مضت اثنا عشر عامًا على انتصار ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيدة عام 2014م، تلك الثورة التي لم تكن مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ اليمن الحديث، وإنما كانت نقطة تحول كبرى في مسار أمة عانت طويلاً من الوصاية والتبعية والانتقاص من سيادتها واستقلالها.

لقد قاسى شعبنا العزيز وبلدنا العظيم صنوفاً من المعاناة جراء الانتقاص من استقلاله وانتهاك سيادته، بعد أن تربع على عرش السلطة مجموعة ممن باعوا سيادة اليمن واستقلاله بثمن بخس ودراهم معدودة تقاضوها من العدو السعودي مقابل التحول إلى مجرد موظفين لديه، على الرغم من المناصب التي تبؤوها والسيطرة التي مارسوها على مصير هذا الشعب؛ فتدھورت أوضاع اليمن في عهدهم على كافة المستويات والمجالات سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وفكرياً وأخلاقياً وحتى رياضياً.

فمن الناحية السياسية، أصبح اليمن تابعاً للسعودية الخاضعة بدورها للنفوذ الأمريكي والبريطاني، وفقد قراره الوطني واستقلال إرادته، وأصبحت السياسة الخارجية لليمن تُدار من خارج الحدود، أمّا اقتصادياً، فقد حرمت مناطق عديدة من استخراج ثرواتها النفطية والغازية كمحافظة الجوف وغيرها من المحافظات، وما كان يُستخرج فقد كان يُسخر لصالح القوى الاستعمارية أو يذهب إلى مربعات نهب المتسلطين على رقاب هذا الشعب.

وانعكست تدهور المجالين الاقتصادي والسياسي مباشرة على حركة التجارة عبر الموانئ والمطارات التي أصبحت تدار بشكّلٍ مباشر وغير مباشر من قبل العدوين السعودي والأمريكي، وتحولت اليمن إلى سوق مفتوحة للبضائع الأجنبية دون أي حماية للمنتج الوطني.

وفي المجالين الثقافي والفكري، أصبحت المناهج تُطبع بإرادة سعودية منذ الثمانينيات، وتحكمت السعودية بالمعاهد العلمية والمناهج الدراسية، وصولاً إلى إنشاء جامعات تُفرّخ الأفكار الوهابية والتكفيريين الذين ارتكبوا جرائم إرهابية فظيعة بحق الشعب اليمني ومؤسساته الدينية والأمنية والعسكرية.

وانعكست هذه الاختلالات كلياً على النسيج الاجتماعي عبر تمويل الحروب البينية، وظاهرة التقطع في الطرقات، والنزاعات القبلية بدعم وتمويل سعودي، ما أوصل البلاد إلى حالة يرثى لها من تفشي الفساد المالي والإداري، والفوضى، واختلال السكينة العامة، وهجرة العقول ورؤوس الأموال الوطنية، وتدني مستوى الخدمات التعليمية والصحية.

وبات اليمن بأكمله رهينة تحكم بها القوى الخارجية وفي مقدمتها أمريكا التي تعمل السعودية على تنفيذ أجندتها، وكان من مظاهر هذا الارتهان حروباً شنتها السلطة الظالمة على أبناء الشعب، ومنها حرب عام 1994م، على الجنوب، والحروب على صعدة منذ عام 2004م وما قبلها.

أمام هذا الواقع المأساوي، هب أبناء الشعب اليمني للقيام بثورة خالدة وطنية أصيلة لاستعادة السيادة وتحقيق الاستقلال، ثورة لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة، بل كانت حصيلة تراكم معاناة طويلة ووعي شعبي عميق بأن لا خلاص إلا بخلع ثوب الوصاية والمضي قدماً نحو بناء دولة مستقلة ذات سيادة.

وقد أدركت القوى الخارجية خطورة هذه الثورة على مصالحها؛ فاستعانت بمرتزقة الداخل وشنّت عدواناً غاشماً على البلاد منذ انتصار الثورة وحتى الآن، سخّر فيه العدو السعودي كل إمكاناته المادية والعسكرية والسياسية لفرض هيمنته من جديد على شعب الإيمان والحكمة، الذي لفظ كل قوى الطاغوت والعمالة والارتزاق.

وتوجه المخلصون لبناء يمن قوي عزيز مستقل مقتدر، وكان من أبرز تجليات ذلك التوجه الشعبي والسياسي لبناء جيش قوي ترى أثر قوته اليوم في الصواريخ الباليستية الفرط صوتية البعيدة المدى، والطائرات المسيرة، وغيرها من الأسلحة، في مفارقة واضحة عن الماضي حين كان اليمن يستورد أدنى المنتجات ولا يملك من مقومات القوة شيئاً.

وقد تميزت ثورة الـ21 من سبتمبر بالقيم والأخلاق الإنسانية والمبادئ الإسلامية القرآنية؛ إذ لم تتجه للانتقام من خصومها السياسيين، وأصدرت العفو عن المغرر بهم خلافاً للثورات الأخرى داخل اليمن وخارجه، كما حافظت على الهوية الإيمانية وموروث شعبنا الذي قال فيه رسول الله -صلوات الله عليه وعلى آله: "الإيمان يمان والحكمة يمانية"، بعد أن أريد لليمن انتشار الخلاعة والفجور تحت مسميات السياحة والانفتاح كتلك المظاهر المشاهدة اليوم في السعودية وغيرها من دول المنطقة.

