ليست المشكلة في أن تختلف "قناة الجزيرة" مع أنصار الله ولا في أن تقدم رواية خصومهم ولا حتى في أن تكون لها زاوية خاصة في قراءة ما يجري في اليمن فكل وسيلة إعلامية لها سياستها التحريرية والجمهور أصبح أكثر قدرة على التمييز بين اتجاهات وسائل الإعلام ومواقفها، المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تغادر وسيلة إعلامية بحجم الجزيرة لغة الخبر والوصف المهني وتدخل إلى قاموس الخصومة السياسية فتستخدم في وصف الناس كلمات لم تصنع أصلا من أجل التعريف بهم وإنما من أجل إصدار حكم عليهم.

ومن أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك استخدام كلمة "متحوث" في وصف بعض اليمنيين المنتمين إلى أنصار الله أو المؤيدين لهم، قد تبدو الكلمة لأول وهلة مجرد تعبير دارج في الشارع اليمني لكن المسألة ليست بهذه البساطة الكلمات في زمن الصراع لا تكون محايدة دائما فهناك فرق كبير بين أن تقول إن شخصا ينتمي إلى أنصار الله وبين أن تصفه بأنه «متحوث» العبارة الأولى تقدم معلومة يستطيع المتلقي أن يقبلها أو يناقشها أما الثانية فتقدم المعلومة ومعها حكم نفسي وسياسي جاهز.

فـ«متحوث» ليست اسما لتنظيم وليست صفة قانونية وليست مصطلحا علميا أو صحفيا معروفا إنها كلمة ولدت داخل بيئة الصراع اليمني واستخدمت في خطاب الخصومة للإشارة إلى شخص يفترض أنه انتقل إلى معسكر سياسي وفكري معين وغالبا ما تحمل في التداول نبرة انتقاص أو سخرية أو تشكيك في انتمائه الأصلي.

وهنا يصبح السؤال موجها إلى الجزيرة نفسها لماذا تحتاج مؤسسة إعلامية دولية إلى هذا النوع من المصطلحات أصلًا؟

إذا كان الشخص عضوا في أنصار الله فليقل الصحفي إنه عضو في أنصار الله وإذا كان مؤيدا لهم فليصفه بأنه مؤيد لأنصار الله وإذا كان مقاتلا ضمن قوات صنعاء فليقل ذلك بوضوح هذه أوصاف مفهومة ودقيقة أما كلمة «متحوث» فلا تضيف معلومة يحتاج إليها المشاهد بل تضيف إلى المعلومة شحنة سياسية ونفسية.

والمفارقة أن الجزيرة نفسها وضعت لنفسها معايير واضحة يفترض أن تمنع مثل هذا الانزلاق فميثاقها المهني ينص على تقديم الآراء ووجهات النظر المختلفة بتوازن ودون محاباة أو انحياز وعلى الالتزام بالصدق والإنصاف والنزاهة والاستقلالية واحترام التنوع داخل المجتمعات كما يؤكد ضرورة التمييز بين الخبر والرأي والتحليل والتعليق هكذا تصف الجزيرة نفسها وهو مضحك عندما نرى ممارستها للعمل الصحفي.

وحين نضع كلمة «متحوث» أمام هذه المعايير تبرز المشكلة مباشرة: أين نصنفها؟ هل هي معلومة؟ لا، هل هي الاسم الذي اختاره أصحاب الحركة لأنفسهم؟ لا، هل هي وصف علمي أو سياسي متفق عليه؟ لا، إذن نحن أمام كلمة من قاموس الصراع وليست من قاموس الخبر.

وهذا ليس خلافا شكليا على مفردة لأن اللغة في الصراعات تؤدي وظيفة أكبر بكثير من نقل المعلومات يستطيع الإعلام عبر كلمة واحدة أن يصنع في ذهن الجمهور صورة كاملة عن الإنسان قبل أن يسمع رأيه أو يعرف قصته وهذه إحدى الآليات المعروفة في عملية الوصم الاجتماعي المستخدمة في الحرب النفسية أنت لا تناقش الشخص فيما يقول وإنما تعطيه تسمية تجعل الجمهور يتخذ موقفا منه مقدما وهو بالضبط ما تحاول الجزيرة القيام به لأنها شريك أساسي في العدوان على اليمن.

