يبدأ شهر رجب بذكرى، وينتهي بذكرى، في ذاكرة الشعب اليمني والأمة الإسلامية، محمّلًا بدلالات تتجاوز كونه محطة زمنية عابرة، ليغدو زمنًا تتقاطع فيه البدايات الإيمانية المشرقة مع التضحيات المفصلية التي أعادت رسم مسار الأُمَّــة ووعيها.
ففي هذا الشهر دخل اليمنيون إلى الإسلام طواعية وإدراكًا، دون قهر أَو إكراه، في موقف جسّد صفاء الإيمان وحكمة الاختيار.
كما تُستعاد فيه ذكرى مفصلية لا تزال تلقي بظلالها على واقع الأُمَّــة وحاضرها، ذكرى استشهاد الشهيد القائد السيد حسين -سلام الله عليه- وهي ذكرى لا تُقرأ بوصفها فاجعة عاطفية فحسب، بل؛ باعتبَارها نقطة تحوّل تاريخية أعادت ترتيب الوعي، وحدّدت بوضوح معالم الاصطفاف بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرّر.
إن استشهاد السيد حسين -سلام الله عليه- لم يكن حدثًا عابرًا في سياق صراع سياسي محدود، ولا مواجهة ظرفية في زمان أَو مكان، بل شكّل صدمة كاشفة لواقع أُمَّـة كانت تعيش حالة من الغياب عن ذاتها، والانفصال عن مصادر قوتها الحقيقية.
فقد جاء استشهاده في زمن تراجع فيه حضور القرآن في حياة المسلمين، وتحول الدين لدى كثيرين إلى طقوس شكلية، في وقت كانت فيه قوى الهيمنة تعمل بهدوء على تفريغ الأُمَّــة من مضمونها الحضاري والإنساني.
في هذا الواقع المأزوم، برز الشهيد القائد بوصفه مشروعًا حيًّا لا مُجَـرّد شخصية عابرة.
حمل القرآن رؤية ومنهجًا، لا شعارًا يُرفع، وأعاد الاعتبار للعلاقة العضوية بين الإيمان والواقع، وبين النص والحركة، وبين العقيدة والموقف.
كانت معركته الحقيقية معركة وعي، تهدف إلى تحرير الإنسان من الخوف، وتحرير الأُمَّــة من التبعية، ولهذا كان استهدافه مبكرًا، لأن صوته لم يكن يهدّد نظامًا محليًّا فحسب، بل كان يربك منظومة الهيمنة بأكملها.
وقد أدرك الشهيد القائد أن أخطر ما يواجه الأُمَّــة ليس التفوق العسكري للعدو، بل حالة الاستسلام النفسي، والقبول بالهزيمة بوصفها قدرًا محتومًا.
ومن هنا جاءت دعوته الواضحة إلى كسر حاجز الصمت، وإعادة تعريف العدوّ، والتمييز بين الصديق والمتآمر، في وقت كانت فيه البوصلة مشوشة، والإعلام يمارس دورًا فاعلًا في إعادة تشكيل الوعي بما يخدم مصالح أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني.
لم يكن مشروع الشهيد القائد في بدايته مشروع مواجهة عسكرية، بقدر ما كان مشروع استنهاض أخلاقي وفكري، يعيد بناء الإنسان المسلم من الداخل، ويزرع فيه الثقة بالله، واليقين بعدالة قضيته.
ولهذا تحوّل استشهاده إلى نقطة انطلاق كبرى، كشفت دماؤه الطاهرة زيف الادِّعاءات، وفضحت طبيعة الاصطفافات، وأسقطت الأقنعة عن أنظمة وقوى ادّعت الحرص على الدين والوطن، بينما كانت تمارس أبشع أشكال الخضوع للخارج.
منذ تلك اللحظة، لم يعد اليمن كما كان قبلها.
فقد بدأت ملامح وعي جديد تتشكل، وبرز جيل يرى في القرآن مصدر قوة، وفي الاستقلال قيمة لا تقبل المساومة، وفي مواجهة الاستكبار واجبًا أخلاقيًّا قبل أن يكون خيارًا سياسيًّا.
هذا الوعي هو الامتداد الحقيقي لدماء الشهيد القائد، وهو ما يفسر استمرار حضوره في الوجدان الجمعي، لا بوصفه ذكرى تُستحضر، بل معيارًا يُحتكم إليه وموقفًا يُجسّد.
واليوم، حين يقف اليمن إلى جانب قضايا الأُمَّــة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لا يفعل ذلك من باب الشعارات أَو ردود الفعل، بل انطلاقا من رؤية تأسست بدم وتضحية.
فالموقف من غزة ولبنان ليس طارئًا ولا ظرفيًّا، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأه الشهيد القائد -رضوان الله عليه- مسار ربط الإيمان بالمسؤولية، وربط الكرامة بالتحرّر، ورفض فصل الدين عن قضايا العدل والإنسان.
وقد استمرت هذه المسيرة بقيادة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله- بوصفه امتدادا واعيًا لذلك المشروع القرآني، لا تكرارًا شكليًّا له.
فالمسار الذي بدأ بالتأسيس الفكري والروحي، تطور إلى حضور سياسي وشعبي فاعل، قادر على الصمود، وعلى فرض معادلات جديدة في مواجهة قوى كانت تعتقد أن اليمن سيبقى ساحة هامشية بلا إرادَة.
إن دماء الشهيد القائد لم تصنع حالة حزن عابرة، بل أسست لذاكرة مقاومة، ووعي متجدد، وأعادت تعريف معنى الشهادة بوصفها فعل حياة لا موت.
ومن هنا، فإن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يكون طقسًا عاطفيًّا، بل مراجعة دائمة للموقف، وتجديدًا للعهد مع القيم التي استشهد؛ مِن أجلِها.
وفي شهر رجب، حَيثُ بدأت مسيرة الإيمان في اليمن، واستشهد فيه قائد أعاد للإيمان معناه العملي، تتجدد المسؤولية التاريخية على عاتق كُـلّ من ينتمي لهذا المسار، بأن يبقى وفيًّا لجوهر المشروع لا لأشكاله، وأن يحافظ على البوصلة متجهة نحو العدوّ الحقيقي، مدركًا أن الأمم لا تُهزم حين تُستهدف، بل حين تنسى لماذا تقف، ولماذا تقاوم.