يقف الجار السعودي في زاوية المشهد، يُقلِّبُ صفحاتِ دليل التحشيد السريع، في الثنية والوديعة والرويك وصحن الجن، متسائلاً بذهول البدوي: كيف تتجرّأ هذه المسيّرات والصواريخ على إفساد نزهتنا هُنـا؟ ليأتيه الإفساد الأقسى في الساحل الغربي.
مسكين يشتري الرصاص، يُكدِّسُ الأسلحة في المخاء، ويوزّع على الأدوات المرتهنة من الخونة والعملاء المحليين بضع ريالات ومكرماتٍ متمنّنة، يبتسم وهو يظن أنه يقود قطيعًا سمينًا إلى ساحة النصر؛ فإذا بمجرد موجهٍ تعصفُ بهواة "الاستحمار" نحو محارق الموت الصريحة، حيث لا يبكي عليهم باكٍ، ولا يترحم عليهم حتى من اشترى أرواحَهم بالفُتات.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تتولى شركةُ "أرامكو" الموقرة مهام الناطق الرسمي باسم إطفاء الحرائق، ويخرج البيان الرفيع، متأنقًا كعادته، ليخبرَ العالَمَ بثقةٍ عالية: لقد أطفأنا الحريقَ الصغير بالكامل عند فجر اليوم الثاني.
سبحانَ الله، حريقٌ طفيفٌ أكل أربعمِئة ألف برميل نفط يوميًّا وتسبب في توقف الإنتاج لأربعة أيام، لكنه في المعجم الرياضي الصارم مجرد شرارة عابرة ناتجة ربما عن احتكاك في أسلاك التكييف، ويبدو أن القوات المسلحة اليمنية لا ترسل صواريخَ باليستية ومسيّرات دقيقة، وإنّما تبعثُ هدايا تذكارية دافئة تجعل فرقَ الإطفاء السعودية في حالة نشاط وديناميكية دائمة.
معادلة بسيطة لا تحتاج إلى خبراءَ استراتيجيين؛ من يزرع التحشيد في مأرب والمخاء وتغريه شطحاتُه الاستكبارية، يصحو على جحيمٍ باليستي يلتهمُ المخازنَ ومستودعات الأسلحة ويقتلع أفئدة القيادات؛ فمن يواصل الحصار ويستبيح أجواء اليمن يجد الرد الآلي يطرق أبواب مصفاة جيزان ودوي الانفجارات سيُنسّق ألحانه في مواقع أخرى.
وهكذا يمضي الميدانُ بكل وضوح، الرياض تحشد وتستحمر الأدوات المحلية، وأرامكو تُطفئ وتُجمّل، والقوات المسلحة ترصد وتصيب، بينما يلوحُ في الأفق انتصارٌ يمانيٌّ طافح بالقوة والبأس، وعلى الكباش المساقين إلى الذبح أن يستوعبوا الدرس سريعًا ويُسلّموا أمرهم لله ولوطنهم، قبل أن تُسلب الأرواح في لحظة تجلٍّ يمانية لا تنفع معها المكرُماتُ الخليجية ولا تجدي فيها الكفالاتُ السعودية، والحليم تكفيه الإشارة.