في خضم المتغيرات الجيوسياسية الراهنة التي تشهدها المنطقة، تبرز ظاهرة التخدير الثقافي الممنهج كأخطر أسلحة الحرب الناعمة التي تمارسها قوى الاستكبار العالمي لسلخ الشعوب عن واقعها.

إن الناظر بعين البصيرة إلى المحافل الرياضية والمونديالات التي توظّفها القوى الغربية اليوم، يدرك يقينًا أنها تحولت إلى أدوات استراتيجية لغسيل الأدمغة وتزييف الوعي الجمعي.

في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وتتصاعد فيه وتيرة المواجهة في البحار والمحيطات، تصر أمريكا وأدواتها على دفع الشعوب نحو حالة من الانفصال التام عن الواقع، مستبدلةً قضايا الأُمَّــة المصيرية بصراعات وهمية على المستطيل الأخضر، لتجعل من "الكرة" غايةً تُسعى، في محاولة يائسة لتعطيل الفطرة السليمة وحرف البوصلة عن معركة التحرّر الكبرى.

إن هذه الهندسة الماكرة للغفلة هي مشروع متكامل يهدف لتفريغ الإنسان المسلم من محتواه العقائدي والجهادي.

كيان الاحتلال الصهيوني، ومن خلفه الرعاة الغربيون، يدركون أن الخطر الوجودي الحقيقي عليهم يكمن في يقظة الشعوب وامتلاكها قرارَها السيادي؛ لذا يتم ضخُّ المليارات لترويج ثقافة الاستهلاك واللا مبالاة.

وهنا يبرز الدور الوظيفي لأنظمة التطبيع؛ حَيثُ تتسابق السعوديّة وكذلك الإمارات لضخ الأموال في قطاعات الترفيه والرياضة؛ تنفيذًا لأجندة استعمارية تهدف لطمس الهُوية، وإشغال الشباب عن معركتهم الأَسَاسية في تحرير الأرض وقطع دابر الهيمنة.

إن الرؤية القرآنية تضعنا أمام استحقاقات لا تقبل المواربة.

القرآن يحذّر من الركون إلى اللهو الذي يصرف العقولَ عن إقامة القسط ومواجهة الطاغوت.

وحين نستلهم سيرةَ معلم البشرية وقائدها الأول، النبي الأكرم -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ الطيبين الطاهرين، السلام عليك يا رسول الله، وعلى آلك أجمعين-، نجد أنه أسّس أُمَّـة حية، فاعلة، ومتحَرّكة في ميادين الحق، لا أُمَّـة من المتفرجين الخانعين الذين تتقاذفهم أهواء الدعاية الغربية.

المنهج المحمدي يفرض أن نكون صُنَّاعًا للحدث التاريخي، لا مستهلكين أذلاء لما يقرّره لنا أعداؤنا في غرف عملياتهم المظلمة.

إن المقارنة بين صخب الملاعب وهدير الميادين تكشف الهوة السحيقة بين مشروعين؛ مشروع يستميت في تخدير الأُمَّــة، ومشروع قرآني نهضوي يتجسد اليوم في أبهى صوره من خلال الموقف اليمني المبدئي والثابت.

فبينما كانت عيون الملايين حول العالم تُصرف لمتابعة ركلات الكرة، كانت العيون في اليمن ترصد أساطيل الهيمنة وبوارج الموت، وكانت الأيادي المؤمنة القابضة على الزناد تسدد ضرباتها الاستراتيجية الدقيقة في قلب المعادلات البحرية والاقتصادية، محقّقة انتصارات تزلزل أركان أمريكا وتخنق كيان الاحتلال الصهيوني من الوريد إلى الوريد.

هذا هو الفارقُ الجوهري بين من يبحث عن نصر وهمي في شباك من خيوط، وبين من يصنعُ النصرَ الإلهي والتمكين التاريخي بدمائه الزكية لحماية سيادة المنطقة وكرامة أبنائها.

إن الوعيَ المتوقدَ الذي يتخلَّقُ في خنادق المواجهة هو الدرع الحصين الذي تتحطم عليه مؤامرات الإلهاء.

لقد أثبتت التجربةُ اليمنية أن الشعوبَ المرتبطةَ بخالقها لا يمكن تنويمُها ببطولات زائفة، وأن من يمتلك نور البصيرة لا يغره بريق الملاعب مهما اتسعت، ولا ترهبه ترسانة الأعداء مهما تعاظمت.

إن صراعَنا المفصلي اليوم هو صراع وجودي على جبهة الوعي.

لن تستطيعَ مهرجاناتُهم أن تغطِّيَ على بشاعة جرائمهم في غزة، ولن تفلح أموال البترودولار في تجميل وجه العمالة القبيح.

سيبقى الميدان الحقيقي هو ساحة المواجهة المباشرة مع قوى الطغيان، وسيبقى السلاح الأمضى هو الوعي القرآني الذي يعيد توجيه البوصلة نحو القدس الشريف، كاشفًا زيف الشعارات، ومؤسّسا لعهد جديد لا مكان فيه إلا للأحرار الذين اختاروا ميادين العزة، تاركين خلفهم ملاعب الوهم وسراب الغافلين، مؤكّـدين أن

التاريخ يصنعه الرجال المؤمنون المتحرّكون بمنهج الله وليس لاعبو بالونة مملوءة بالهواء.