الحمد لله على فضله وعونه وتوفيقه، الذي مكّن القوات المسلحة اليمنية من البناء والتطوير والتحديث حتى وصلت إلى مستوى متقدم من القدرات العسكرية والمنظومات الدفاعية، رغم سنوات طويلة من العدوان والحصار والاستهداف الممنهج لكل مقومات الحياة في اليمن.
وأنا أستمع إلى بيان القوات المسلحة اليمنية الذي يشكّل نقطة تحول ويؤسس لمرحلة جديدة في مسار كسر الحصار والدفاع عن حقوق الشعب اليمني، استحضرت مشاهد السنوات الأولى من العدوان، حين كان العدو السعودي يشن حرباً شاملة استهدفت كل مقومات الحياة، الإنسان والأرض اليمنية وكل ما يمت بصلة إلى مقومات الدولة؛ فدمر البنية التحتية، واستهدف المؤسسات الرسمية والطرقات والمطارات والموانئ والمستشفيات والجامعات والمعاهد الفنية والمزارع والأسواق.
في محاولةٍ واضحة لإخضاع اليمن واحتلاله وكسر إرادة شعبه، في تلك المرحلة كانت الفجوة العسكرية كبيرة، وكان العدو يراهن على تفوقه الجوي الهائل وعلى الدعم الأمريكي والغربي المفتوح، معتقداً أن اليمن وشعبه العظيم لن يستطيع الصمود ولن يمتلك القدرة على صناعة وتطوير أسلحة الردع.
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً؛ فقد أثبت الشعب اليمني وقواته المسلحة أن الإرادة والإيمان والاعتماد على الله قادرة على تحويل كل التحديات إلى فرص، والحصار إلى دافع للإبداع والابتكار والاكتفاء الذاتي والتطوير، وخلال سنوات العدوان، انتقلت القوات المسلحة من مرحلة مواجهة العدوان بإمكانات محدودة إلى مرحلة بناء قدرات عسكرية متطورة، عبر مسار طويل من العمل والبحث والتطوير والتصنيع العسكري.
واستطاعت، بعون الله تعالى، وبأيادي وعقول يمنية أن تؤسس قاعدة صلبة للصناعة العسكرية المتطورة والمواكبة لمتطلبات المعركة وقدرات العدو، وأن تحقق قفزات نوعية في مختلف المجالات، وصولاً إلى امتلاك منظومات صاروخية متقدمة وطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي شكّلت عامل ردع حقيقياً وفرضت معادلات جديدة في المنطقة.
ما وصلت إليه القوات المسلحة اليمنية اليوم، هو تجسيد حي لجهود الشعب اليمني بأكمله، كما هو ثمرة مباشرة لتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى، ولصبر وصمود الملايين من أبناء اليمن الذين تحملوا أعباء العدوان والحصار والمعاناة الاقتصادية والإنسانية وقطع مرتبات الموظفين طوال سنوات العدوان، وقد كان الشعب اليمني الشريك الفاعل في الوصول لهذا الإنجاز، لأنه رفض الخضوع والاستسلام وتوكل على الله وتمسك بحقه في الحرية والسيادة والاستقلال،
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حجم المأساة الإنسانية التي خلفها الحصار المفروض على اليمن؛ فقد عانى ملايين اليمنيين من نقص الغذاء والدواء والوقود وتعطلت مصالح الناس وتضررت مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، هذا الحصار المفروض من قبل السعودية وبدعم وإشراف أمريكي ألحق أضراراً جسيمة بالشعب اليمني، وتمثل آثاره معاناة واسعة ما زالت مستمرة حتى اليوم.
المرحلة الراهنة تؤكّد أن سياسة الحصار والتجويع فشلت في تحقيق أهدافها، كما فشلت الحرب العسكرية في كسر إرادة اليمنيين؛ فبعد سنوات من الرهان على القوة والضغط والحصار، يثبت اليمن مجدّداً أنه قادر على الصمود والتطور وبناء عناصر القوة التي تحمي سيادته وتدافع عن مصالح شعبه.
وإذا كان العدو قد راهن يوماً على تدمير اليمن وإعادته إلى حالة العجز والارتهان؛ فإن الوقائع اليوم تؤكد أن اليمن خرج من محنة العدوان أكثر إيماناً بالله وأكثر تصميماً على الاعتماد على الذات وأكثر تمسكاً بحقوقه الوطنية.. وما تشهده القوات المسلحة من تطور نوعي هو رسالة واضحة بأن زمن الاستفراد باليمن قد انتهى، وأن إرادة الشعوب الحرة قادرة على صناعة القوة القادرة على حماية السيادة والاستقلال وفرض المعادلات الوطنية مهما كانت النتائج والتداعيات.