واتجهت الثورة لبناء مؤسسات الدولة، فبرزت منتجات التصنيع الحربي، وتظافرت الجهود لمكافحة الفساد والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي، محققةً بذلك الأهداف السامية لثورة السادس والعشرين من سبتمبر في بناء جيش وطني حر ومستقل بعد التحرر من الاستبداد والاستعمار.

إن من أهداف العدوان السعودي الأمريكي على بلادنا القضاء على هذه الثورة المباركة ومكتسباتها، بعد أن لاقت استجابة شعبية عارمة من هذا الشعب الذي هب واستجاب لتوجيهات قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- الذي قاد الثورة ومواجهة العدوان بحنكة وحكمة وشجاعة لا مثيل لها، حتى أصبح اليمن محط أنظار العالم بفضل موقفه في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم، فلم يهادن كما هادنت القوى التي تتغير أهدافها فور وصولها إلى السلطة، بل ظل ثابتاً على مبادئه مدافعاً عن المستضعفين في كل مكان.

لذا، فإن الشعب اليمني يواجه اليوم عدوان وحصار جماعي فرضته قوى الاستكبار العالمي وفي مقدمتها أمريكا و(إسرائيل) وأداتهم الإقليمية السعودية والإمارات، وهو ما يحتم عليه مواجهة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد حتى رفع الحصار، ووقف العدوان، واستعادة كامل السيادة على كل شبر من أرض الوطن العزيز، لينعم أبناء شعبنا بخيرات بلادهم وثروات أرضهم.

وفي مثل هذه الايام، يتوقف التاريخ لا ليسترجع ذكرى عابرة، وإنما ليشهد على ميلاد ثورة ليست كبقية الثورات، ثورة لم تنبت في مختبرات الفكر الغربي ولا في دهاليز السياسات الدولية، بل نبتت في تربة القرآن، وسُقيت من معين الإيمان، وتغذت على قيم العدل والحرية التي جاء بها الإسلام منذ بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم.

إنها ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، كانت زلزالاً فكرياً وروحياً أعاد ترتيب الأولويات، ووضع الأمور في نصابها، ورفع راية اليمن عالياً بعد أن حاول المستكبرون طمس هويته ووأد إرادته.

لقد كانت هذه الثورة امتداداً طبيعياً لثورات الأنبياء والأولياء، ثورة على الطغيان والاستكبار، ثورة على الوصاية والتبعية، ثورة على الفقر والحرمان، لم تستورد شعاراتها من الخارج، ولم تنتظر إذناً من أحد، بل انطلقت من صميم وجدان الشعب اليمني، الذي ضرب أروع الأمثلة في الصمود والتضحية، فأثبت للعالم أجمع أن اليمن ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، بل هو معدن أصيل من البأس والإيمان، ومن نصرة الله التي وعد بها عباده الصالحين.

ومن الطبيعي، بل من السنن الإلهية، أن يعود اليمن بعد خلعه ثوب وصاية المستكبرين إلى مكانته التاريخية التي تليق به، فهو البلد الذي قال عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وفيه قال: أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوباً وألين أفئدة، وهكذا خلقه الله، وهكذا وجده النبي الأكرم، وهكذا عرفه الإنسان عبر التاريخ، شعباً لا يرضى بالذل، ولا يقبل بالوصاية، ولا يهادن في الحق.

لقد أثبتت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر أن اليمن قادر على تجاوز كل محيطه، وأن يفرض احترامه على الجميع، لا بالقوة الغاشمة، بل بالبأس والإيمان، وبالصبر والثبات، وبالتوكل على الله الذي نصر عبده وأعز جنده، إنها ثورة لم تنته بعد، بل ما زالت تكتب فصولها بدماء الشهداء، وعرق الصامدين، ودعاء المخلصين، حتى يتحقق الوعد الإلهي بالنصر والتمكين.

ومن طبيعة الشعوب المظلومة الحرة أن تثور على ظالميها وولاة أمرها الفاسدين، ومن طبيعة الثورات أن تملك استراتيجيات متصاعدة لا سيما إذا امتلكت رجلاً له من الحكمة ما يكفيه لأن يكون قائداً لها، في الوقت الذي يتباهى فيه الثوار بتفويضهم ذاك القائد العظيم.

فمن غضب ثورة الحادي عشر من فبراير من العام 2011م، ومن إباء ثوارها الأحرار، ومن روح تضحيات شهدائها في كل المجازر، وحال انضمام عدة جبناء إليها طعنوها من خلفها، وحولوا مسارها لجانب مصالحهم الشخصية، وكما أن الثوار الحقيقيين لا يملكون علاقات مع العملاء، وأن الثورة تخرج من رحم معاناة الشعوب ووعيها، فقد ثبت جزء من الشعب اليمني في مكانه معتصماً بساحة التغيير يواصل مسيراته التي أزعجت كل من التف على الثورة ورحب بالمبادرات الفاشلة، وركن إلى التدخلات الخارجية الأمريكية التي لامسها الشعب بشكّلٍ أكبر بعد الحادي عشر من فبراير.

