في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها اليمن جراء استمرار العدوان والحصار الإجرامي والتحديات الاقتصادية المتراكمة، تبرز الزراعة بوصفها أحد أهم المسارات الاستراتيجية لتعزيز الصمود الوطني، وتقليص الاعتماد على الخارج، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع، فمعركة التحرر من الوصاية الخارجية تمتد إلى تأمين الغذاء وامتلاك مقومات الإنتاج، وفي مقدمتها الأرض والمياه والبذور والأيدي العاملة.

لقد أظهرت سنوات العدوان والحصار الممتدة لأكثر من 12 عاماً، مدى ارتباط الأمن الغذائي بالسيادة الوطنية، إذ إن الاعتماد الكبير على استيراد الغذاء يجعل المجتمع أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، وعندما تتراجع القدرة على توفير السلع الأساسية أو ترتفع تكاليف وصولها إلى الأسواق المحلية، تصبح الأسر اليمنية الأكثر تضرراً، خصوصاً في ظل انقطاع المرتبات بعد قيام العدو السعودي بنقل البنك المركزي الى المناطق المحتلة، وكذا تراجع الدخل واتساع الاحتياجات المعيشية.

ومن هنا، فإن التوجه نحو الزراعة يمثل ضرورة وطنية واقتصادية، وليس خياراً موسمياً يرتبط بفصل الأمطار أو بمبادرات محدودة، فالأرض اليمنية، بما تمتلكه من تنوع مناخي وبيئي، تتيح فرصاً لإنتاج محاصيل غذائية متعددة، إذا ما جرى استثمارها بصورة مدروسة، وتوفير الدعم اللازم للمزارعين، وتطوير وسائل الري والإنتاج والتسويق.

إن تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي يبدأ بإعادة الاعتبار للمزارع اليمني، باعتباره شريكاً أساسياً في حماية الأمن الغذائي، من خلال توفير البذور الجيدة والأسمدة المناسبة، وتسهيل الحصول على المعدات الزراعية، وتقديم التمويل الميسر، وتوسيع الإرشاد الزراعي، كما يتطلب حماية الأراضي الزراعية من التوسع العمراني العشوائي، وصيانة المدرجات الزراعية، وتشجيع زراعة الحبوب والمحاصيل الأساسية التي يمكن أن تقلل فاتورة الاستيراد وتخفف الضغط على العملة الوطنية.

وتحتل قضية المياه موقعاً محورياً في هذه المعركة، فنجاح أي توجه زراعي مستدام يتوقف على حسن إدارة الموارد المائية، وترشيد استخدامها، والتوسع في تقنيات الري الحديثة، وحصاد مياه الأمطار، وصيانة الحواجز والسدود، ولا يمكن تحقيق الاكتفاء الغذائي من خلال استنزاف المياه الجوفية، بل عبر تخطيط زراعي يوازن بين احتياجات الإنتاج وحقوق الأجيال القادمة.

كذلك، فإن تشجيع الصناعات الغذائية المحلية وتطوير وسائل التخزين والتبريد والنقل والتسويق يمثل حلقة أساسية في بناء اقتصاد منتج، إذ إن زيادة المحاصيل وحدها لا تكفي ما لم يتمكن المزارع من بيع إنتاجه بسعر عادل، ويجد المستهلك المنتجات المحلية بجودة مناسبة وأسعار معقولة، ويمكن للتعاونيات الزراعية أن تؤدي دوراً مهماً في تنظيم الإنتاج، وتوفير المدخلات، وتسويق المحاصيل، والحد من تحكم الوسطاء في عائدات المزارعين.

إن التحرر من الوصاية الاقتصادية يبدأ بتقليص مواطن التبعية، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على الخارج في توفير الغذاء، ولا يعني ذلك الاستغناء الفوري عن الاستيراد، فاليمن يحتاج إلى خطة واقعية ومتدرجة ترفع الإنتاج المحلي وفق الإمكانات المتاحة، وتحدد المحاصيل ذات الأولوية، وتوجه الموارد نحو المشروعات الأكثر فائدة للمجتمع.

أخيراً، تمثل الزراعة ركيزة من ركائز الصمود والسيادة، لأنها تحوّل الأرض إلى مصدر للحياة، والعمل إلى قيمة إنتاجية، والمجتمع إلى شريك في حماية أمنه الغذائي، وكل خطوة ناجحة نحو زيادة الإنتاج المحلي تخفف جانباً من أعباء الحصار والتبعية، وتفتح الطريق أمام اقتصاد يمني أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، ومن هنا، فإن دعم الزراعة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والمزارعين، من أجل بناء مستقبل يستطيع فيه اليمنيون تأمين غذائهم بجهودهم وإمكاناتهم، وتعزيز استقلال قرارهم الوطني.