لم تكن سنوات خفض التصعيد الأربع الماضية، التي عاشها اليمن مع النظام السعودي، إلا قناعًا مهترئًا تكشّف اليوم عن وجهه الحقيقي، وجه المماطلة والالتفاف على الاستحقاقات الإنسانية العادلة للشعب اليمني.
فبينما أوفت صنعاء بعهودها إفساحًا للمجال أمام السلام، استمرت الرياض في تشديد حصارها الجائر، واحتجاز رواتب الموظفين من ثروات الشعب المنهوبة، والمماطلة المستمرة في ملف الأسرى وما يتعلق بالملف الإنساني بشكل كامل، ظنًّا منها أن هذا الصبر ضعف، أو أن اليمنيين قد يقبلون بالعيش تحت عباءة الوصاية والهيمنة.
لكن الموقف اليمني اليوم يقطع دابر الأوهام السعودية والصهيونية، فاليمن في هذا التوقيت يرسم معادلة استراتيجية واضحة كالشمس، وهي: إما حرية بلا قيود، يُرفع فيها الحصار وتُرد الحقوق، أو مواجهة بلا حدود، ولن يكترث اليمن لحجم التضحيات في هذه المعركة؛ لأن العزة والكرامة والحرية هي أغلى ما يملكه الإنسان في هذه الحياة.
فالمعاناة التي لحقت بهذا الشعب هي نتاج واضح لهذا الحصار، والذي يتجلى بأبشع صوره في الخنق الممنهج عبر الحصار الجوي والبحري المفروض على مطار صنعاء الدولي وميناء الحديدة، وحرمان اليمنيين من الاستفادة من ثرواته المنهوبة، التي هي حق لهذا الشعب، وليس لأحد الحق في أن يحرم هذا البلد من الاستفادة منها، وأن يعيش بكرامة؛ لأن الشعب الحر والعظيم ليس مستعدًا أن يتحمل هذه الإبادة الجماعية الصامتة التي تُرتكب بحق الملايين.
فبسبب هذا الحصار الجوي المطبق، تحوّل مطار صنعاء إلى نقطة عجز، وحُرم آلاف المرضى من حقهم الطبيعي والإنساني في السفر لتلقي العلاج في الخارج، مما جعل الموت يتربص بكل مريض يرى أبواب الخلاص مغلقة في وجهه.
أيضًا، مطالب الشعب واضحة ومحقة، وهي أن ترفع السعودية يدها عن هذا الشعب بشكل كلي، وتستجيب لمطالب هذا الشعب، وإلا فإن الخيار البديل، في حال استمرت على نفس الحال من الاستكبار والغطرسة والتجبر، فالخيار العسكري هو الخيار البديل والأمثل، وأعتقد أنه الخيار الذي لا بد منه، حيث تشير المعطيات وسلوك النظام السعودي إلى استراتيجية المماطلة دون تغيير حقيقي في الملفات الإنسانية والحيوية، ويعكس هذا السلوك انعدام الإرادة المستقلة لدى الرياض، كون المحرك الأساسي لتوجهاتها هو الإملاءات الأمريكية والصهيونية التي توظف السعودية كورقة ضغط اقتصادي لثني اليمن عن موقفه المشرف في إسناد غزة ومحور الجهاد والمقاومة، غير أن سنوات الحرب الثماني أثبتت قطعًا فشل هذه الورقة في كسر الإرادة اليمنية، وبناءً عليه لن تستجيب الرياض إلا تحت ضغط عسكري يهدد مصالحها مباشرة.
لذلك يبرز خيار الردع العسكري الشامل فوق طاولة القرار في صنعاء، وترجم هذا التوجه بوضوح في خطاب السيد القائد، صانعًا معادلات ميدانية لا تقبل اللبس، وتؤكد أن تحركات الرياض تنفيذ لأجندة واشنطن وكيان الاحتلال بعد فشلهما البحري، وتكرار لرهانات سقطت طوال ثماني سنوات، وإن البديل لتغيير سلوك الطرف الخاضع للخارج هو تفعيل القوة الصلبة لفرض السيادة وفك الحصار الجوي والبحري بعمليات استراتيجية تفرض واقعًا جديدًا.
لأن اليمن ليس مستعدًا أبدًا أن يفرط بدماء شهدائه، ولن يقبل باستمرار معاناة شعب بأكمله، ولن يعود إلى مربع الهيمنة والتبعية مهما كان الثمن.
وما تجاوزناه من تصعيد ومعاناة، لن تكون المعركة الأخيرة أشرس مما مضى، واليمن الواثق بالله عازم على أخذ حقه المشروع بكل الوسائل؛ لأن المرحلة التي وصل إليها الشعب هي مرحلة نفد فيها الصبر الاستراتيجي، والخيارات اليمنية قادمة ومزلزلة لفك هذا الحصار جوًّا وبحرًا، والاستفادة والاستعادة الكاملة لثرواته المنهوبة.
﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.. صدق الله العظيم.