تكشف المعطيات المتلاحقة منذ أواخر ديسمبر الماضي وحتى اليوم صورةً متكاملة تُثبِت عملياً وسياسياً وأمنياً مصداقية ما ذهب إليه السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بشأن طبيعة التعاطي الصهيوني مع اليمن، وحقيقة الخشية التي باتت تحكم سلوك العدو الإسرائيلي إزاء أي تهديد يمني، وآخرها فيما يتصل بتحركاته في إقليم أرض الصومال.
تحوّل إضافي في ميزان الخو، طرأ عقب اعتراف الكيان الصهيوني المزعوم بإقليم “أرض الصومال” كدولة مستقلة في 26 ديسمبر الفائت، في خطوة هدفت إلى إيجاد موطئ قدم صهيوني في خاصرة المنطقة العربية والإسلامية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وإزاء ذلك أطل السيّد القائد في اليوم التالي مباشرة ببيانٍ شكّل الصوت العربي والإسلامي الوحيد الذي واجه هذه الخطوة بشكل صريح، عندما أعلن أن أي تحرك صهيوني في أرض الصومال سيكون هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة اليمنية.
هذا الموقف كان بمثابة إعلان قواعد اشتباك جديدة ضد العدو الصهيوني في المنطقة خارج حدود فلسطين المحتلة ومحيطها، حيث شكّل مسرح عمليات يمني جديد لضرب العدو في إطار معادلة الردع التي تخطها اليمن وتعيد بها تشكيل قواعد الصراع مع العدو.
وعقب ذلك الموقف للسيد القائد، بدت ملامح القلق الصهيوني من التهديد اليمني تظهر شيئاً فشيئاً، ليظهر الدليل العملي على ذلك في طريقة تفويج العدو لوزير خارجيته المجرم جدعون ساعر إلى هرجيسا، مركز "إقليم أرض الصومال"، في السادس من يناير الجاري، فالزيارة التي استغرقت يومين لم تُعلن إلا بعد وصوله، وجرت عبر مسار أقرب إلى “عملية تسلل” منه إلى بروتوكول زيارة رسمية.
وما يعزّز مصداقية هذا التوصيف أكثر، هو ما كشفت عنه مصادر خاصة للمسيرة اليوم حول تفاصيل الرحلة، والتي أكدت طبيعة المسار السري الذي اضطر العدو لاستخدامه، بدءًا من استخدام طائرة أجنبية، مروراً بإغلاق أجهزة التعارف بشكل كامل عند عبور الأجواء الأردنية والسعودية والإريترية، وصولاً إلى أديس أبابا في الخامس من يناير، قبل الذهاب إلى "هرجيسا" في اليوم التالي، ومن ثم تكرار الأسلوب ذاته في طريق العودة إلى مطار اللد بفلسطين المحتلة.
أسلوب التهريب والتسلل للوزير الصهيوني يعكس حالة قلق حقيقية لدى العدو، ويؤكد أنه بات يتعامل مع التهديدات اليمنية على محمل الجد بعد عامين من المواجهات البحرية والضربات المؤثرة.
هذه الوقائع جاءت مطابقة حرفياً لما وصفه السيد القائد في خطابه أمس الخميس، حين قال إن الزيارة تمت “بتسلل بكل ما تعنيه الكلمة”، وأن هذا التخفي يعود إلى خوف العدو من الموقف اليمني تحديداً، وليس من أي طرف عربي أو إسلامي آخر، مجدّدًا تهديده للعدو بالقول: "نحن مستمرون في عملية الرصد، ونعمل على تقوية عملية الرصد، وجادون في استهداف أي تمركز إسرائيلي في أرض الصومال، قاعدة عسكرية أو ما شابه، أي تمركز ثابت صهيوني نجد أنَّه متاحٌ لنا، يمكننا أن نستهدفه، هو بالشكل الذي يمكن لنا استهدافه، لن نتردَّد في الاستهداف العسكري له".
تحليلياً، يمكن قراءة هذا السلوك الصهيوني بوصفه اعترافاً ضمنياً بقوة الردع اليمنية، فالكيان الذي كان يتحرك بلا اكتراث في الإقليم بات اليوم يحسب حساباً لليمن، ويغيّر مساراته، ويلجأ لأساليب أشبه بالتهريب حتى في الزيارات الدبلوماسية، وهذا التحول يتجاوز الخشية التكتيكية الصهيونية إلى إدراك "إسرائيلي" استراتيجي بأن اليمن يمتلك القدرة والإرادة على تنفيذ ما يتوعد به.
من زاوية أوسع، فإن ما يجري يرسّخ مكانة اليمن كلاعب إقليمي مؤثر، لا تابعاً ولا هامشياً، وقادراً على فرض معادلات أمنية في البحر الأحمر ومحيطه، وقد اعتاد الجميع على أن اليمن لا يكتفِ بإصدار بيانات رفض، سيما بعد عامين ربط فيها اليمن الإيمان موقفه بالقدرة العملية على الاستهداف، وهو ما أعاد تعريف ميزان القوة في هذه الرقعة الحساسة من العالم.
كما أن هذا التطور يوجّه رسالة أعمق مفادها أن مرحلة التحركات الصهيونية الحرة في المنطقة، وخصوصاً محيط البحر الأحمر، قد انتهت، فوجود تهديد يمني جاد، مقرون بقدرات رصد واستهداف، يجعل أي تمركز صهيوني ثابت في أرض الصومال عرضة للخطر، ويقيّد خيارات العدو، ويقوّض طموحاته التوسعية البحرية والأمنية.
الوقائع الميدانية والسياسية المتتابعة تؤكد صحة قراءة السيد القائد لطبيعة السلوك الصهيوني، وتبرهن أن اليمن بات يمتلك وزن ردع حقيقياً، وأنه إلى جانب قدرته على ردع الإجرام الإسرائيلي في فلسطين ومحيطها، بات قادرًا على كبح التحركات الصهيونية في عمق الإقليم بما يعيد رسم معادلات النفوذ والأمن في البحر الأحمر والمنطقة برمتها.
المصدر: المسيرة نت