد بنحو 86 مليون دولار، وإعادة تشغيل أكثر من 1500 مزرعة دجاج كانت معطلة بفعل الإغراق الخارجي. وتثبت الأرقام الميدانية حجم التعافي باستعادة نشاط نحو 1200 هنجر إنتاجي، وإعادة تشغيل 5 مسالخ كبرى، وإنشاء 4 مسالخ آلية جديدة، وتشغيل 3 فقاسات، وأكثر من 8 منشآت متطورة لتصنيع الأعلاف، فضلاً عن رفع السعة التخزينية لمخازن التبريد إلى 20 مليون دجاجة، وتسويق أكثر من 5 ملايين دجاجة عبر مشروع التجميد المحلي الحامي للمزارعين من تذبذب الأسعار.
يوضح وكيل قطاع التسويق، المهندس محسن عاطف، أن ثورة 21 سبتمبر المباركة أنهت وبشكل جذري عشوائية الاستيراد الممنهج الذي كان يدار بتوجيهات خارجية لتدمير المزارع اليمني وإبقائه رهن المنتجات الأجنبية، لا سيما بعد أن عمد العدوان إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية التسويقية، شمل استهداف 75 سوقاً زراعيةً بشكل كلي و46 سوقاً بشكل جزئي.
وتحول مسار المواجهة نحو إقرار سياسة حمائية صارمة حظرت استيراد أكثر من 52 منتجاً نباتياً وحيوانياً، ما أثمر عن خفض فاتورة الاستيراد الإجمالية بأكثر من 134 مليون دولار، تجسدت تفاصيله في توفير 86,930,360 دولار من الدجاج المجمد، و12,479,800 دولار من الأبقار الحية، و9,200,000 دولار من الثوم، و6,000,000 دولار من التفاح الخارجي، و1,908,625 دولار من الذرة الشامية، و1,750,000 دولار من الأغنام الحية، و1,057,500 دولار من الزبيب الخارجي.
وفي إطار هندسة الزراعة التعاقدية كأداة ضاربة لربط الإنتاج بالطلب الفعلي وضمان تسويق عادل يحمي عرق المزارعين، بلغت القيمة الإجمالية للمنتجات المسوقة تعاقدياً نحو 10.3 مليار ريال (ما يقارب 19.2 مليون دولار)، توزعت بدقة على تسويق 3,355 طناً من الدجاج المجمد بقيمة 6.959 مليار ريال، و1,980 طناً من التمور بقيمة 792 مليون ريال، و1,513 طناً من الذرة الشامية بقيمة 9.435 مليون ريال، و197 طناً من اللوز بقيمة 1.665 مليون ريال، و378 طناً من الليمون بقيمة 4.113 مليون ريال، و73 طناً من العدس بقيمة 62 مليون ريال، و40 طناً من التمر الهندي بقيمة 48 مليون ريال، و9 أطنان من الفاصوليا بقيمة 8.37 مليون ريال، و2.5 طن من الكمون بقيمة 7.2 مليون ريال.
وترافق هذا الاستقرار الداخلي الصلب مع نمو متصاعد في الصادرات الحيوانية التي تجاوزت 570 ألف رأس من الأغنام والماعز عام 2025م مقارنة بـ 450 ألف رأس عام 2024م، وتصدير 120 ألف طن من المانجو اليمني ذي الجودة العالمية العام الماضي، إلى جانب إنشاء 5 أسواق حديثة مجهزة في صعدة والجوف وتعز والحديدة، وتنظيم 4 مهرجانات نوعية للعسل و4 مهرجانات للبن لترسيخ الهوية الاقتصادية المستقلة وتحقيق التنمية الريفية المستدامة، مع استهداف توفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل في المرحلة المقبلة. وينضم إلى هذا النجاح الاستراتيجي الاستثنائي القفزةُ التي حققها قطاع بذور البطاطس في محافظة ذمار، حيث قفز الإنتاج المحلي ليتجاوز سقف 8 ألف طن، وهي الأرقام النهائية والحقائق الراسخة التي مكنت البلاد من تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل والانتقال الفوري نحو التصدير الخارجي لأول مرة في تاريخها الاقتصادي الحديث.
