ليست كل البيانات السياسية سواء ولا كل المناسبات قابلة للاختزال في بعدها الرمزي بعض الخطابات تتحول إلى مفاصل تفسيرية تعيد قراءة الماضي وتعيد ترتيب الحاضر وتستشرف المستقبل في آن واحد بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله بمناسبة ذكرى جلاء المارينز الأمريكي من صنعاء في 11 فبراير 2015م يندرج ضمن هذا النوع من الخطابات فهو لا يستحضر حدثا تاريخيا فحسب بل يعلن بوضوح أن مشروع تغيير الشرق الأوسط الجديد الذي صاغته مراكز القرار الأمريكية قد دخل مرحلة الانكسار.
في القراءة التقليدية قد ينظر إلى خروج المارينز الأمريكي من صنعاء كحادثة سياسية مرتبطة بظرف داخلي يمني معقد لكن البيان يرفض هذا الاختزال ويضع الحدث في سياق استراتيجي أشمل باعتباره نقطة انهيار لمرحلة كانت فيها واشنطن تمارس نفوذا مباشرا على مركز القرار اليمني الإشارة إلى أن السفير الأمريكي كان صاحب الكلمة والقرار الأول ليست مجرد توصيف سياسي بل إعادة تعريف لمرحلة كانت فيها الدولة اليمنية جزءا من هندسة خارجية للقرار.
هنا يتحول 11 فبراير 2015م إلى لحظة استعادة سيادة لا بالمعنى الإداري بل بالمعنى الوجودي السيادة في هذا السياق هي كسر معادلة التبعية ورفض إعادة تشكيل الإرادة الوطنية وفق مصالح عابرة للحدود ومن هذه الزاوية فإن خروج المارينز لم يكن حدثا محليا بل كان ضربة مبكرة لمعادلة الهيمنة المباشرة التي بني عليها مشروع الشرق الأوسط الجديد.
لكن البيان لا يقف عند حدود الجغرافيا اليمنية إنه يربط بوضوح بين التجربة اليمنية بقيادة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه والثورة الإسلامية في إيران عام 1979م بقيادة الإمام روح الله الخميني عليه السلام باعتبارهما محطتين في مسار تحرري واحد يرفض الوصاية الأمريكية ويعيد تعريف العلاقة بين الأمة ومصيرها هذا الربط ليس احتفاليا بل استراتيجي إذ يؤكد أن مشروع تغيير الشرق الأوسط لم يواجه دولة منفردة بل واجه مسارا ممتدا من الرفض والممانعة.
المشروع الذي روج له منذ مطلع الألفية سواء عبر الاحتلال المباشر كما حدث في العراق أو عبر هندسة الفوضى،د أو عبر الضغط السياسي والعقوبات كان يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بحيث يصبح الكيان الإسرائيلي القوة المركزية غير المنازع عليها وتتحول بقية الدول إلى كيانات وظيفية تدور في فلك المصالح الأمريكية لكن ما حدث فعليا هو العكس تعددت ساحات المقاومة وتحولت محاولات التفكيك إلى أسباب لإعادة التشكل.
بيان السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله يذهب أبعد من الجغرافيا والسياسة إلى تفكيك الأساس الأخلاقي الذي يستند إليه المشروع الغربي الكافر وهنا يدخل ملف جيفري إبستين بوصفه أكثر من فضيحة جنائية إنه في قراءة البيان تجل لكارثة أخلاقية فيها من القبح ما يكفي داخل النخبة التي تقدم نفسها للعالم كحامية للقيم والديمقراطية وحقوق الإنسان.
قضية إبستين بما كشف فيها من شبكات استغلال جنسي للقاصرات وعلاقات مع شخصيات سياسية ومالية وإعلامية نافذة كشفت جانبا عميقا من طبيعة السلطة في الغرب الكافر المتوحش سلطة تتشابك فيها المصالح وتستخدم فيها الانحرافات الأخلاقية كأدوات ابتزاز ونفوذ وما انتشر عالميا من اتهامات حول طقوس منحرفة منها شرب الدم وقتل الأطفال في سلوكيات صادمة ودوائر نفوذ تعمل في الظل سواء ثبت بعضها أو بقي في إطار التحقيقات والجدل أسهم في تعرية صورة النخبة الأخلاقية التي طالما نصبت نفسها وصية على شعوب المنطقة.
