في بداية العدوان على اليمن عام 2015، اندلع جدل واسع في باكستان عقب طلب السعودية المساعدة من الجيش الباكستاني؛ إلا أن البرلمان اتخذ حينها قراراً بالإجماع ينص على عدم إرسال القوات المسلحة الباكستانية للمشاركة في حرب أي دولة عربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

ومؤخراً، طفا هذا النزاع القديم على السطح من جديد في ظل الحصار غير الإنساني المفروض على اليمن، والذي أسفر عن وفاة أسباب عديدة من المرضى والجرحى المحتاجين للعلاج في الخارج، في ظل استمرار الحصار على اليمن.

وفي حين يبذل اليمن كل ما في وسعه للدفاع عن نفسه والرد على العدوان ورفع الحصار، بدأت تتعالى الأصوات مجدداً مطالبة بضرورة توجه الجيش الباكستاني إلى اليمن لتقديم الدعم للسعودية.

وفي هذا السياق، لجأت الحكومة السعودية مؤخراً إلى تزييف الحقائق عبر تداول مقطع فيديو قديم يعود لعام 2025، لترويج مزاعم توحي بوجود محاولات يمنية لاستهداف الحرمين الشريفين "الكعبة المشرفة والروضة الشريفة" عبر الطائرات المسيرة أو الصواريخ.

وقد أثار هذا الادعاء المضلل موجة عارمة من الاحتقان لدى الجماعات الدينية في باكستان، حيث انطلق سيلٌ من الفتاوى ضد اليمن، واندلعت سجالات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بضرورة تحرك الجيش الباكستاني للدفاع عن السعودية.

وفي مثل هذه الظروف، استغل الأعداء —الذين يتربصون الدوائر دائماً للإضرار بباكستان— هذه الفرصة لتحقيق مآربهم؛ حتى آلت الدولة إلى توافق تام بين طرح وسائل الإعلام المعادية ومواقف بعض الجماعات الدينية المتطرفة داخل باكستان.

وتعد هذه الحملات الإعلامية والتضليل الفكري، التي تشنها وسائل الإعلام المعادية ضد باكستان وقواتها المسلحة وسياساتها الجيوسياسية، جزءاً من استراتيجية متكاملة وممنهجة.

 ففي الآونة الأخيرة، وكما حدث في محطات سابقة، برزت محاولات جادة عبر الغرف الإخبارية المعادية لإقحام الجيش الباكستاني في مستنقع غرب آسيا واليمن أو نشر أخبار مفبركة لتضليل الرأي العام المحلي والدولي.

وتستعين وسائل الإعلام المعادية الرئيسية —بما فيها القنوات التلفزيونية والصحف الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي— بالحرب الهجينة، والتضليل الإعلامي كأداة ضد باكستان ومؤسساتها الدفاعية.

وكلما تفاقمت الأزمة في غرب آسيا أو اليمن، تبث الصحف والقنوات المعادية تحليلات مفبركة وأخباراً زائفة تدعي أن باكستان بصدد إرسال قواتها لمواجهة حركة "أنصار الله" في اليمن، أو أنه تم استهداف سلاح الجو الباكستاني في المنطقة.

ومؤخراً، عندما جرت نقاشات حول أطر التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان "مثل حلف الدفاع المكي"، سارعت وسائل الإعلام المعادية إلى إطلاق حملات إعلامية شرسة تزعم إقحام باكستان المباشر في حرب اليمن وتوجيه جيشها ليكون وقوداً للنزاعات الخارجية.

وتُصاغ هذه الأخبار المفبركة والعناوين المثيرة بهدف زيادة الضغوط الداخلية والدولية على القيادة العسكرية والسياسية الباكستانية.

ولعل الجانب الأكثر خطورة في هذه الحملة الاستفزازية هو إمداد الفئات العاطفية والجماعات الدينية داخل باكستان بالوقود الفكري.

فمن خلال متابعة الروايات الزائفة التي تنشرها القنوات المغرضة والمواقع الإخبارية المضللة ومنصة "إكس"، حول ادعاءات استهداف المقدسات أو خرق التحالفات الدينية، تقع بعض العناصر الدينية والفئات الطائفية في باكستان —عن قصد أو غير قصد— في فخ هذه المؤامرة؛ حيث تتبنى الأدلة المحرفة والمزيفة الصادرة عن الإعلام المعادي للقيام بخطابات حماسية ومظاهرات وتحركات بشأن هذا النزاع الحساس في غرب آسيا.

ونتيجة لذلك، تشكل هذه العناصر أوراق ضغط على المؤسسات الرسمية للتدخل ضد اليمن أو مقاطعة دعم طرف محدد، مما يخلق البيئة المطلوبة تماماً والتي يسعى الإعلام المعادي لتحقيقها، وهو ما نلمسه بوضوح في باكستان اليوم.