ومن هنا يمكن فهم الفارق بين أنصاري و«متحوث» أو بين قولنا منتمٍ إلى أنصار الله وبين «متحوث» ففي الحالة الأولى نحن أمام تعريف بانتماء سياسي أو فكري وفي الثانية نحن أمام محاولة لإعادة تشكيل هوية الإنسان من خلال مصطلح الخصم والأمر يصبح أكثر وضوحا إذا عدنا إلى الطريقة التي تعرف بها أنصار الله نفسها.

فالمسيرة القرآنية لا تقدم نفسها في خطابها الذاتي بوصفها مذهبا فقهيا جديدا ولا باعتبارها تعبيرا عن منطقة جغرافية بعينها ولا باعتبارها طائفة مغلقة على نسب أو محافظة أو قبيلة خطابها الرسمي والفكري يستخدم أساسا تعبير المسيرة القرآنية ويقدم المشروع باعتباره منهجا يقوم على العودة إلى القرآن في بناء الموقف والرؤية والوعي.

وفي مقابلات منشورة مع شخصيات من أنصار الله جرى التأكيد صراحة على أن الحركة ترى نفسها متجاوزة للحصر المذهبي وأنها تضم أفرادا من خلفيات زيدية وشافعية وصوفية وغيرها وأن المسيرة القرآنية وفق هذا التصور نهج وفكر وليست مذهبا محصورا وهذه بطبيعة الحال هي الصورة التي يقدم بها أنصار الله مشروعهم لأنفسهم بينما يقدم خصومهم وبعض الباحثين قراءات مختلفة لطبيعة الحركة وتركيبتها الفكرية والسياسية وهذه النقطة مهمة جدا في موضوعنا.

لأن كلمة «متحوث» تفعل العكس تماما فهي تختزل مشروعا يقدم نفسه بوصفه مسيرة قرآنية في اسم شخص أو أسرة ثم تحول الانتماء إليه إلى عملية «تحوث» وكأننا أمام هوية مذهبية أو سلالية ينتقل إليها الإنسان وهذا اختزال غير دقيق حتى لو صدر من أشد خصوم أنصار الله.

فيمكن لأي باحث أو صحفي أن يناقش كلام أنصار الله بأنها عابرة للمذهب والمناطقية وأن يختبره اجتماعيا وسياسيا وأن يقدم الأدلة المؤيدة أو الناقدة له وهذا عمل مشروع أما أن يحسم الصحفي المسألة مسبقا داخل كلمة ساخرة أو مشحونة فهذه ليست دراسة ولا تحقيقا وإنما تبن لإطار لغوي أنتجه أحد أطراف الخصومة وتبنته الجزيرة عن عمد.

وهنا تظهر أهمية موقع سعيد ثابت تحديدا الذي استخدم هذا المصطلح في يوم السبت ٣ اكتوبر ٢٠٢٦ في التغطية الإخبارية الساعة ٤ عصرا فنحن لا نتحدث عن ضيف سياسي استضافته الجزيرة وتركته يعبر عن رأيه عندما يصدر المصطلح عن مدير مكتب الجزيرة في اليمن تصبح المسألة مرتبطة بصورة المؤسسة نفسها لأن مدير المكتب ليس مجرد متحدث عابر وإنما صحفي يحمل صفة الجزيرة ويتحدث أمام جمهورها، كما أن خلفيته الصحفية تجعل المسألة بحاجة إلى حساسية مهنية أكبر فسعيد ثابت ذكر بنفسه أن بدايته الصحفية الجادة كانت في صحيفة الصحوة منذ عام 1985م وأنه شارك بعد ذلك في تأسيس صحيفة الإصلاح في تعز عام 1990م، وهنا لسنا أمام صحيفتين مجهولتي الهوية السياسية فالجزيرة نفسها سبق أن وصفت صحيفة الصحوة بأنها لسان حال التجمع اليمني للإصلاح الخصم العقائدي لأنصار الله كما أن الخطاب المنشور في المنابر المرتبطة بالإصلاح يعرض الصحوة باعتبارها جزءا من تاريخ التيار الإصلاحي الإسلامي في اليمن "الإخوان المسلمين".