الرسالة التي يريد البيان إيصالها هنا ليست سرد تفاصيل جنائية بل هدم فكرة التفوق القيمي فحين تتورط نخب سياسية ومالية في فضائح بهذا الحجم وحين تتحول الجرائم إلى أسرار دولة وحين يقتل المتهم في ظروف غامضة داخل أكثر السجون حراسة في العالم فإن السؤال لم يعد من أخطأ؟ بل أي منظومة هذه التي تدير العالم؟
من هنا يربط البيان بين غزة وإبستين غزة تمثل الوحشية في العلن من قصف وحصار وتجويع وقتل جماعي وبين إبستين يمثل الانحطاط في الخفاء شبكات نفوذ وفضائح ودوائر سلطة محاطة بالحصانة الصورة الكاملة في هذا الطرح تقول إن المشروع الذي أراد إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت عنوان الإصلاح والحداثة والسلام يفتقد في جوهره إلى الأساس الأخلاقي الذي يمنحه شرعية القيادة.
فشل مشروع تغيير الشرق الأوسط الجديد إذا ليس فقط في عجزه عن إخضاع غزة أو كسر صنعاء أو تطويع بيروت أو عزل طهران بل في سقوط قناعه القيمي لم يعد بإمكانه الادعاء أنه يقود العالم نحو العدالة بينما تتكشف داخله أزمات أخلاقية وسياسية بهذا الحجم.
بيان السيد القائد يحفظه الله يحمل كذلك رسالة داخلية واضحة السيادة ليست ذكرى تحتفل بها بل مسؤولية تحمل كل يوم الخطر كما يشير ليس في قوة العدو وحدها بل في التخاذل والغفلة هذا الربط بين السياسة والهوية الإيمانية يفسر قدرة المجتمع على الصمود رغم سنوات من الحرب والحصار إذ تتحول المواجهة من معركة مصالح إلى معركة معنى.
استراتيجيا يمكن قراءة البيان كإعلان عن مرحلة ما بعد الأحادية الأمريكية فالعالم لم يعد كما كان في تسعينيات القرن الماضي موازين القوى تتغير ومراكز القرار تتعدد والقدرة على فرض الإرادة بالقوة الصلبة تتآكل في هذا السياق يصبح الحديث عن الشرق الأوسط الجديد أقرب إلى سردية قديمة فقدت شروط تنفيذها.
قد تستمر الضغوط والعقوبات، والحروب بالوكالة، ومحاولات التطويق الإعلامي والسياسي لكن البيئة لم تعد صامتة تعددت الأصوات وتنامت قدرات الردع وبرزت إرادات ترفض إعادة هندسة مصيرها من الخارج في المحصلة بيان السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله لا يكتفي بإحياء ذكرى تاريخية بل يعلن بوضوح أن مشروع تغيير الشرق الأوسط الجديد لم يحقق أهدافه الكبرى لم يخضع إرادة الشعوب ولم ينه قضية فلسطين ولم يفرض معادلة هيمنة مستقرة بل أنتج مقاومات جديدة وكشف هشاشة الأساس الأخلاقي لمن أرادوا قيادة العالم.
هكذا يتحول البيان من خطاب مناسبة إلى إعلان سياسي صريح زمن الفرض الأحادي يقترب من نهايته ومشروع إعادة تشكيل المنطقة من الخارج لم يعد يملك أدوات الحسم كما كان يتصور وما جرى في صنعاء عام 2015م لم يكن تفصيلا عابرا بل كان أحد أوائل الشقوق في جدار مشروع أراد إعادة كتابة تاريخ المنطقة فإذا به يكشف حدود قوته وحدود شرعيته في آن واحد.