لم تكن لحظة بروز الوصي علي -عليه السلام- لمبارزة عمرو بن ود العامري في يوم الخندق مجرد فصل مقتطع من سفر الصراع العسكري، ولا منازلة عابرة في جغرافيا الحصار؛ فقد كانت المفصل الكوني الذي اختزل فلسفة الوجود، ورسم الحدود الصارمة بين الحق المطلق والباطل المدجوج بكبريائه.
إن الصدع النبوي العظيم: (برز الإيمان كله، إلى الشرك كله) لم يكن تشخيصًا للحظة زمنية منقضية، لقد كان إعلانًا عن قانون سرمدي يدير معارك الأمة عبر الأجيال، ويكشف حقيقة المواجهة حين تحتشد قوى الطغيان لاستئصال نور الله.
لقد كثف الإمام علي -عليه السلام- في خطواته واثقة المسار نحو عمرو كل ثقل العقيدة، وشعاع البصيرة، وجسارة التسليم المطلق لله؛ فلم يكن يحمل سيفًا جسديًا فحسب، بل كان يحمل روحية الأمة الشاهدة التي لا تتأتأ أمام الهيمنة، ولا ترتعد فرائصها لصلف المستكبرين.
وفي المقابل، كان ابن ود يجسد ذروة القوة المادية الجاهلية، المغرورة بسلاحها، والمنتشية بحصاد رعبها؛ فكانت تلك الضربة العلوية الخالدة هدمًا لمنظومة الإرهاب النفسي، وإسقاطًا لهيبة الصنمية العسكرية التي ظنت أنها قادرة على خنق مشروع الهدى.
واليوم، حين يشاهد العالم احتشاد الطواغيت الجدد –ممثلي الاستكبار الأمريكي الصهيوني وحلفائه– لإخضاع الأمة ومسخ هويتها، يبرز المشهد ذاته بأبعاده المعاصرة.
إن الهجمة العاتية التي تشن ضد الأمة، والحصار الخانق المفروض على الشعب اليمني، وما يرتكب من جرائم إبادة بحق مستضعفي غزة، لا يمكن قراءته إلا في ضوء تلك المعادلة: شرك استكباري كامل يواجه الإيمان المنتفض للكرامة.
ومن قلب هذه المعركة المصيرية، يبرز الموقف اليمني المبدئي كمصداق حي لروحية يوم الخندق؛ حيث لم يقف هذا الشعب العزيز موقف المنتظر للفجائع، بل برز إيمانه المميز ليكسر عنجهية البارجات والأساطيل، ويفكك أسطورة الإعجاز العسكري الغربي في المياه البحار.
إن الربط الوثيق بين سيرة النبي الأعظم وخط الولاية الإصلاحي يجعل من المولد النبوي الشريف نقطة انطلاق لاستعادة فاعلية الأمة، لا محطة للاسترخاء؛ فالإيمان الذي يكسر كبرياء الطغاة هو الإيمان المتحرك الذي يحول البصيرة إلى موقف، واليقين إلى فعل جهادي لا يعرف المساومة.
إن دروس الملازم المبنية على النور القرآني، والتوجيهات الإيمانية الحكيمة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي (حفظه الله)، تعيد إحياء المفاهيم المحورية في أمدها الصحيح؛ لتكون المواقف الشجاعة في نصرة فلسطين حقيقة ساطعة تقول للعالم: إن من يمتلك روحية علي في الخندق لا يمكن أن يستسلم لعمرو العصر، وأن سقوط كبرياء الاستكبار ليس إلا مسألة وقت حين يبرز الإيمان كله، صادقًا، مجسدًا، ومتوكلًا على الله.