سؤالٌ أسمعُه كَثيرًا هذه الأيّام:
أين تذهبُ عائداتُ وإيرادات الدولة؟
سأخبركم أين تذهب.
تعالوا نحسبها بالأرقام..
طبعًا لا يوجدُ أحدٌ لم يسمع عن حرب صيف 94.
هل تعلم أن هذه الحرب، والتي لم تدم طويلًا (حوالي ستين يومًا فقط)، قد كلفت خزينةَ الدولة يومَها، وبحسب ما تم الإعلانُ عنه رسميًّا طبعًا، حوالي 11 مليار دولار أمريكي؟!
أي: ما يعادل ميزانية الدولة يومَها لسنتين كاملتين بالتمام والكمال..
والآن، تخيَّلوا فقط لو أن هذه الحرب كانت قد امتدت لعشـر سنواتٍ كاملة أَو يزيد..
برأيكم، كم كانت ستكلّف خزينة الدولة؟
وهل كان بمقدور خزينة الدولة يومَها أصلًا أن تصمُدَ أَو تقوى على دفع وتغطية جميع نفقات وتكاليف هذه الحرب طوال هذه المدة..؟
مستحيل طبعًا، بل هو من سابع المستحيلات!
فموارد اليمن وعائداته بما فيها عائداتُ النفط والغاز في الحقيقة لا تستطيعُ أن تؤمِّنَ نفقاتِ وتكاليف مثل هذه النوع من الحروب الطويلة.
يعني: إذَا كانت العراق وإيران، وهما الدولتان الغنيتان، قد خرجتا من حربِ الثماني سنوات مثقلتين بمئات مليارات الدولارات من الديون، فما بالُكم باليمن الفقير ومحدود الموارد!
أضف إلى ذلك أنه لم يكن هنالك في حرب صيف 94 لا عدوان أجنبي مباشر ولا تحالف عربي أَو تمالؤ دولي ولا قوات أجنبية ولا إف 16 ولا أباتشي ولا أقمار صناعية ولا حصار ولا أي شيء من هذا القبيل!
كان القتال يدورُ بين يمنيين فقط، يعني!
الآن، وبإسقاط كُـلّ ذلك على العدوان والحصار المطبق اليوم على اليمن..
ها هي الحرب وقد تجاوزت اليومَ عامَها الحادي عشر، وفي ظل عدوانٍ أجنبيٍ غاشم تقوده أغنى دولتَين في المنطقة وفي ظل حصارٍ مطبق و...، برأيكم، هل يصح أن نسأل:
أين تذهب عائدات وإيرادات الدولة؟
أم الصحيح هو أن نسأل: من أين وكيف استطاع اليمنُ وعلى مدى حوالي عشر سنوات أَو يزيد تأمينَ نفقات وتكاليف هذا الصمود ومواجهة هذا العدوان والحصار؟
بصراحة، ما قام به اليمنيـون في هذا الجانب يعـد بكل المعايير بمثابة المعجزة!
أن تواجِهَ دولًا من أثرى أثرياء العالم وأقوى أقوياء المنطقة، ومن ورائهما أمريكا وكيان الاحتلال الغاصب، بمواردَ وإمْكَاناتٍ شحيحة ومحدودة، فأنت بهذا كمَن يصنع المعجزة!
فما هي هذه الإمْكَانات والموارد الشحيحة والمحدودة التي مرّغ اليمنيون بها أنوفَ المعتدين في الوحل يا تُرى؟
أليست هي عائدات وموارد الدولة المتاحة والممكنة والتي ما فتئ الكثيرون يتساءلون لؤمًا: أين تغدو وأين تروح؟!
صحيح الناس تعاني.
وصحيح أَيْـضًا أن هنالك بعضَ حالات الفساد الفردية قد تحدث هنا أَو هناك، والتي بدورها تستفزُّ الناسَ حينًا وتثيرُهم حينًا آخر، لكن هذه هي الظروف!
فنحن أمام أمرَين أحلاهما مُرٌّ: إما أن نعاني ونصبر حتى ينتصرَ اليمن وإما أن نُسَلِّمَ للأجنبي ونُسلِمَ أنفسنا لمعاناةٍ أشدَّ وأكبر.
وما غزوُ العراق بدعوى تحريرها وجعلها (أُنموذجًا) في المنطقة عنا ببعيد.