في الحادي عشر من فبراير عام 2015م، لم تكن مُجَـرّد سحب الدخان المتصاعدة من باحة السفارة الأمريكية في حي "سعوان" بصنعاء ناتجة عن إتلاف أوراق روتينية، بل كانت في جوهرها إعلانًا ميدانيًّا عن احتراق آخر أوراق "الوصاية الدولية" التي كبلت اليمن لعقود.
في ذلك اليوم المشهود، سطر اليمنيون صفحة فارقة في تاريخهم الحديث، حين غادرت قوات المارينز الأمريكية العاصمة صنعاء على عجل، في مشهد لم يكن عابرًا في الذاكرة الوطنية، بل تحول إلى رمز لانكسار الهيمنة وسقوط مشروع "المندوب السامي" الذي كان يدار من أروقة السفارة.
لقد مثل هذا الرحيل الجماعي، الذي جاء كأحد أهم ثمار الزخم الثوري الذي اجتاح البلاد، "نقطة الصفر" في مسار استعادة السيادة الوطنية.
فعلى مدى سنوات طويلة، تحولت السفارة الأمريكية في صنعاء من بعثة دبلوماسية إلى "وكر استخباراتي" وثكنة عسكرية متكاملة الأركان؛ حَيثُ كان السفير الأمريكي يمارس دورًا يتجاوز الأعراف الدولية، متدخلًا في تعيين الوزراء وقادة الألوية العسكرية، بل والإشراف المباشر على صياغة الدساتير والقوانين.
ومع بزوغ فجر الحادي عشر من فبراير، أدركت واشنطن أن البيئة السياسية والأمنية الجديدة لم تعد تسمح بوجود "دولة داخل الدولة"، وهو ما دفع المارينز إلى الهروب تحت جنح الارتباك، مخلفين وراءهم ترسانة من العربات المدرعة والملفات المحترقة.
مشهد المطار: كسر الكبرياء العسكري
إن التفاصيل التي رافقت عمليةَ الخروج تكشف حجم الانكسار الذي أصاب الكبرياء العسكري الأمريكي.
فوفقًا لتقارير ميدانية وشهادات موثقة، غادر السفيرُ "ماثيو تولر" ومعه نحو 100 من جنود المارينز وضباط وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) على متن موكب من 40 سيارة مدرعة اتجهت صوبَ مطار صنعاء الدولي.
وهناك، وقعت المواجهةُ الرمزية الأبرز؛ حَيثُ رفضت سلطات أمن المطار السماحَ للجنود الأمريكيين بالمغادرة بأسلحتهم الشخصية، مُصِرَّةً على إخضاعهم للقواعد الدبلوماسية المعمول بها.
وأمام هذا الإصرار اليمني السيادي، اضطر جنود النخبة الأمريكية إلى تحطيم أسلحتهم بالمطارق وتكسيرها في محيط المطار قبل الصعود إلى الطائرة، وهو المشهد الذي وصفته الصحافة العالمية بـ "الانتكاسة الاستخباراتية" المدوية.
ما بعد الجلاء: خفايا "وكر سعوان"
ولم يتوقف الأمر عند حدود مغادرة الأفراد، بل كشفت الأحداث اللاحقة عن حجم الاختراق الذي كان يمارسه الأمريكيون في مفاصل الدولة.
فقد عثرت الأجهزة اليمنية لاحقًا على كابلٍ بحري خاص يمتدُّ من البحر الأحمر مباشرة إلى قلب السفارة في صنعاء، بعيدًا عن الرقابة الوطنية، في محاولة لعزل الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.
كما كشفت الوثائق التي لم تسعف النيران الأمريكيين لإتلافها عن مخطّطات لتدمير ممنهج لقدرات الدفاع الجوي اليمني، حَيثُ أشرف خبراء أمريكيون في سنوات سابقة على إتلاف آلاف الصواريخ من منظومات (Strela) وَ(SAM-7)، لضمان بقاء اليمن منزوعَ الأظافر في مواجهة أية تهديدات خارجية.
هزيمة استراتيجية وبناء العقيدة الوطنية
إن القراءة التحليلية لهذا التحول التاريخي تؤكّـد أن خروجَ المارينز لم يكن "انسحابًا تكتيكيًّا" كما حاولت الخارجية الأمريكية تسويقَه حينها، بل كان هزيمة استراتيجية لمشروع "الاحتلال المقنع".
فبمُجَـرّد رحيل هذه البعثة، استعاد اليمن حقَّه الطبيعيَّ في تقرير مصيره السياسي بعيدًا عن "الفيتو" الأمريكي الذي كان يجهضُ أي تحَرّك نحو الاستقلال الحقيقي.
لقد وفّر جلاء 2015 "البيئةَ الوطنيةَ" اللازمة لبناء عقيدة قتالية جديدة للجيش اليمني، متحرّرةً من قيود "لجنة الهيكلة" ومكتب التعاون العسكري (OMC) الذي كان يديره البنتاغون من داخل صنعاء.
هذا الانفصال العملياتي سمح لليمن بتدشين برنامج "الاكتفاء التسليحي" بعيدًا عن الرقابة المباشرة، وهو ما مكن القوات المسلحة بقيادة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) من بناء ترسانة صاروخية وقدرات عسكرية انتقلت بالبلاد من مرحلة "الدفاع عن المركز" إلى مرحلة "الردع الاستراتيجي".
الخلاصة: صنعاء عاصمة القرار الحر
اليوم، تظل ذكرى 11 فبراير 2015 علامةً فارقةً في الوجدان اليمني؛ فهي ليست مُجَـرّد ذكرى لرحيل جنود أجانب، بل هي احتفاءٌ بيوم سقطت فيه الوصاية إلى الأبد.
إن مشهدَ المارينز "الحُفاة من سلاحهم" في مطار صنعاء يمثل درسًا بليغًا في تاريخ الصراعات، مفاده أن الإرادَة الشعبيّة حين تتجذر، تصبح الجغرافيا عصية على الانكسار.
إن الدروس المستفادة من "الهروب المذل" للمارينز تؤكّـد أن السيادة لا تُمنح كمنحة دبلوماسية، بل تُنتزع انتزاعًا بصمود الشعوب.
وما نشهده اليوم من ثباتٍ يمني في مواجهة الضغوط الدولية والتحالفات العسكرية ليس إلا امتدادًا طبيعيًّا لتلك اللحظة التي قرّر فيها اليمنيون إغلاقَ "وكر سعوان" وفتحَ آفاق الاستقلال والكرامة، لتظل ذكرى 11 فبراير شاهدًا حيًّا على أن زمنَ الوصاية قد ولَّى إلى غير رجعة.