كيف أسقطت "المسؤوليةُ الإيمانية" الحروبَ الست وحطّمت أغلالَ الوصاية الدولية؟

دعوني أبدأْ بملاحظة لفتت انتباهي منذ الأيّام الأولى لتأسيسِ هذا المشروع القرآني المبارك على يد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه.

ففي كُـلّ الحركات التي شهدتها المنطقة، كنا نرى جماعاتٍ تتحَرَّكُ من بوابة السياسة، لتتهافَتَ خلفَ الغنائم والمناصب.

لكن ما يثبته الواقعُ في المسيرة القرآنية منذ انطلاقها على يد المؤسِّس الشهيد القائد رضوان الله عليه وثلة من رفاقه الذين واصلوا مسيرتَها بالتضحيات على يد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، هو تجسيدٌ حيٌّ للمسؤولية الإيمانية التي لا تبتغي سلطةً ولا نفوذًا، تتحَرّك فقط بالوعي القرآني وبجهود المؤمنين من قبائل الشعب اليمني لبناء أُمَّـة مستقلة صانعة لقرارها.

والحقيقة أنني كلما تأملتُ خَطَّ الزمن، وجدت نفسي أتساءل:

كيف استطاع هذا المشروعُ الناشئ، الذي بدأ بشعار ومجموعة ملازم وضعها الشهيدُ القائد رضوان الله عليه لبناتِها الأولى لترسيخ الهُوية الإيمانية، أن يصمُدَ أمامَ ترسانات عسكرية محلية ودولية؟

وكيف تحوَّلَ من مظلومية محاصَرة في جبال صعدة إلى رقمٍ صعبٍ يفرِضُ معادلاتِه في البحار ويحطم أعتى قوى الاستكبار العالمي؟

في البداية، كانت المخطّطات واضحة، والحروبُ تستهدفُ الهُوية قبل الجغرافيا:

الحروب الست الظالمة التي شنتها السلطة المستبدة لغرض وحيد هو إبادةُ هذا الفكر وتصفية المشروع في مهده، واستهدافُ الهُوية الإيمانية الأصيلة لليمنيين، ومحاولةُ تدجين الشعب وتجريده من عناصر قوته التاريخية والدينية.

تلاها التدخلُ الخارجي السافر الذي تلا أحداث الربيع العربي للالتفاف على التضحيات وإبقاء اليمن تحت عباءة الوصاية الدولية، ومحاولة صناعة الانفلات الأمني عبر تنظيم القاعدة برعاية أمريكية مفضوحة، لتكون الذريعة الجاهزة لاحتلال الأرض وسلب السيادة.

هذه هي الصورة التي أراد الأعداءُ ترسيخَها: أن اليمنَ بلدٌ ضعيفٌ مغلوبٌ على أمره، يجب أن يبقى تابعًا مسلوب الإرادَة.

لكن ما حدث لاحقًا نسَفَ كُـلَّ حسابات الاستخبارات الدولية؛ لأن المسؤولية الإيمانية التي تحلَّى بها "أنصار الله" لم تكن يومًا حبرًا على ورق سياسي، فقد تُرجمت إلى عقيدة قتالية صلبة وعزيمة لا تُقهر، فكان التحَرّك ليس لملء فراغ الدولة، ولا هِواية للمناصب أَو عشقًا للسلطة، لقد كان تلبية لواجب ديني ووطني لحماية البلد من السقوط الحتمي في مستنقع الاحتلال والتمزيق.

وعندما تكالبت قوى العدوان (الأمريكي، السعوديّ، الإماراتي) في تحالف عدواني ضم 17 دولة، ظنوا أن المسألة أسابيع وينتهي كُـلّ شيء.

لكن عشر سنوات من الثبات الأُسطوري غيَّرت مجرى التاريخ؛ فتحطَّم قرن التحالف، وانكسرت الغطرسة لقوى العدوان، وتحول اليمن من الدفاع إلى الهجوم بفضل الالتفاف القبلي الوفي للقيادة، والتحَرّك الشعبي الواسع الذي رفد الجبهات بالمال والرجال.

وتجلت القوة الحقيقية للهُوية الإيمانية مع معركة "طوفان الأقصى" وإسناد غزة.

فالجيش اليمني خاض مواجهةً بحرية مباشرة ضد الإمبراطورية الأمريكية والبريطانية وكيان الاحتلال الصهيوني.

وقد انتصر اليمنُ في هذه المعركة بفرض حصار بحري مطبق، واستهداف عُمق كيان الاحتلال الصهيوني، مسنودًا بتلاحُمٍ كاملٍ من كافة المكونات اليمنية، والحشود والمسيرات المليونية الأسبوعية في الساحات، والتي أثبتت للعالم أجمع ذاتية هذا التحَرّك وأصالته.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يمتلك أنصارُ الله الرغبةَ في حكم اليمن؟

بل الحقيقة المُرة لدى الأعداء، التي فرضت نفسها: كيف استطاع هذا المشروع الإيماني أن يعيدَ لليمن هُويتَه الإيمانية والتاريخية، ويحوِّلَه إلى درعٍ حصينٍ للأُمَّـة وقضاياها العادلة؟

إن هذا الصمودَ الإعجازي، وهذه الانتصارات البحرية والبرية، ليست سوى نتاجٍ خالِصٍ للمسؤولية والاعتماد على الله، وحكمة القيادة الربانية الشابة، والتاريخ كفيلٌ بإنصافه المعهود، ليكتُبَ هذه التضحيات في صفحات النور، لتبقى تجربة اليمن المعاصر منارة ملهمة ومدرسة خالدة لكل شعوب الأرض التواقة للحرية والاستقلال والانعتاق من الهيمنة الاستعمارية.