وتجني المؤسسات الدفاعية وصناع القرار في الدول المعادية لباكستان مكاسب محددة من هذه الحملات الممنهجة؛ إذ يتمثل الهدف الرئيسي لها في تشتيت انتباه الجيش الباكستاني عن الحدود الشرقية والمعارك الداخلية ضد الإرهاب، وإقحامه في مستنقع دولي معقد في اليمن.

كما يهدف البث المعادي المستمر لرواية دخول باكستان حرب اليمن أو مواجهتها لدولة مسلمة أخرى إلى إيجاد شرخ وتوتر في العلاقات الدبلوماسية بين باكستان وبقية الدول الإسلامية والإقليمية، فضلاً عن إثارة النزاعات الطائفية والفكرية الحادة داخل الساحة الدينية والسياسية الباكستانية لضرب الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.

وإذا لم يتم التصدي للتضليل الإعلامي المعادي بفاعلية واستمرت بعض القوى الدينية في الانسياق وراءه، فإن باكستان ستواجه خسائر فادحة.

فالموقف الرسمي والبرلماني لباكستان يعتمد دوماً على الحياد واللجوء للوساطة في نزاعات غرب آسيا؛ وإن أي إقحام للجيش الباكستاني في حرب اليمن أو أي عمليات ميدانية خارجية تحت ضغط الإعلام الأجنبي والجماعات الدينية الداخلية سيشكل عبئاً اقتصادياً وعسكرياً لا يُطاق.

كما أن خروج الجماعات الدينية إلى الشوارع بناءً على التضليل الأجنبي يذكي التوتر بين مختلف المدارس الفكرية الإسلامية في البلاد ويضع الأمن الداخلي على المحك، وهو وضع يُسرّ أعداء باكستان بالتأكيد.

علاوة على ذلك، تُبذل محاولات لتشويه صورة الجيش الباكستاني وإظهاره بمظهر الغافل عن قضايا الأمة الإسلامية أو المنقاد لحروب الآخرين، مما يهدف لإضعاف ثقة الشارع والجماعات الدينية بمؤسستهم العسكرية.

وهنا يبرز سؤال على قدر كبير من الأهمية: طالما أن تركيا أبرمت أيضاً اتفاقيات أمنية واقتصادية مع دول غرب آسيا وحلفائها وتلعب دوراً فاعلاً في المشهد الجيوسياسي للمنطقة، فلماذا لا يشن الإعلام المعادي لباكستان ضد تركيا نفس الحملات الممنهجة ضد بلدنا وجيشنا؟

إن هذا التباين والازدواجية يكشفان الأهداف المبيتة للأعداء؛ وتعود أسباب هذا الاستثناء إلى أن الهدف الجيوسياسي الرئيسي والتاريخي هو باكستان فحسب.

وبالتالي، فإن كلاً من الحرب المعلوماتية، والاستراتيجية الهجينة المعتمدة تهدف بالأساس إلى استهداف الجيش الباكستاني وإحداث الاضطراب الداخلي.

إضافة إلى ذلك، يمكن استغلال أزمات اليمن وغرب آسيا في باكستان لإثارة المشاعر الدينية والطائفية بسهولة، ليقين الإعلام المعادي بوجود عناصر عاطفية داخل باكستان تتقبل الأخبار الزائفة وتندفع إلى الشوارع بسرعة، في حين أن البنية الداخلية والنظام السياسي في تركيا لا يسمحان للتضليل المعادي بالتأثير المباشر على الشارع أو الجيش هناك.

كما أن إبرام تركيا لاتفاقيات دفاعية لا يقدم ميزة عسكرية مباشرة للعدو، بينما توفير الذرائع المفبركة حول مشاركة باكستان في حرب اليمن يُستغل لإضعاف سيطرة الجيش الباكستاني على حدوده الشرقية ودفع البلاد نحو أزمات سياسية واقتصادية.

 وإن تجاهل الإعلام المعادي لتركيا وتركيزه الحصري على الجيش الباكستاني دليل قاطع على أن هذه الحملة "بروباغندا" مغرضة ومخططة لاستهداف باكستان ومؤسساتها العسكرية وأمنها الداخلي.

خلاصة القول، إن الحملة الإعلامية التي تشن ضد باكستان وقواتها المسلحة جزء لا يتجزأ من الحرب السيبرانية والمعلوماتية، وتسعى من خلالها إلى جرجرة باكستان إلى حروب غرب آسيا لاستنزاف جيشها، وعزلها دبلوماسياً، وإضعافها عبر زرع الطائفية والفوضى في الداخل.

لذا ينبغي على الشعب الباكستاني، وخاصة القادة الدينيين ووسائل الإعلام، توخي الحذر والامتناع عن الانسياق وراء أي أخبار صادرة عن الإعلام المعادي دون تثبت، والالتفاف حول السياسة الدفاعية والرسمية لباكستان لإحباط هذه الحرب المعلوماتية التي يشنها العدو.