كيف يُواجَهُ الطغيان حين يبلغ ذروة جبروته؟ وكيف نقرأ الصراع لا بميزان القوة المادية وحدها، بل بميزان السنن الإلهية الحاكمة للتاريخ؟ وكيف نثبت حين تتكاثر أدوات الإخافة والتضليل، وتتهاوى المواثيق الدولية الزائفة؟

هذه الأسئلة الكبرى لم تعد ترفًا فكريًّا، بل صارت ضرورة وجودية لأمة تواجه أعتى طغيان معاصر.

وقد جاءت المحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، يحفظه الله، لتقدم إجابات قرآنية حاسمة، لا بوصفها موعظة عاطفية؛ بلْ باعتبَارها منهجَ مواجهة، ودستورَ تحرّر، وخارطة طريق للمستضعفين.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾.. قانون الهيمنة الإلهية:

تكشف المحاضرة من خلال قصة موسى عليه السلام أن الصراع الحقيقي ليس بين مستضعَف وطاغية، بل بين وَهْمِ القوة وحقيقة الغلَبة الإلهية.

تحول فرعون من قاتل للأطفال إلى كافل لمن سيكون سبب هلاكه ليس حدثًا تاريخيًّا معزولًا، بل نموذج متكرّر في مسار الطغاة.

الرعاية الإلهية لا تنفصل عن الحركة؛ فالطمأنينة لا تمنح للقعود، بل للطاعة المقرونة بالفعل: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾.

كل الاحترازات الأمنية والعسكرية التي يبنيها الطاغوت تنهار حين تصطدم بإرادَة الله، لأن السنة الإلهية لا تخترق.

الانتقال من الخوف إلى السكينة: ﴿فَردّدنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾، هو رسالة دائمة لكل مؤمن أن القلق مرحلة عابرة، أما العاقبة فليقين المؤمن.

 

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.. اليقين الذي يصنع التاريخ:

تؤكّـد المحاضرة أن أخطرَ ما تصاب به الأممُ ليس الهزيمة العسكرية، بل فقدان اليقين.

الإيمان ليس معلومة ذهنية، بل علم حي متنام يصل بالإنسان إلى الطمأنينة بوعد الله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.

وعد التمكين للمستضعفين سنة جارية: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض﴾، يتجدد كلما وجد من يحمل شروطه.

خسارة الإيمان أعظم من أي خسارة مادية؛ لأن من يبيع يقينه لا يربح حتى لو ملك الدنيا.

تمييز المستضعفين بين من ارتهن للباطل، ومن وعى طريق الخلاص، يكشف أن الاستضعاف ليس عذرًا دائمًا، بل امتحان موقف.

الأخذ بالأسباب ليس خيارًا، بل قاعدة حاكمة؛ فالله يحكم النتائج ضمن منظومة السنن، لا ضمن الأماني.

 

علو العدوّ الصهيوني.. وسقوطه المحتوم:

تنتقل المحاضرة من التاريخ إلى الحاضر، لتضع العدوّ الإسرائيلي في موضعه الحقيقي ضمن معادلة القرآن.

العلو الصهيوني بلغ حدًّا كَبيرًا، وإجرامه تجاوز نماذج الطغيان التاريخي: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.

هذا العلو ليس نهاية المطاف، بل مقدمة السقوط: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.

قاعدة ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ تجعل العقاب الإلهي متجددًا بقدر تجدد الطغيان.

التطبيع ليس "حكمة سياسية"، بل انتحار أخلاقي وعقائدي قائم على اليأس من وعد الله.

الرؤية الصهيونية الدونية للشعوب تفضح زيف الخطاب الحقوقي الغربي، وتؤكّـد أن الصراع وجودي لا تفاوضي.

كيف نواجه؟ العودة إلى الله بوصفها استراتيجية:

لا تترك المحاضرة السامع في دائرة التحليل، بل تنقله إلى ميدان الفعل.

تصحيح المسار شرط المعية: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾.

الثقة بوعد الاستخلاف والنصر ليست شعارات، بل ثوابت حركة: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

رفض التبعية لأمريكا ومنظومتها ليس موقفًا سياسيًّا فحسب، بل تحرّر عقدي من الشراكة في الجريمة.

حين تتحول المحاضرة إلى دستور لقد تحولت المحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله إلى دستور للمستضعفين، في زمن سقطت فيه الأقنعة، وانكشفت المواثيق الغربية بوصفها أدوات خداع لا حمى للحقوق.

 

إنها محاضرة تعلّمنا:

أن الإيمان بـ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾ هو السلاح النفسي الأول.

وأن وعد الله حق لا يتخلف مهما طال الزمن.

وأن علو "إسرائيل" مرحلة عابرة يعقبها سقوط مريع.

وأن النجاة تبدأ من الوعي، وتكتمل بالحركة، وتتوج بالثبات.

هكذا لم تعد كلمات السيد مُجَـرّد خطاب رمضاني، بل ميثاق وعي، وبوصلة تحرّر، وعقد ثقة بين السماء والمستضعفين.