في ذكرى العام الهجري الجديد، التي تستحضر في الأذهان محطة التحول الكبرى في تاريخ الأُمَّــة الإسلامية، حين انتقل النبي محمد ﷺ من مكة إلى يثرب، تبرز أمامنا وقفة تأملية مع نموذجين متباينين من المجتمعات: مجتمع خسر شرف حمل الرسالة، ومجتمع فاز بهذا الشرف العظيم.

إنها سُنّة التبديل الإلهي التي تتجدد في كُـلّ عصر، لتذكّرنا بأنّ النصرة للإسلام هي رهينة بالمؤهلات والقيم التي يحملها المجتمع.

 

مجتمع مكة.. حين تخسر القيم وتفوز المادة

 نجد من خلال القراءة العميقة لأسباب خسارة مجتمع قريش.

فلم تكن الخسارة طارئة أَو اعتباطية، لقد جاءت نتيجة تراكمات من الآفات الفكرية والخلقية التي عصفت بالمجتمع القرشي.

فقد كان الارتباط الشديد بـ"زمرة الكفر وطغاة الجاهلية"

 والنظرة المادية التي تجعل من المال والسلطة معيارًا للاتباع، أبرز العوامل التي حجبت عنهم نور الهداية.

لقد آثروا المستكبرين على الحق، وطلبوا من النبي أن يكون غنيًّا أَو ملكًا أَو صاحب جنّة، كما حكى القرآن عنهم: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأسواق}

هذه النظرة المادية الضيقة لم تقف عند حَــدّ الاستكبار، فقد دفعتهم إلى محاربة الإسلام بكل شراسة، وتحشيد القبائل ضده، حتى قال الله فيهم: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أكثرهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} لقد خسروا شرف حمل الرسالة، وهو الشرف الذي قال الله فيه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} واستحقوا بذلك الخِذلان والوعيد.

 

الأنصار.. مؤهلات الإيمان وأخلاق النصرة

في المقابل، يقف النموذج الآخر، نموذج مجتمع يثرب، ممثلًا بقبيلتي الأوس والخزرج اليمانيتين، اللتين نالتا شرف النصرة والتأييد.

ما هي المؤهلات التي أهلت هذا المجتمع ليكون حاضنة للإسلام وناصرًا للرسول ﷺ؟

 المواصفات الراقية التي تميز بها الأنصار، وهي ذاتها المواصفات التي أثنى الله عليها في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنفسهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

إنها مؤهلات أصيلة تجلت في:

 الإيثار وحب الآخرين: فهم مجتمع معطاء لا يعرف الأنانية، يحبون المهاجرين ويؤثرونهم على أنفسهم حتى في أوقات الحاجة.

 التحرّر من النظرة المادية: لم تكن المادة معيارهم، لقد كان همهم نصرة الحق وإعلاء كلمة الله.

 الصبر والتضحية: مجتمع صبور، شجاع، قادر على تحمل المشاق في سبيل الله.

 القابلية للبناء الإيماني: مجتمع متفتح على قيم الإسلام، مستعد لاستقبال الرسالة بكل رحابة صدر

هذه الصفات جعلتهم أهلًا لأن يسميهم الله بـ"الأنصار"، تكريمًا لهذا الدور العظيم، وليكونوا النواة التي انطلقت منها أُمَّـة الإسلام ودولته

 

أحفاد الأنصار اليوم.. يمن الإيمان والحكمة في مواجهة طغيان العصر

اليوم، ومع تصاعد وتيرة العدوان على الأُمَّــة الإسلامية، يتجلى دور أحفاد الأنصار في اليمن، يمن الإيمان والحكمة، بقيادة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي.

فالبيان يؤكّـد أن شعبنا اليمني العزيز "لجدير بالاستمرار في ترسيخ تلك المبادئ والقيم، والتحلي بتلك المؤهلات، ومواصلة حمل راية الإسلام، ومواجهة جاهلية العصر الظالمة المستكبرة

إن جاهلية اليوم، التي تحمل رايتها أمريكا وكيان الاحتلال، وتتحَرّك بها الصهيونية العالمية، ليست أقل فسادًا وشرًّا من جاهلية الأمس.

وقد افتضحت جرائمها في فلسطين، وعدوانها على لبنان وإيران واليمن.

وهنا تبرز مسؤولية أحفاد الأنصار، وهم يمتلكون ذات المؤهلات التي أهلت أسلافهم لنصرة الرسالة: التضحية، والصبر، والإيثار، والثبات على المبادئ.

 

موجهات عملية من بيان السيد القائد

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يقدم بيان السيد القائد جملة من التوجيهات العملية التي تُشكّل خارطة طريق لأحفاد الأنصار في مواجهة التحديات الراهنة:

1. ثبات الموقف: التأكيد على الموقف الثابت من أعداء الإسلام، وفي مقدمتهم أمريكا وكيان الاحتلال، والتصدي لطغيانهم ومواجهة شرهم، استنادًا إلى مسؤولية مقدسة تقع على عاتق جميع المسلمين

2. السعي للنهضة الإسلامية: العمل الجاد لتحقيق النهضة، والأخذ بأسباب القوة، والبناء للنموذج الحضاري الإسلامي، القائم على التمسك بالقرآن الكريم، والاقتدَاء برسول الله ﷺ

3. الوحدة والتكاتف: التأكيد على مبدأ وَحدة الساحات، ودعوة الجميع للالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، والخلاص من التبعية والخضوع لأعداء الإسلام.

4. التعاون لمواجهة التحديات: الدعوة إلى التعاون الرسمي والشعبي لمواجهة العدوان الشامل، الذي يشمل الاحتلال، والنهب للثروات، والحصار الاقتصادي، وتجييش التكفيريين والمرتزِقة

5. الاستعانة بالله والثقة به: التأكيد على أن النصر والتمكين مرتبطان بالثقة بالله والتوكل عليه، والسعي الجاد لإنهاء العدوان والاحتلال، حتى ينعم الشعب بالحرية والكرامة والاستقلال

إن مؤهلات الأنصار ليست مُجَـرّد صفحات في كتب التاريخ، بل هي منهج حياة يتجدد في كُـلّ زمان.

وأحفادهم في اليمن اليوم، بقيادة السيد عبدالملك يحفظه الله يثبتون أنهم على قدر المسؤولية، وأنهم أهل لهذا الشرف العظيم.

إن التمسك بتلك المؤهلات، والعمل بموجب التوجيهات العملية، هو الطريق الأقصر لتحقيق النصر والتمكين، ومواجهة جاهلية العصر بكل قوة وثبات، حتى تتحقّق كلمة الله هي العليا، ويعم العدل والخير في الأرض.