لقد استدعى ترسيخ معادلة المقاطعة الاقتصادية وتحويلها من موقف إجرائي مؤقت إلى ركيزة بنيوية دائمة في استراتيجية الدولة، استدعى حتمية الانتقال الفوري نحو خطوات استراتيجية كفيلة بإفشال مؤامرات الحصار والالتفاف التجاري الخبيث. وفي هذا السياق، تجاوزت الإجراءات الحكومية -بمسار تأمين سلاسل التوريد للحبوب الاستراتيجية وتحفيز نمط الإنتاج المقاوم- منطقَ الآمال والتطلعات، لتصبح خياراً وجودياً استوجب التخلي الكامل والنهائي عن سياسات التواكل التجاري والارتهان للاستيراد الأجنبي.
وتتحرك الإرادة الوطنية اليوم نحو التفعيل الشامل لمشاريع "الزراعة التعاقدية" وصياغة أطر تكاملية ومؤسسية تجمع بين المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، بهدف رفع معدلات إنتاج القمح والذرة محلياً بالاعتماد على النموذج التعاوني التنموي كإطار منظم وموجه للمجتمعات المحلية.
هذا الزخم الميداني يمثل الأداة الضاربة لتدمير أرقام العجز والتوقعات التبعية الموجهة، ومواجهة التحدي الاستيرادي ببدائل إنتاجية صلبة تنتزع الأمن الغذائي وتصوغ السيادة الوطنية الحقيقية من قلب التراب اليمني.
وتتكامل هذه المعركة الإنتاجية مع مسار الحماية الجمركية الصارمة، حيث تبرز كأولوية استراتيجية حتميةٍ ضرورةُ تزويد كافة المنافذ البرية والبحرية للجمهورية اليمنية بأحدث المنظومات المخبرية المتطورة وأجهزة الفحص الدقيقة والحديثة؛ لتقطع دابر شبكات التزوير الجغرافي والوثائقي التي تلجأ إليها الشركات الصهيونية لتمرير بضائعها عبر هويات دول أخرى، وتمنع تسرب السموم والمبيدات والكيماويات المهربة والمحرمة، تماشياً مع الموجهات الصارمة التي أطلقها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، والتي نبه فيها إلى خطورة المؤامرات الاستعمارية الخبيثة والسموم الممنهجة الموجهة للأبدان والحرث والنسل كأداة حرب لإنهاك طاقات الشعب اليمني وتدمير مقدراته الحيوية.
وعلى صعيد البناء الهيكلي للاقتصاد المقاوم، بات من المحددات السيادية توجيه السياسات النقدية والمصرفية لخدمة معركة التحرر؛ وذلك عبر إلزام البنوك وصناديق التمويل المحلية بتقديم خطوط ائتمان ميسرة وقروض إنتاجية بيضاء، بالتزامن مع منح إعفاءات جمركية وضريبية واسعة وشاملة للقطاع الخاص الوطني الملتزم بقرارات المقاطعة الشاملة، بما يضمن توطين صناعات تحويلية متطورة، وسد فجوات الأسواق بالمنتجات الوطنية الأصيلة ذات المواصفات القياسية العالية.
وفي نهاية المطاف، يفرض المسار الحالي تنظيم وتأطير الجهود الرسمية والمشاركة المجتمعية عبر سياق قانوني ومؤسسي واضح، يوحد جهود الرقابة المشتركة رسمياً وشعبياً على الأسواق لمنع أي محاولات للاختراق والتسلل التجاري بهويات مزيفة، بالتوازي مع شن حملات إعلامية وتوعوية واسعة النطاق وعابرة للمنصات تفضح الأضرار الصحية والنفسية والسرطانية الناجمة عن استهلاك منتجات الأعداء؛ لترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول وجعل عقيدة الولاء للمنتج الوطني جزءاً لا يتجزأ من معركة الكرامة والسيادة الحرة، وصناعة نصر اقتصادي مؤزر يوازي الانتصارات العسكرية والميدانية لليمن العظيم.