لطالما سُوِّقت أمريكا لنفسها كـ "شرطي العالم" والقوة التي لا تُقهر، لكن المتغيرات المتسارعة أثبتت أن واشنطن لم تعد قادرة حتى على توفير أمنها الخاص، فكيف لها أن تمنحه للآخرين؟ إن المتأمل في خارطة النفوذ الأمريكي يدرك يقينًا أن وجودها في أي نقطة من العالم لم يكن يومًا عامل استقرار، بل كان فتيلًا للاضطراب وزعزعة الأمن ونهب الثروات، ليتضح أن "الأمن الأمريكي" ما هو إلا بضاعة وهمية تُباع للخائفين مقابل سيادتهم وأموالهم.
لقد ورّط المجرم نتنياهو الإدارة الأمريكية في "رمال متحَرّكة" لا يمكن الخروج منها؛ حَيثُ سحب واشنطن إلى حرب استنزاف كبرى كشفت عجز الترسانة العسكرية الغربية أمام إرادَة الشعوب.
وفي خضم هذا التخبط، جاء المعتوه ترامب ليُجهز على ما تبقى من "هيبة" أمريكا؛ فتصريحاته المتناقضة وسياسته القائمة على الابتزاز المالي جعلت من الدولة العظمى مُجَـرّد "شركة أمنية" فاشلة، تطلب المليارات مقابل حماية عجزت عن توفيرها لقواعدها وجنودها الذين يتساقطون تحت ضربات محور المقاومة.
وهنا تجلت بوضوح وبصيرة نادرة الكلمات الخالدة للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، حين قال إن "أمريكا قشة".
هذه الكلمة التي رآها البعض قديمًا مبالغة، أصبحت اليوم حقيقة جيوسياسية يشهدها العالم؛ فأمريكا التي لا تستطيع حماية بوارجها في البحر الأحمر أَو قواعدها في المنطقة، هي في الواقع "نمر من ورق" يزأر إعلاميًّا وينهار ميدانيًّا.
إن هذا الواقع يضع الأنظمة التي ارتمت في أحضان واشنطن أمام حقيقة مُرّة: كيف يمكن لمن عجز عن حماية "بيته الزجاجي" وقواعده المحصنة أن يحمي عروشكم؟ لقد تحولت تلك الدول إلى "صرافات آلية" لتمويل حروب خاسرة، بينما تكتفي أمريكا بتقديم الوعود الجوفاء.
إن العالم اليوم يقف أمام مرحلة تاريخية سقطت فيها أُسطورة "القوة التي لا تغلب"، وبات جليًّا أن الاستناد إلى أمريكا هو استناد إلى سراب، وأن المستقبل لا يُصنع إلا بالسيادة والاعتماد على الذات ورفض الهيمنة التي أثبتت الأيّام أنها أوهن من بيت العنكبوت.