كان ذلك الاستمرار في الثورة يملك قائداً حكيماً هو السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، فيما كان المعتصمون يخشون ضياع تلك الجهود التي بذلت طيلة ثورة الحادي عشر من فبراير، فعملوا على لملمتها من كل الجوانب رغم كل المضايقات التي واجهوها من قبل النظام آنذاك والتآمر العيني لإخلاء الساحات، إلا أنهم استمروا في تلك المسيرات التي تصب في خندق واحد، ألا يبقى هناك وصي على البلد، منها ما يأبى التدخل الأمريكي في شؤون البلد، ومنها ما يعارض المبادرة الخليجية التي أشرفت على التفاف النظام آنذاك بعضه ببعض لتشكل تكتلاً آخر في مواجهة الشعب.

بعد توقيع المبادرة الخليجية من قبل الأحزاب التي التفت على الثورة وحرصت على مصالحها الخاصة ومشاركتها في تقاسم السلطة، تم الاتفاق بوضع الفار عبد ربه منصور هادي رئيساً لليمن، وحينها انتقل الشعب من الظلم إلى الظلام، وتم تشكيل ما يسمى بحكومة الوفاق التي تبنت مشروع هيكلة الجيش اليمني وإفشاء القتل والضوضاء في البلد والقضاء التام على المؤسسة الأمنية والعسكرية.

إضافةً إلى ذلك، أعلنت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر بعد انتصارها الشراكة الوطنية، ووقعت اتفاق السلم والشراكة مع الأحزاب اليمنية بما فيها التي كانت في السلطة وعلى رأسها الإصلاح والمؤتمر، وتم تشكيل حكومة كفاءات جسدت الوحدة الوطنية، قبل أن تنقلب هذه الأحزاب بتوجيه أمريكي والقيام بالعدوان على اليمن.

ثورة الـ21 من سبتمبر كان من ضمن أهدافها الحفاظ على الهوية الإيمانية للشعب العزيز، لأنها موروثه الذي يعتز به. وقبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر كان اليمن سوقاً مفتوحاً للمنتجات الأجنبية، ومزارعونا بلا دعم أو رعاية، أما اليوم فقد تغيّر الحال، وبدأت معالم الاكتفاء الذاتي بالظهور، وثورة الـ21 من سبتمبر أنقذت السيادة وأسست للإسناد وما تبعه من الإنجاز.

إنها أول ثورة من وحي القرآن لا من وحي الغرب تحدث في الوطن العربي من بعد بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فمن الطبيعي بعد أن خلع اليمن ثوب وصاية المستكبرين أن يعود لمكانته التأريخية ومعدنه الحقيقي بالبأس والإيمان ونصرة الله متجاوزاً كل محيطه، هكذا خلقه الله ووجده النبي وعرفه الإنسان.

نحمد الله تعالى على ثورة الـ21 من سبتمبر لأنها الثورة الأنقى والأنظف والأكثر حضارية في عصرنا الحديث؛ فالحرية والاستقلال هي أول الإنجازات وأكبر المميزات لهذه الثورة الشعبية، ولم تسفك فيها دماء أي مدني، ولم تنصب المشانق لخصومها، بل كانت منذ اليوم الأول حريصة على الشراكة في استعادة بلد ظل تحت الوصاية لعقود من الزمن.

والإنجاز الاستراتيجي المنبثق من ثورة الـ21 من سبتمبر يتمثل في بناء جيش قوي يعد أحد أفضل جيوش المنطقة والعالم تدريباً وتنظيماً وتصنيعاً، وطالما انزعجت أمريكا والعدو الإسرائيلي والسعودية منها وحاربوها ولا يزالون؛ فهذا يكفي للشهادة على عظمة هذه الثورة، وطالما أنها صمدت بعون الله رغم اثني عشر عامًا من الحرب الشاملة عليها، فهذا يزيدنا يقيناً بتجذرها ويعطينا الأمل بمستقبلها الواعد.

وللتاريخ، فإن العاصمة صنعاء لم تسقط في الفوضى رغم محاولات من كانوا على كراسي السلطة في الـ21 من سبتمبر عام 2014م، وتركهم لمواقع المسؤولية وسحب الحراسة من المؤسسات الرسمية، كل ذلك كان بهدف إسقاط صنعاء في الفوضى، لكن بفضل الله وجهود اللجان الشعبية حينها أُفشل المخطط وانقلب السحر على الانقلابيين.

فسلامٌ على اليمن، سلامٌ على ثورته، سلامٌ على شعبه الذي جسّد معنى الإيمان في أبهى صوره، وأثبت أن الثورات الحقيقية لا تُستورد، وإنّما تُولد من رحم المعاناة، وتُسقى بدماء الأحرار، وتُحمى بمداد القرآن الكريم، والله الهادي إلى سواء السبيل.