موقع أنصار الله - متابعات – 19 جمادى الآخرة 1447هـ
في مشهد يصفه الأهالي بأنه "الأقسى منذ سنوات"، يقف سكان قرية قريوت، جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، أمام أراضيهم يراقبون جرافات العدو الصهيوني وهي تسارع الخُطى لاقتلاع أشجارهم المُعمّرة، في خطوة "تهدف لابتلاع وسرقة ما تبقى من أراضيهم".
هيئة "مقاومة الجدار والاستيطان" الفلسطينية، تفيد بأن سلطات العدو الصهيوني استولت على 70 ألفًا و147 دونمًا من خلال أمر "وضع يد لأغراض عسكرية وأمنية" من أراضي قرى قريوت اللبن الشرقية والساوية بنابلس، لصالح إقامة منطقة عازلة، وفق تقرير نشرته في 19 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
تواصل الآليات بحماية الجيش، منذ الأحد، تسوية مساحات زراعية واسعة لتنفيذ المخطط الصهيوني، وتقوم باقتلاع أشجار زيتون معمرة قضى أصحابها عقودًا في رعايتها وتوارثوها عن الأجداد.
ويوضح أهالي القرية في أحاديث، ينقلها تقرير لوكالة "الأناضول"، أن عملية اقتلاع أشجار الزيتون تهدف "لمحو تاريخ القرية أمام أعينهم".
أشجار الزيتون في فلسطين قيمة رمزية واقتصادية، إذ تمثل ارتباط الفلسطينيين بأرضهم وذكرياتهم وهويتهم، كما أنها تعد مورد رزق لآلاف العائلات.
ومع بداية العدو الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1967، توضّح دراسات فلسطينية، "أصبح استهداف أشجار الزيتون هدفًا ممنهجًا في إطار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية التي تهدف إلى تفكيك علاقة الفلسطيني بأرضه وتاريخه".
"الزيتون مثل أولادي"
بجوار منزلها، وقفت الفلسطينية، أم مجدي عبد الغني، تراقب عمليات اقتلاع أشجار الزيتون، وتقول بصوت يختلط بين القهر والبكاء إن "الأرض والزيتون مثل أولادي".
وتتابع قائلة إنه "تعب عمري يذهب بثواني، هذه الأشجار مثل الروح في الصدر، واليوم تُقتلع أمامي وأعجز عن فعل أي شيء".
وتشير بيدها إلى مساحة واسعة قُلبت الآليات الصهيونية تربتها بالكامل، قائلة إن هذا الزيتون "عمره من عمرنا.. حياتنا مبنية عليه.. إحساس العجز قاتل".
وفي تعبيرها عن قساوة هذا المشهد، فقد أوضحت "أم مجدي" أن الموت "أهون" عليها من رؤية اقتلاع أشجار الزيتون.
هوية وذكريات
يقف إلى جانبها، زوجها محمد الذي تجاوز السبعين عامًا، مستندًا إلى عكازه ويشير إلى أنه "عندي 10 دونمات، قالوا (الجيش الإسرائيلي) إن نصف مساحة الأرض سيتم مصادرته لأمر محكمة"، ويتابع أنه "لا يوجد أمر محكمة. لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ لقد شرعوا بعملية اقتلاع الأشجار ودخلوا في ذلك إلى (المنطقة) جوار المنزل".
ووصف أشجار الزيتون بأنها "حياته"، متابعًا "عمري 70 عاما، أمضيتها وأنا أعمل في الأرض. وتربيت عليها مع جدي ووالدي. واليوم أرى حياتي تُمحى أمامي".
ويوضح بصوت مختنق أنه "نحو ألف شجرة دمّرت هنا. ألف شجرة يعني ألف ذكرى وألف موسم. هذا فعل إجرامي، وكأنهم يقطعوا قلبي".
اعتداءات متواصلة
المسنة، صدقية خروش، تقف على بقايا جذور أشجار زيتون مقتلعة، وتقول إنهم "لم يتركوا أرضًا (سليمة)".
وتشرح في حديثها "للأناضول" أنهم استيقظوا صباح الأحد، "مفزوعين على صوت الآليات الصهيونية وهي تقتلع أراضينا وتخلع أشجارها المعمرة".
وأوضحت أن "جيش" العدو الصهيوني والمستوطنين هددوا سكان القرية أكثر من مرة بشأن أراضيهم "فتارة يحرقونها، وتارة يمنعون وصولهم إليها، وأخيرا يقتلعونها كلها".
وذكرت أن أشجار الزيتون كان آخر ما يمتلكونه في هذه القرية، التي شهدت انتهاكات صهيونية متعددة، لافتة إلى أن إسرائيل استولت "حتى على المياه".
وأكدت أن عمليات التجريف تصل إلى مسافة قريبة جدا من منازل الفلسطينيين، معربة عن تخوفات سكان القرية من بناء وحدات استيطانية جديدة بالقرب منهم.
وأشارت إلى عدم وجود كلمات كفيلة بوصف حالة القهر التي تمتلكهم إزاء عمليات تجريف واقتلاع الزيتون.
"جريمة ممنهجة"
الناشط في مواجهة الاستيطان، بشار القريوتي، يقول للأناضول، إنه "نعاني من استيطان يلتهم ما تبقى من أرضنا. أكثر من 90 بالمئة من أراضي قرية قريوت صودرت بدواعٍ واهية".
وأوضح أن العدو الصهيوني يمهد اليوم لـ"مصادرة 400 دونم إضافية ضمن مشروع استيطاني ضخم"، دون تفاصيل.
وذكر أن هذه المنطقة التي تتم فيها عمليات التجريف تعد "استراتيجية" وتضم المئات من أشجار الزيتون المعمرة، بعضها يزيد عمره عن مئات السنين، مشيرًا إلى أن "الاحتلال يستبيح القرية، ويدمر حدائق المنازل، ويزيل الجدران، ويستهدف أراضي مصنفة (ب). من يحكم المنطقة فعليا هم المستوطنون".
ويشير القريوتي إلى أن قريوت كانت تمتد على 22 ألف دونم، لم يتبق منها سوى 1200 دونم فقط، بينما تطوقها 4 بؤر استيطانية و3 مستوطنات وهي: عيلي، شيلو، شفوت رحيل.
ووصف ما يعيشه سكان القرية بـ"الكابوس اليومي"، محذرًا من أن المرحلة المقبلة ستكون الأصعب وذلك لأن ما يجري "محاولة لاقتلاع القرية من جذورها".
ويكثف العدو الصهيوني منذ بدئه حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، ارتكاب جرائم هدم المنازل والتهجير للفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وتوسيع وتسريع البناء الاستيطاني بعموم الضفة الغربية المحتلة.
إلى ذلك، وبموازاة الإبادة في غزة، يصعّد "جيش" العدو الصهيوني والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة، بما فيها القدس الشرقية، ما أسفر، حتى الآن، عن استشهاد ما لا يقل عن 1092 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة لاعتقال أكثر من 18 ألفًا و21 ألفًا، وفق معطيات فلسطينية.