منذ أَيَّـام تشهد المنطقة تطورات متسارعة مع الحديث عن اقتراب توقيع اتّفاق جديد بين إيران وأمريكا، بعد أشهر من التآمرات والمواجهات العسكرية والتصعيد الذي كاد أن يقود المنطقة إلى حرب واسعة.
ووفق ما تسرب من بنود مذكرة التفاهم الأولية، فإن الاتّفاق يتضمن وقفًا للتصعيد العسكري، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، والتخفيف التدريجي للعقوبات الاقتصادية، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالمِلف النووي والدخول في مفاوضات إضافية خلال فترة زمنية محدّدة.
كما تتحدث مصادر متعددة عن تضمين الاتّفاق بنودًا مرتبطة بتهدئة جبهات التوتر في المنطقة، خَاصَّة لبنان.
لكن السؤال الأهم ليس: ما هي بنود الاتّفاق؟ لكن هل ستفي أمريكا بما تتعهد به؟.
التجربة التاريخية تجعل هذا السؤال مشروعًا.
فإيران سبق أن وقعت الاتّفاق النووي عام 2015، ثم انسحبت أمريكا منه بصورة أحادية وأعادت فرض العقوبات.
لهذا فإن كَثيرًا من المراقبين يرَون أن طهران انتصرت، ولن تبني حساباتها على الوعود الأمريكية وحدها، إنما على ما يتحقّق عمليًّا على الأرض من رفع للعقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وتنفيذ الالتزامات المعلنة.
كما أن بعضَ التقارير تشيرُ إلى استمرارِ الخلافات بشأن توقيت تنفيذ البنود وآلية التحقّق منها، وهو ما يعكس استمرار حالة انعدام الثقة بين الطرفين.
أما كيان العدوّ الصهيوني، فيبدو أنه الطرف الأكثر انزعَـاجًا من أي تفاهم أمريكي إيراني.
فالتقارير الغربية تتحدث عن مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي الاتّفاق إلى تعزيز القدرات الاقتصادية الإيرانية وإلى تقييد حرية الحركة العسكرية للكيان في بعض الساحات، خُصُوصًا في لبنان واليمن.
كما أن التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان يُفسَّر لدى كثير من المحللين كمحاولة لفرض وقائع ميدانية قبل تثبيت أية تفاهمات جديدة في المنطقة.
وفيما يتعلق بمحور المقاومة، فإن مصيرَه لا يبدو مرتبطًا بمُجَـرّد اتّفاقٍ بين دولتَين.
فحركاتُ المقاومة نشأت في ظل الحصار والحروب والضغوط، واستمدت حضورها ووَحدتَها من قضايا تتجاوز الحسابات السياسية المؤقتة ستصمد.
لذلك فإن أي اتّفاق قد يؤثِّرُ على شكل المرحلة المقبلة وأساليب المواجهة، لكنه لن ينهيَ أسبابَ الصراع الأَسَاسية المتمثلة في الاحتلال والهيمنة والعدوان.
ومن المرجَّحِ أن تدخُلَ المنطقةُ مرحلةً جديدةً عنوانُها إدارةُ الصراع بوسائل مختلفة، مع استمرار التنافس السياسي والعسكري والاستراتيجي بين المشاريع المتقابلة.
أما مستقبل المقاومة فسيظل مرتبطًا بمدى بقاء الاحتلال والاعتداءات على شعوب المنطقة، فهذه العوامل هي التي أنتجت المقاومة وهي التي تمنحها أسباب الاستمرار في المواجهة.
وفي المحصلة، فإن الاتّفاقَ -إن تم توقيعه- قد يشكل محطة مهمة في مسار الأحداث، لكنه لن يكون نهاية للصراع ولا بداية لعصر من الثقة المتبادلة.
في هذا السياق، تتجلى أهميّة ما يؤكّـد عليه سيد القول والفعل من أن أمريكا لا يمكن الوثوق بها اعتمادًا على الوعود والتصريحات، وإنما تُقاس مواقفها بما تنفذه على أرض الواقع.
فقد أثبتت التجارب المتكرّرة أن الإداراتِ الأمريكيةَ تتعامَلُ مع الاتّفاقات بمنطق المصلحة الآنية، وقد تنقلب عليها متى ما رأت في ذلك خدمة لمشاريعها وأهدافها.
بالتالي فإن التعويلَ الحقيقيَّ لا ينبغي أن يكونَ على الضمانات الأمريكية، لكن على عناصر القوة والصمود ووحدة الموقف والثبات على المبادئ، وهي العوامل التي مكنت شعوب وقوى المقاومة من مواجهة التحديات وإفشال كثير من المخطّطات التي استهدفتها خلال العقود الماضية.
ومن هنا فإن
أي اتّفاق سياسي -مهما كانت أهميتُه- لا يمكن أن يكون بديلًا عن اليقظة والجاهزية والتمسك بخيار الاستقلال والحرية؛
لأن الضمانة الحقيقية لحقوق الأمة وسيادتها هي امتلاك أسباب القوة والثبات وعدم الارتهان للوعود التي أثبت الواقع مرارًا أنها ليست محل ثقة.
الأيّام القادمة وحدها هي التي ستكشف ما إذَا كان الاتّفاق بداية استقرار حقيقي أم مُجَـرّد هدنة مؤقتة في صراع مفتوح لم تُحسم فصوله بعد، وتبقى اليد على الزناد، والنصر للمقاومة من رب العباد.