الفرق بيننا وبين أعدائنا لا يكمن في السلاح وحده، وإنما في الإنسان والقضية والوعي والقيم والأخلاق التي تقف خلف هذا السلاح.
أعداؤنا جعلوا المعركة ناراً وعتاداً وقتلاً وتدميراً، وحصروا دور جنودهم في الطائرات والمدرعات والصواريخ والأسلحة؛ لأنهم لا يحملون قضية ولا يمتلكون مشروعاً حقيقياً، أما مجاهدونا فقد خاضوا معركة أوسع: معركة الإنسان والوعي والإيمان والتقوى والثبات والعزيمة، فبنوا إنساناً مؤمناً بالله ورسوله، يتحرك في سبيل الله، ويضبط أعماله وأقواله وأفعاله بمعيار التقوى، مستنداً إلى قيم ومبادئ وأخلاق وثوابت الإيمان والإسلام ومشروع القرآن الكريم، ويعرف لماذا يقاتل، ومن يقاتل، وما الذي يدافع عنه، ومن الذي يجب عليه أن ينصره.. إنه إنسان يرفض الوصاية الخارجية والتبعية لأعداء الأمة، ويرفض الغزو والاحتلال، ويتمسك بالقرآن وعزة الإيمان والسيادة والكرامة والحرية والاستقلال.
لذلك فإن الفارق بيننا وبين أعدائنا في أخلاق الحرب كبير وواضح؛ فقد استهدف أعداؤنا الأطفال والنساء والمدنيين في منازلهم وأسواقهم ومستشفياتهم، وفي مناسبات الأعراس والعزاء، بالغارات الجوية والقصف المباشر، وحاصروا شعباً بأكمله. وعلى مدى اثني عشر عاماً من العدوان والحصار، سفكوا دماء الأبرياء بصورة متواصلة، وارتكبوا جرائم موثقة بالصوت والصورة، وهي شاهدة على باطلهم وشرهم وإجرامهم وطغيانهم واستكبارهم.
وفي ميدان المعركة أيضاً يظهر الفارق بيننا وبين أعدائنا في التعامل مع الأسرى بصورة واضحة؛ فقد قتلوا الأسرى وذبحوهم وسحلوهم وأهانوهم، بينما حفظنا الأسرى ورعيناهم وصنا كرامتهم.
هم دفنوا بعض الأسرى أحياء، ونحن عالجنا الأسرى وأطعمناهم وكسوناهم واهتممنا بهم.
هم قابلوا الأسير بالقتل والإهانة والتعذيب، ونحن قابلناه بالرعاية والعلاج والإحسان.
هم رأوا في الأسير عدواً مستباح الكرامة، ونحن رأينا فيه إنساناً مصان الحرمة والحق والكرامة.
هم جعلوا الأسر ميداناً للانتقام، ونحن جعلناه ميداناً للرعاية والأخلاق والقيم.
هم انتهكوا كرامة الأسير، ونحن حفظنا كرامته.
هم تعاملوا مع الأسير كأسير حرب وعدو، ونحن استقبلناه ورعيناه كضيف له حرمته وكرامته وحقوقه التي أقرتها شريعة السماء.
وفي المعركة بمختلف مجالاتها، نحن نلتزم بقيم الإسلام وأخلاقه ومبادئه وثوابت الإيمان في التعامل مع الأسرى والمدنيين، وفي جميع أخلاق الحرب ومواقفها.
وهنا يتجلى الفارق بيننا وبين أعدائنا: هم جعلوا الحرب ميداناً لسفك الدماء والتدمير وانتهاك الكرامة والحرمات والقتل والذبح والتفجيرات والتقطع في الطرقات وأخذ الحقوق ونهب الممتلكات وحصار المدنيين؛ ونحن جعلناها ميداناً للصمود والثبات وحماية الإنسان وحقوقه والتمسك بالقيم الإنسانية والمبادئ الإسلامية والأخلاق القرآنية والثوابت الإيمانية في مختلف مواقفنا.
هم قاتلوا بالآلة والطائرة والصاروخ وبالحديد والنار؛ ونحن قاتلنا بالثقة بالله والتوكل عليه والالتجاء إليه، وبالإنسان الواعي المؤمن المجاهد في سبيل الله؛ إنساناً يقاتل في سبيل الله وفقاً لسنن الله في الحياة.
هم راهنوا على أمريكا وإسرائيل وبريطانيا ودول الغرب الكافر، ونحن وثقنا بالله، وتوكلنا عليه، واستعنا به، والتجأنا إليه، وتمسكنا بصدق وعده بالنصر والتمكين.
هم أرادوا إخضاع اليمن لقوى الطاغوت والاستكبار؛ ونحن تمسكنا بحرية اليمن وسيادته وكرامته، وواجهنا مشاريع الهيمنة والوصاية، وجعلنا من اليمن منطلقاً لنصرة الدين والمستضعفين في الأرض، في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار العالمي.
هم استهدفوا الميدان والإنسان، ونحن بنينا الإنسان بناءً إيمانياً، وجعلناه إنساناً يصمد في الميدان، ويقدم بصموده وثباته ورباطة جأشه وأخلاقه ومواقفه أعظم شاهد على عظمة الإسلام وعزة الإيمان.
ولهذا، لم يكن الصمود والثبات اليمني في مواجهة العدوان والحصار وليد السلاح وحده، بل كان ثمرة وعي وبصيرة وإيمان بالله، وثبات وتربية وبناء للإنسان كما أراد الله له أن يكون خليفة في الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وما كان لهذا الوعي والإيمان أن يترسخ، ولا لهذه البصيرة أن تتنامى، ولا للثبات أن يتجذر، لولا ثقافة المسيرة القرآنية المباركة وهويتها الإيمانية، وهدى الله الذي يتحرك المجاهدون في سبيل الله على أساسه، وتأثيره في النفوس، والقيادة الربانية الحكيمة والعظيمة، ومواقفها الإيمانية الصادقة والمشرفة وشجاعتها.
إنها معركة بين ثقافتين: ثقافة تبني الإنسان على أساس التقوى وهدى القرآن وأخلاق الإسلام ومبادئه ورسالته، وتحفظ كرامته؛ وثقافة تجعل من القوة وسيلة لسحق الإنسان، وأخذ حقوقه، وتدمير ممتلكاته، واحتلال أرضه، وانتهاك كرامته، وسلب حريته.
إنها معركة بين أخلاق تستمد مبادئها من الإيمان والإسلام، وأخلاق تخلت عن تلك المبادئ في ميدان المعركة.
وهذا هو الفارق بيننا وبين أعدائنا؛ ولذلك صمدنا في مواجهتهم، وننتصر عليهم دائماً، ونتغلب على فارق القوة الكبير بيننا وبينهم.
ولذلك حظينا بمعية الله وتأييده ونصره وتوفيقه، بينما استحقوا غضب الله وسخطه وعذابه ونقمته، والعاقبة للمتقين.