لكل من يتساءل بنية حسنة: متى نصر الله؟ ولكل من تزيده الأحداث والآيات إيماناً وثباتاً على الحق؛ إن كنت مجاهداً في سبيل الله، فمن المؤكد أنك على ارتباط وثيق بكتاب الله، ولك وِردٌ يومي منه، لتزداد وعياً وبصيرةً وصبراً وثباتاً، وتولي وتسليم مطلق، وستكون على إلمام بمواقع النصر الواردة في القرآن الكريم، ومنها الإجابة عن سؤال: متى انتصر موسى عليه السلام؟ ومتى انتصر نبي الله إبراهيم عليه السلام؟ ومتى انتصر الأنبياء والرسل والأولياء وعباده المؤمنون؟ وما الحكمة من ذلك؟ ولماذا وردت قصصهم في القرآن الكريم، وما علاقتنا بالقصص القرآنية؟ وكيف نستفيد منها؟

ففي القرآن الكريم قدّم لنا الله معايير صحيحة لمتطلبات النصر، وشواهد وأحداثاً عن وقته، ومواصفات من يستحقون النصر في مواجهة الطغاة والمجرمين؛ فقال سبحانه وتعالى في نصره للمؤمنين في سورة الروم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي في موقع الوعد الصادق والتطمين.

 وفي سورة البقرة يقول سبحانه: ﴿مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ في موقع التثبيت لمن يجاهد في سبيل الله، ويكرر ذات السؤال في الأوقات الحرجة، وفي سورة محمد يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ في موقع توضيح سبب النصر، والحث على العمل والمواجهة والمبادرة، التي نحن معنيون بالأقدام عليها في واقع حياتنا الجهادية.

وفي سورة القصص يقول سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ لتوضيح وفاء الله لصبر المستضعفين المجاهدين والمتحركين في سبيل الله ووعد الله لهم، وهم صامدون وثابتون في مواجهة المستكبرين لم ولن يبدلوا مواقفهم منهم مهما كانت المتغيرات والظروف، هذا جزء مما ورد في القرآن الكريم عن نصر الله لعباده المؤمنين.

أما آيات نصرة الله لسيدنا موسى "عليه السلام" وقومه، فقد وردت آيات توضح الحالة النفسية التي كان يمر بها المؤمنون، وكيف كان تأييد الله، وكيف إغراق فرعون وجنوده، وهي من أعظم آيات الله لنا نحن في هذا القرن، وكانت في توقيت ضيق جداً؛ حيث كان فرعون وجنوده من خلف موسى ومن آمن معه من بني إسرائيل، والبحر من أمامهم، فكانت لحظات حرجة وشديدة الخطورة على حياة موسى ومن معه، الذين كانوا يقولون "إنّا لمدركون" وهذا نموذج من النماذج التي توضح لنا أهمية التسليم للقائد، وتبين معيار الثقة بالله ، ومتى يتدخل الله ويكون النصر حليفنا، وهو أيضاً نموذج مرتبط بالعمل والصبر والوعي ، وجاء في سورة الشعراء قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾.

وقبل ذلك، نقل لنا الله كيف تعامل بنو إسرائيل مع ما شاهدوه خلال مرحلة دعوة موسى لفرعون من الآيات والمعجزات الكبيرة التي خر أمامها السحرة ساجدين، وأعلنوا إيمانهم وتصديقهم للرسالة التي جاء بها نبي الله موسى، وثبتوا أمام العذاب والعقوبات حتى جاء وعد الله ليغرق فرعون وجنوده، والكل مستنفر في موقع استشعار للمسؤولية.

 أما في سورة القصص، فتوضح الآية عاقبة الظالمين؛ حيث يقول سبحانه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.

وفي سورة يونس يوضح كيف وصل حال قوم نوح "عليه السلام" قبل لحظات النصر إلى مستوى التكذيب له، ومن هم من تراجع، حتى ابنه الذي قال "سأووي إلى جبل يعصمني من الماء"، ومن هم من ثبت، حيث توضح الآية الكريمة: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، كما توضح هذه الآية عقوبة الله لمن يكذب بآياته، فكم من الآيات التي عاشها شعبنا اليمني والأمة الإسلامية منذ الحروب الأولى على محافظة صعدة إلى اليوم.

وإذا ما انتقلنا إلى آيات نصر الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيف أظهر الله تأييده له بحفظه من نار قومه وجعل كيدهم وبالاً عليهم ومصدراً لأن يؤمنوا ويتفكروا ويراجعوا حساباتهم؛ نقل لنا تفاصيل الحدث في سورة الصافات حين قال سبحانه: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ، فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.

