ليس تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن الجهوزية لإسناد الرياض في حربها على اليمن كلاماً عابراً، ولا يمكن قراءته بمعزل عن توقيته وسیاقه فهو خطوة تستدعي التوقف، لانها قد تفتح الباب أمام تطور أخطر فإقحام الجيش المصري في مستنقع حرب لا مصلحة له فيها، في وقت تتصاعد فيه المعركة في غزة وتتشابك فيه الأوراق الإقليمية ولكن لماذا الآن؟ وهل هناك دور إسرائيلي في هذا التوقيت؟ وما علاقة ذلك بالمعركة في غزة؟ وما يسمى "إسرائيل الكبرى".
توقيت مريب وسياق أخطر
الخطورة في تريح السيسي يكم في كونه يقع في لحظة بالغة الحساسية فالأمة الإسلامية تعيش أسوأ مراحلها نظرا لتزايد الخطر الصهيوني فيما هي منشغلة بالصراعات الداخلية وأي انفتاح لجبهة جديدة خصوصاً في اليمن لن يكون إلا مزيد من التشتت والاستنزاف وهنا يبرز الدور الإسرائيلي فـ "إسرائيل"، التي تدرك أنها لا تستطيع مواجهة الجيش المصري مباشرة، تجد في إقحامه في المستنقع اليمني طريقاً آمناً لتفكيكه وإخراجه عن الجاهزية، تماماً كما فعلت مع جيوش عربية أخرى.
دروس الستينيات.. المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين
التاريخ هنا ليس بعيداً فالتدخل المصري في اليمن في ستينيات القرن الماضي بقدر ما كان مغامرة عسكرية، كان أحد الأسباب التي أضعفت الجبهة المصرية قبل نكسة 1967. فقد أُرسلت قوات كبيرة إلى اليمن، واستُنزفت ألوية مهمة، وخرجت عن الجاهزية، بينما كان العدو الإسرائيلي يعد العدة للإجهاز على مصر والنتيجة معروفة، انكشاف الجبهة المصرية، واحتلال سيناء وإيلات ومساحات واسعة، في انتكاسة كان يمكن تفاديها لو قُدّر الموقف تقديراً صحيحاً.
اليوم، يبدو المشهد وكأنه محاولة لإعادة إنتاج الخطأ نفسه، لكن في ظروف أخطر فاليمن اليوم ليس يمن الستينيات؛ فقد راكمت الساحة اليمنية قدرات عسكرية وتقنية معقدة، وأثبتت أن التدخلات الخارجية فيها تتحول إلى حرب استنزاف طويلة وما لم تحققه الجيوش السعودية والخليجية مدعومة بأمريكا وبريطانيا لا يمكن لجيش آخر أن يحققه ومن ثم فإن إدخال الجيش المصري في هذا المستنقع لن يكون إسناداً لحليف، بل إهداراً لقوة مصرية كان يفترض أن تبقى خارج حسابات الاستنزاف ودرأ الخطر الصهيوني.
العلاقة بغزة: تشتيت الساحة الكبرى
لا يمكن فصل ما يجري في اليمن عن المعركة في غزة فكل انفتاح لجبهة جديدة، وكل انشغال عربي داخلي، يصب في مصلحة العدو الإسرائيلي الذي يريد أن تظل الأنظار مشتتة والجيوش العربية مستنزفة فبدلاً من أن تتحد الجهود حول القضية المركزية، يتم جرّ المنطقة إلى صراعات جانبية، ودفع مصر إلى حرب يعرف العالم أنها لا تستند إلى مسوغ شرعي أو قانوني، وأنها في جوهرها حرب أمريكية صهيونية بالدرجة الأولى.
لا يوجد مبرر سياسي أو قانوني أو أخلاقي يستدعي إقحام الجيش المصري في الحرب على اليمن فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، ومصر التي خرجت من تجربة الستينيات بثمن باهظ من الدم والجاهزية والموقع الاستراتيجي، أولى بها أن تحافظ على جيشها قوياً خارج أتون حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن ليس مجرد تدخل عسكري محدود، بل الانزلاق التدريجي إلى مستنقع يستنزف الجيش المصري، ويشتت الأمة، ويخدم العدو الصهيوني الذي يرى في تفكيك الجيوش العربية غاية استراتيجية كبرى.
خاتمة
التصريح المصري بالجهوزية لإسناد الرياض في اليمن يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر فالتوقيت، والتشابك مع غزة، ومشاريع "إسرائيل الكبرى"، كلها إشارات إلى أن إدخال الجيش المصري في الحرب اليمنية سيكون خطأً استراتيجياً باهظاً والحكمة تقتضي أن تبقى مصر خارج الفخ، لا أن تُدفع إليه باسم التحالفات أو الضغوط فالجيش الذي يُفكَّك في حروب الآخرين، لن يكون قادراً على حماية أمن مصر حين تحتاجه مصر حقاً.