وهذه الحقائق تؤكد على الأقل أن سعيد ثابت تشكل مهنيا في بيئة إعلامية شديدة الصلة بالحركة الإسلامية والتجمع اليمني للإصلاح وأن له اهتماما بحثيا قديما بالحركة الإسلامية في اليمن، وهنا لا تكمن المشكلة في خلفية الإنسان الفكرية فلا يوجد صحفي جاء من فراغ وكل إنسان يحمل تاريخا وأفكارا وقناعات وتجارب، المشكلة تبدأ فقط عندما تدخل هذه الخلفية إلى صياغة الخبر وعندما يصبح قاموس البيئة السياسية التي جاء منها الصحفي هو نفسه القاموس الذي تستخدمه المؤسسة الإعلامية الدولية التي يعمل فيها فالخصومة بين التجمع اليمني للإصلاح وأنصار الله معروفة في الحياة السياسية اليمنية وهي ليست سرا لكن الجزيرة ليست صحيفة حزبية يمنية حتى تسمح بأن تتحول مفردات هذه الخصومة إلى لغتها وهذه قاعدة يجب أن تنطبق على الجميع بلا استثناء.

فكما أن استخدام كلمة «متحوث» مباشرة في الخبر يثير إشكالا مهنيا فإن استخدام أوصاف مثل «مرتزقة» أو «عملاء» لوصف خصوم أنصار الله داخل الخبر من دون نسبتها إلى من يقولها سيكون إشكاليا أيضا الصحفي يستطيع أن يقول: «القوى التي تصفها أنصار الله بالمرتزقة» إذا كان نقل المصطلح ضروريا مثلما يستطيع أن يقول: «من يصفهم خصوم أنصار الله بالمتحوثين» أما أن يتبنى هو المصطلح فهنا يختفي الخط الفاصل بين الصحفي والطرف السياسي وهذا تحديدا ما ينبغي أن تنتبه إليه الجزيرة.

فالجزيرة ليست حسابا في منصة «إكس» وليست صحيفة حزبية محلية وليست بيانا صادرا عن طرف في الحرب كما تدعي إنها شبكة تقول عن نفسها إن مصداقيتها تقوم على المهنية والدقة والموضوعية وإنها تسعى إلى الحقيقة وتضع النزاهة والاحترام في صميم عملها ولذلك فإن مسؤوليتها في اختيار المفردات أكبر أن كانت كما تدعي.

ولو تأملنا المسألة من منظور علم الاجتماع السياسي سنجد أن خطورتها لا تقف عند حدود العمل الصحفي فالتسميات من هذا النوع تصنع حدودا نفسية داخل المجتمع إنها تقول بصورة غير مباشرة إن هناك هوية أصلية ينبغي أن يبقى الإنسان داخلها وإن من يغير موقفه السياسي أو الفكري يتحول إلى شيء غريب عنها فبدل أن نسأل: لماذا أصبح هذا الإنسان مؤيدا لأنصار الله؟ وما الأفكار التي أقنعته؟ وما الظروف السياسية والاجتماعية التي أثرت في موقفه؟ وما الذي يجذبه في المشروع المسيرة القرآنية؟ يأتي المصطلح ليختصر كل ذلك في كلمة «متحوث» وبذلك نتوقف عن فهم الظاهرة ونبدأ في وصم أصحابها.

والمفارقة أن هذا الاستخدام يصبح أكثر تناقضا مع الواقع الاجتماعي اليمني كلما توسعت الحركة خارج البيئة التي نشأت فيها فإذا كان في أنصار الله أشخاص من محافظات ومناطق وانتماءات مذهبية واجتماعية مختلفة فإن اختزال هؤلاء جميعا في مصطلح مشتق من اسم الحوثي لا يساعد على فهمهم وإنما يخفي التنوع الحقيقي الموجود بينهم وهنا تحديدا ينبغي الفصل بين أمرين.

من حق الباحث أن يسأل إلى أي مدى نجحت أنصار الله فعلا في أن تكون حركة عابرة للمذهب والمنطقة ومن حقه أن يناقش بنيتها القيادية والاجتماعية ومن حق خصومها أن يقدموا نقدهم لذلك كله لكن شيء آخر تماما أن يستخدم الصحفي كلمة تحمل مسبقا جواب الخصم عن هذه الأسئلة.

