خلال العقود الماضية كان النظام السعودي يدمر اليمن من تحت الطاولة؛ فكان اليمنيون يتقاتلون فيما بينهم لسنوات طويلة بأموال وأسلحة سعودية، وكانت السلطة والمعارضة في صنعاء تأخذ تعليماتها من اللجنة السعودية الخاصة.
خمسة عقود واليمنيون يتصارعون فيما بينهم دون أن يظهر النظام السعودي في الواجهة، أو يتحمل أيّ مسؤولية قانونية؛ فجاء محمد بن سلمان وقرر أن يغير هذه السياسة، وأن يتدخل في اليمن مباشرة، لإسقاط ثورة الـ21 من سبتمبر المباركة، وإعادة الأدوات السعودية في اليمن إلى السلطة؛ فتزعم 17 دولة للعدوان على الأراضي اليمنية، واستعان بمرتزقة العالم، وقصف الشعب اليمني بنصف مليون غارة تقريبًا.
وبعد عقد من الزمن أدرك بن سلمان أنه كان مخطئًا في اليمن، وأنه أدخل بني سعود في نفقٍ مظلم، لا يعلم كيف يخرج منه حتى الآن؛ فالانسحاب من اليمن هزيمة تاريخية، والبقاء فيها انتحار للسعودية، والمعادلة تغيرت لصالح القوات المسلحة اليمنية، وباتت الصواريخ والمسيّرات قادرة على تدميره خلال ساعات معدودة، وبات الأمريكيون والصهاينة عاجزين عن حمايته بعد تدمير قواعدهم واساطيلهم في المنطقة.
ويبدو أن بن سلمان قرر العودة إلى السياسة السعودية السابقة، وتدمير اليمن مرة أخرى من تحت الطاولة، لاسيما أن العملاء والخونة جاهزون لتنفيذ هذه المهمة، وتصبح المعركة في نظر العالم يمنية - يمنية، وهكذا يفكر النظام السعودي الأحمق، وهذه هي مشكلته الأساسية، أنه يقتنع بأفكاره وسياساته وامكانياته، ولا ينظر إلى ما لدى خصمه من أفكار وسياسات وإمكانيات، لذلك لا يدرك أن كافة أوراقه في اليمن باتت واضحة ومكشوفة، وأنه لم يعد بإمكانه اللعب في اليمن من تحت الطاولة.
فالشعب اليمني بات يعرف عدوه حق المعرفة، ويعرف أن المعركة كانت ومازالت وستظل سعودية - يمنية، ولم تكن ولن تكون في يوم من الأيام يمنية - يمنية، وأن المرتزقة لا شأن لهم ولا كلمة، ومضطرون للتمثيل في هذه المسرحية، إلا أن كلفة هذه المسرحية على النظام السعودي ستكون أعلى من المواجهة المباشرة؛ فرد صنعاء على أيّة قذيفة تنطلق من المحافظات اليمنية المحتلة لن يكون في مأرب أو شبوه، أو حضرموت أو المهرة، فهذه محافظات يمنية عزيزة وغالية على القيادة في صنعاء، بل سيكون ردّ صنعاء في الرياض وجده، وينبع ورأس تنورة.
وقد دشنت صنعاء هذه المعادلة خلال الأيام الماضية، وقالتها للعالم بصراحة أن أيّ قصف على اليمن حتى لو حدث من المريخ؛ فالرد لن يكون إلا في السعودية، وأيّ قصف على السعودية حتى لو جاء من زحل، فاليمن هي من نفذته، وهذه المعادلة تختصر للعالم حقيقة المعركة بين اليمن والسعودية، وعلى النظام السعودي أن "يربى خلاصه"، كما يقال.