في محاضرته الرمضانية الثامنة، واصل السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي "نصره الله" استحضار الدروس العظيمة من قصة نبي الله موسى عليه السلام في سورة القصص، متوقفًا عند قوله تعالى:
﴿فَردّدنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أكثرهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ باعتبَارها محطة إيمانية عميقة تكشف جانبًا من رعاية الله العجيبة وتدبيره الحكيم في أحلك الظروف وأشدها خطورة.
وبالتالي أوضح السيد القائد أن إعادة موسى عليه السلام إلى أمه بعد أن أُلقي في اليم، في ظل بطش فرعون وجبروته، تمثل نموذجًا عمليًّا لرعاية الله لعباده المؤمنين في المهام الصعبة.
ففي لحظة بدا فيها المشهد وكأن كُـلّ الأسباب الظاهرة تشير إلى الهلاك، كان تدبير الله يسير في اتّجاه النجاة والتمكين.
إنها رسالة قرآنية خالدة: الله غالب على أمره، مهما بلغت إمْكَانات الطغاة، ومهما أحاطوا أنفسهم بأجهزة القمع والجبروت، فإنهم يقفون عاجزين أمام التدبير الإلهي الذي لا يُغلب.
أيضًا أكّـد السيد القائد أن جوهر الآية يتمثل في ترسيخ حقيقة مركزية: أن وعد الله حق.
فهو ليس احتمالًا، ولا وعدًا مشروطًا بمزاج القوى الكبرى، ولا مرتبطًا بحسابات البشر القاصرة، بل هو وعد إلهي صريح لا يمكن لأحد أن يمنعه أَو يؤخره.
وبيّن أن من أهم ما يدل على صدق إيمان الإنسان بالله هو إيمانه الراسخ بأن وعد الله سيتحقّق لا محالة، وأنه يتعامل مع هذا الوعد؛ باعتبَاره حقيقة مستقبلية مؤكّـدة، لا مُجَـرّد أمنية عاطفية.
في المقابل، فإن المشكلة الكبرى تكمن في الجهل بهذه الحقيقة، الجهل بسنن الله ووعوده، وهو جهل له تبعات خطيرة؛ إذ يقود إلى الاضطراب واليأس والانكسار.
أيضًا شدّد السيد القائد على أن أعظم خسارة يمكن أن يُمنى بها الإنسان هي خسارة الإيمان.
فلو امتلك الإنسان الدنيا بأسرها، لكنه فقد إيمانه وثقته بالله ووعده، فإنه يكون قد خسر الخسارة التي لا يعوضها شيء.
الإيمان ليس مُجَـرّد شعور وجداني، بل هو وعيٌ بحقائق القرآن، وثقة بوعد الله، واستجابة عملية لله في واقع الحياة.
ورعاية الله – كما أكّـد – تأتي في حالة الاستجابة الصادقة لله، والسير وفق هديه وتعاليمه.
وبالتالي أوضح السيد القائد في المحاضرة واقع المستضعفين، مؤكّـد أن سبيل الخلاص يبدأ بالتوجّـه الصادق إلى الله، مهما كانت الأوضاع صعبة، ومهما كان حجم الطغيان متعاظمًا.
فالخلاص لا يأتي عشوائيًّا، بل يأتي للمستضعفين الواعين الذين يعالجون جهلهم، ويرسخون في وجدانهم أن وعد الله حق، ويتحَرّكون وفق هذا اليقين.
وبيّن السيد القائد أن حالة اليأس التي تعيشها بعض الشعوب ناتجة عن الجهل بالله وصفاته؛ فالله هو العظيم، القوي، العزيز، المهيمن، الجبار، ومن يعرف الله بهذه المعرفة لا يمكن أن يستسلم للواقع مهما اشتد.
وعند إسقاط هذه الدروس على واقع الأُمَّــة الإسلامية، أشار إلى أن كَثيرًا من مظاهر التيه والضياع تعود إلى عدم الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها، وإلى ضعف اليقين بوعده.
فالقرآن – كما أوضح – يقدم حقائق واضحة وصريحة، ووعودًا إلهية جازمة، لم تكن يومًا مُجَـرّد احتمالات أَو أمنيات مؤجلة.
إن الجهل بسنن الله في النصر والتمكين يؤدي إلى نتائج خطيرة، أبرزها الارتهان للواقع، والقبول بالهزيمة النفسية، بدل الانطلاق من وعد الله نحو مشروع تحرّري إيماني واعٍ.
مواجهة الطغيان باليقين
وفي سياق الحديث عن الطغيان المعاصر، شدّد السيد القائد على أن مواجهة هذا الواقع لا تكون إلا بالعودة الجادة إلى الله، وترسيخ اليقين بأن وعده بإسقاط الطغيان حق لا يتخلف.
فالمعركة – في جوهرها – معركة وعي وإيمان قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة ثقة بالله قبل أن تكون معركة موازين مادية.
واختتمت المحاضرة برسالة واضحة:
إن الأُمَّــة حين تعود إلى الله، وتداوي جهلها، وتؤمن إيمانًا راسخًا بأن وعد الله حق، فإنها تضع أقدامها على طريق الخلاص، تمامًا كما أعاد الله موسى إلى أمه، وكما أسقط فرعون رغم جبروته.
إنها سنن إلهية ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير.
ومن يوقن بوعد الله، يرى في قلب المحنة بشائر النصر.