فإذا كان أنصار الله يقدمون أنفسهم باعتبارهم مسيرة قرآنية لا مذهبا جديدا فإن العمل الصحفي المحترف لا يطلب منه أن يتبنى هذا التعريف لكنه يطلب منه أيضا ألا يتبنى تعريف الخصوم وكأنه حقيقة موضوعية عليه أن يقول ببساطة أنصار الله يقولون كذا وخصومهم يقولون كذا ثم يترك الوقائع تتحدث هذا هو معنى «الرأي والرأي الآخر» فعليا.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده أن الجزيرة قادرة أصلا على استخدام لغة أكثر مهنية ففي موادها الإخبارية المنشورة تستخدم عادة أنصار الله أو الحوثيين أو جماعة أنصار الله (الحوثيين) وبغض النظر عن النقاش حول أي هذه التسميات أدق فإنها جميعا أكثر وضوحا من كلمة «متحوث» ولهذا لا توجد حاجة خبرية حقيقية إلى الكلمة، والسؤال الذي يستحق أن توجهه الجزيرة إلى نفسها بسيط جدا إذا كان بالإمكان وصف الشخص بدقة من دون استخدام مصطلح مشحون فلماذا نستخدم المصطلح المشحون أصلا؟

القضية في النهاية ليست دفاعا عن أنصار الله في مواجهة النقد وليست مطالبة الجزيرة بأن تتبنى رؤيتهم لأنفسهم فمن حق الجزيرة أن تنتقد أنصار الله وأن تحقق في أداء سلطات صنعاء وأن تستضيف خصومهم وأن تعرض الاتهامات الموجهة إليهم وأن تناقش مشروعهم الفكري والسياسي بأشد الأسئلة صعوبة لكن كل ذلك شيء واستخدام لغة الوصم شيء آخر فالنقد يقدم واقعة وحجة ودليلا أما الوصم فيقدم كلمة ويريد من الجمهور أن يستنتج منها كل شيء ولهذا تصبح القضية أكبر من سعيد ثابت نفسه فالمراسل يعمل تحت اسم المؤسسة والمؤسسة مسؤولة في النهاية عن اللغة التي تمر عبر شاشتها مشاركة مباشرة في الحرب النفسية ضد أنصار الله.

ومن حق المشاهد هنا أن يسأل إدارة شبكة الجزيرة سؤالا واضحا: هل تعتبر كلمة «متحوث» جزءا من قاموسها الصحفي المقبول في تغطية الشأن اليمني؟

إذا كانت الإجابة نعم فمن المشروع أن تشرح الجزيرة الأساس المهني لذلك، وإذا كانت الإجابة لا فإن ميثاقها نفسه ينص على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه وتفادي تكراره فاللغة ليست هامشا في الإعلام.

وفي بلد يعيش صراعا طويلا مثل اليمن يمكن للكلمة أن تقرب الناس من فهم بعضهم ويمكنها أيضا أن تعمق بينهم الحواجز ولذلك ليس المطلوب من الجزيرة أن تحب أنصار الله ولا أن تتبنى مفهومهم للمسيرة القرآنية ولا أن توافق على رؤيتهم السياسية المطلوب أمر أبسط بكثير أن تسمي الأشياء بأسماء مهنية واضحة وأن تفصل بين لغة الصحفي ولغة الخصوم تقول أنصار الله إذا كانت تتحدث عن أنصار الله وتقول مؤيد لأنصار الله إذا كان الشخص مؤيدا لهم وتنسب الأوصاف الجدلية إلى من يستخدمها.

أما كلمة «متحوث» فهي لا تساعد المشاهد على معرفة شيء جديد عن الشخص بقدر ما تحاول أن تحدد له مسبقا الطريقة التي ينبغي أن ينظر بها إليه وهنا تقع المشكلة الحقيقية فالصحافة تبدأ في فقدان مهنيتها عندما تتوقف عن وصف الخصومة وتبدأ في الحديث بلغتها وبين عبارة منتمٍ إلى أنصار الله وكلمة «متحوث» قد لا تكون هناك سوى بضعة أحرف لكن بينهما في المعنى مسافة كاملة تفصل الخبر عن الوصم والصحفي عن الناشط والمهنية عن قاموس الخصومة.

 

أستاذ علم الاجتماع السياسي – جامعة صنعاء