الحقيقة أن اليمن لم تكن ترغب بالدخول في مواجهةٍ عسكرية مع السعودية منذ البداية؛ كونها ومنذ قيام ثورة الـ21 من سبتمبر المباركة، تعد نفسها لمواجهة أعداء الأمة من اليهود والنصارى، وهذا ما لم يسمح به النظام السعودي المجرم الذي يعتبر نفسه وكيلاً للأمريكيين والصهاينة في المنطقة؛ فشكّل تحالفًا إقليميًّا ودوليًّا للقضاء على اليمن، وأعلن العدوان عليها في 26 مارس 2015م من واشنطن، وأنفق مئات المليارات من الدولارات لقصفها وتدميرها ثمان سنوات دون أن يحقق أيّ نتيجة.
وبعد تعرض منشآت النفط السعودية في "بقيق وخريص وتنورة" طلب ولي عهد الأمريكيين والصهاينة هدنة مع اليمن بوساطة عمانية؛ فوافقت عليها القيادة الثورية والسياسية في صنعاء من منطلقات قرآنية إيمانية، ومُنح العدو السعودي المجرم فرصة للخروج من اليمن بماء وجهه؛ إلا أنه استغل هذه الهدنة وهذه الفرصة لإعادة ترتيب أدواته المحلية؛ فدخلت صنعاء في مواجهة مباشرة مع الأمريكيين والصهاينة لمدة عامين اسنادًا لغزة.
وبعد أشهر قليلة انسحبت القوات الأمريكية من هذه المواجهة، وتركت كيان العدو الصهيوني يتلقى الضربات اليمنية حتى آخر لحظة، وكان ذلك درسًا كافيًا وواضحًا للنظام السعودي بأن موازين القوة تبدلت في المنطقة، وأن صنعاء باتت رقمًا كبيرًا في المعادلات الإقليمية والدولية، ومن مصلحته أن يستجيب بسرعة لكافة المطالب اليمنية المحقة والعادلة، وأن يدخل مع صنعاء في اتفاقية سلام دائمة وشاملة.
إلا أنه زاد خبثًا ومكرًا وعنادًا، وأعتقد أنه بات قادرًا على تحقيق ما عجز عن تحقيقه الأمريكيون والصهاينة، وظن أن قواته وأدواته التي حشدها ودربها ومولها وعمل على تسليحها بمئات المليارات من الدولارات في الساحل الغربي ومأرب والجوف والبيضاء وغيرها، قادرة على الوصول إلى صنعاء هذه المرة؛ فقام بقصف مطار صنعاء أمام العالم دون أيّ مبرر مقنع.
هذا العدوان الهمجي استفز كافة أبناء الشعب اليمني، وولد لديهم قناعة تامة أن النظام السعودي المتصهين لن يوقف عدوانه عليه ويرفع حصاره عنهم إلا بالقوة؛ فردت صنعاء على هذا العدوان السعودي بقصف المطار الذي أقلعت منه الطائرات لقصف مطار صنعاء، وفرضت على الرياض معادلة تاريخية منطقية وعادلة، وهي "الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد".
هذه المعادلة اليمنية لم تلقَ آذانًا صاغية في السعودية، بل تعامل معها "أبو منشار" باستهتار وحماقة، وأعطى الضوء الأخضر لأدواته المحلية بمهاجمة صنعاء من كل ناحية، وقبل أن تتحرك هذه الأدوات القذرة من قواعدها ومعسكراتها، تمكنت صنعاء من تدميرها تمامًا، والقضاء عليها خلال أيام وساعات معدودة.
عملية الساحل الغربي وحدها أذهلت العالم، واعتبر الكثير من المراقبين أن ما حققته صنعاء في هذه العملية كانت معجزة حقيقية، ومثلها تحقق في الجوف وتعز وغيرها، هذه المعجزات التاريخية التي حررت مناطق يمنية واسعة ردّ عليها النظام السعودي المجرم بمئات الغارات الوحشية التي استهدفت الأبرياء في السجون والمستشفيات والأسواق والطرقات وغيرها، في أغلب المحافظات اليمنية.
فما كان من صنعاء إلا أن ردت على هذا الأجرام والتصعيد باستهداف القواعد والمطارات التي تقلع منها الطائرات السعودية لاستهداف كافة اليمنيين، والمنشآت النفطية التي تمول العدوان عليهم وعلى غيرهم، من شعوب الأمة والمنطقة، وهذا ما جعل بن سلمان يتوسل العالم وخصوصًا الأمريكيين والصهاينة للوقوف إلى جانبه لاستكمال جرائمه في اليمن، وحماية الآبار المقدسة، في "ينبع المكرمة" و"ارامكو المنورة"، إلا أنه عاد خائبًا ولم يجد في الأرض من ينصره، ولن يجد نهائيًا؛ إذ قد أذن الله بزواله.
وكان عليه أن يعلن رسميًّا وقف العدوان والحصار على اليمن فورًا؛ فقد خسر كافة أوراقه المحلية والإقليمية والدولية، وصارت السعودية العظمى والشقيقة الكبرى مسخرة أمام العالم، حتى الأقمار الفضائية نسيت مهمتها الأساسية وصارت تتابع مسار الدخان والحرائق في السعودية،
لا شك أن لله جنود السماوات والأرض، وما أهل اليمن ولا قواتهم ولا صواريخهم ومسيّراتهم إلا جزء بسيط منها، وما حدث لفرعون بني إسرائيل بات قريبًا جدًا من فرعون بني سعود، وهذه سنة الله في الذين خلوا من قبلهم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.