وفي سورة الأنبياء وضح لنا توقيت تدخله لنصر من يثق به ويتوكل عليه فقال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، كما توضح الآية مستوى الرعاية لنبيه إبراهيم "عليه السلام"، ومستوى الخسارة لمن لم يؤمن به، وهو الموقف ذاته الذي يكرره الله لنا في سورة العنكبوت بقوله سبحانه: ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وهنا يتضح لنا سبب إيراد الله لهذه الآيات في القرآن الكريم؛ فهل نحن مؤمنون لنتفكر في هذه الآيات ونؤمن بها، ونسير على ذات النهج الذي سار عليه نبي الله إبراهيم، وغيره من الأنبياء، والرسل والأولياء، ومن خلد الله مواقفهم في كتابه الحكيم، وهم في مواجهة الطواغيت والمستكبرين، ونكون على ثقة بنصر الله لنا في مختلف المراحل وفي أحلك الظروف؟

وإذا ما ربطنا هذه القصص وهذه الآيات والوعود الإلهية لعباده المؤمنين بواقعنا اليمني، فسنرى الكثير من الابتلاءات، لمدارك الوعي لدينا، والتي تستدعي البصيرة والثبات والصبر، والتسليم، والشعور بالطمأنينة لوعد الله لنا بالنصر الحتمي، وأن نكون في واقع عملي ذي فاعلية.

وبعد تحقق الشروط والتسليم لله، ولمن أمرنا الله بتوليهم، وتوجيهاته الواردة في القرآن، يقدم لنا السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي _يحفظه الله_ استراتيجية قرآنية عملية، لتحقيق النصر باستدلاله بقول الله سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، مؤكداً أن هذا من علمه ومن حكمته، وأن هذه استراتيجية عظيمة جداً ومهمة للغاية.

واعتبر أن دلالة عبارة "ولا تهنوا في ابتغاء القوم" استراتيجية قرآنية تعتمد على الفاعلية العالية في المواجهة والتصدي للعدو؛ لأنها لا تفترض منك أن تكون راكداً في الميدان، وجامداً ومنتظراً للعدو، لينفذ خطواته خطوةً إثر خطوة، ويشتغل مرتاحاً؛ لا، فالاستراتيجية القرآنية تحركك بفاعلية في التصدي للعدو.

وأوضح أن "ابتغاء القوم" تعني الاستهداف لهم، والملاحقة المستمرة، وبدون وهن وبفاعلية عالية، وبصلابة وقوة؛ "ولا تهنوا في ابتغاء القوم"، أي كونوا فعالين في ملاحقتهم والاستهداف لهم.

وأكد السيد القائد في محاضرة سابقة له، أن هذه الفاعلية العملية في المواجهة تجعلك دائماً مبادراً، ودائماً تستهدف العدو المتجبر المعتدي الظالم، الذي هو في موقف الباطل والبغي والعدوان والإثم والظلم والإجرام، مشدداً على أن هذه الفاعلية مؤثرة جداً، ومبيناً أن العدو لا يطيق ولا يتحمل مواجهتها؛ لما لها من مردود كبير عليه وعلى معنوياته ونفسه.

وهنا يتجلى النصر بأنه نتيجة حتمية لمنهج إلهي متكامل يجمع بين الإيمان الصادق، والجهاد في سبيل الله، والمواجهة، والتسليم، والتولي الصادق، والسير على نهج الولاية التي تحتل قائمة أسباب النصر والتأييد؛ فمن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا، فإن حزب الله هم الغالبون، وهنا تأتي الغلبة كمعيار مرتبط بالولاية، مع التسلح بالصبر والوحدة، والتقوى، حيث يقول سبحانه: "والعاقبة للمتقين".

كما أن النصر الذي يؤيد الله به عباده المؤمنين ثمرةٌ لتوحيد الصف، وإخلاص الدعوة، والاستعداد لمواجهة مخططات الأعداء التي تستهدف الأمة الإسلامية في كل تفاصيلها ومستوياتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية ، والحرب الناعمة، والاقتصادية والفكرية والثقافية، والصحية، وبذلك يتحقق وعد الله بظهور الحق، وإزهاق الباطل، والتمكين للأمة، وتحقيق الغلبة، ليظل القرآن الكريم وعترة آل البيت عليهم السلام هما المرجع والمنطلق لكل المؤمنين الأحرار في كل معركة يخوضونها دفاعاً عن دينهم وهويتهم ومقدساتهم وحريتهم وكرامتهم، وتكون ثقتهم بنصر الله مع العمل والاستقامة منهجية واستراتيجة لتحقيق النصر.