موقع أنصار الله – محمد ناصر حتروش
تحضر ذكرى الشهيد المجاهد الرئيس صالح علي الصمّاد رضوان الله عليه بوصفها لحظة مفصلية في مسار الصمود اليمني، وباعتبارها عنوانًا حيًّا لمرحلة تأسيسية ما تزال آثارها فاعلة في الوعي الشعبي، وفي موازين القوة، وفي شكل الدولة التي تتكوّن تحت النار.
ويتجاوز استحضار الصمّاد كونه رئيسًا استُهدف في جريمة اغتيال غادرة، ليغدو استدعاءً لتجربة قيادية جمعت بين الإيمان بالفعل، والقيادة الميدانية، والإدارة المجتمعية، في واحدة من أعقد مراحل المواجهة مع تحالف العدوان.
يُقدَّم الشهيد الصمّاد اليوم كنموذج قائد أعاد تعريف موقع الرئاسة في زمن العدوان، وحوّل المنصب من إطار شكلي إلى موقع اشتباك مباشر مع المعتدين سياسيًا وعسكريًا ومجتمعيًا. ففي ظل حصار خانق وعدوان متعدد الأدوات، قاد الصمّاد مرحلة تشكّلت فيها معادلات الردع، وبُنيت فيها قدرات عسكرية نوعية، وأُعيد فيها ربط الدولة بالمجتمع، والقيادة بالميدان.
في السياق، يجمع سياسيون وعسكريون وإعلاميون على أن استشهاد الرئيس الصمّاد فتح مسارًا من الوعي المتراكم، وعزّز حالة الالتفاف الشعبي حول خيار الصمود. وتبرز في هذا الإطار مواقف وتحليلات لعدد من الشخصيات السياسية والعسكرية، تقرأ تجربة الصمّاد من زوايا متعددة، وتجمع على أن الرجل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا، استُهدف لأنه مثّل خطرًا حقيقيًا على قوى الهيمنة والاستكبار العالمي.
في الجانب السياسي والمؤسساتي والمجتمعي يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، أن الشهيد الرئيس صالح الصمّاد نجح -خلال فترة قصيرة من قيادته- في ترسيخ حضور عميق في الوعي الشعبي والسياسي، انطلاقًا من خطاب صادق، وموقف ثابت، وتواصل مباشر مع المجتمع.
وفي حديثه لموقع أنصار الله، يقول الفرح: "الصمّاد لا يتعامل مع الرئاسة كامتياز أو سلطة، بل كأمانة ومسؤولية جهادية وأخلاقية"، لافتًا إلى أن خطاب الشهيد الصمّاد اتسم بالوضوح والبساطة، وخاطب الناس بوصفهم شركاء في المعركة، لا جمهورًا للاستهلاك السياسي، ما عزّز الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب.
وأشار إلى أن هذا الخطاب المتكئ على الهوية الإيمانية والقرآن الكريم نجح في تحويل المواجهة مع العدوان إلى قضية وعي وكرامة، لا إلى صراع سياسي عابر، مبيّنًا بعضًا من إرث الصمّاد، كقدرته على تعزيز التماسك الداخلي بين المكوّنات السياسية، وإدارة الخلافات ضمن إطار وطني جامع.
ولفت إلى أن سمات وصفات الرئيس الشهيد الصمّاد مثّلت خطورة على مشاريع قوى العدوان، وهو ما دفعهم إلى استهدافه، مشددًا على أن ذكرى الشهيد الصمّاد تظل رسالة متجددة للداخل والخارج، تؤكد أن القادة الذين ينتمون لشعوبهم لا يغيبون بالاغتيال، وإنما يحضرون بقوة في الوعي والمسار.

في موازاة الحضور السياسي والمجتمعي، تتقدّم التجربة العسكرية للشهيد الصمّاد كأحد أعمدة مشروع الصمود الوطني، إذ لم يكتفِ الشهيد الصمّاد بإدارة الدولة من موقع سياسي فحسب، بل انخرط بعمق في بناء القدرات العسكرية، وتثبيت معادلات الردع، وتحويل واقع التفوق الجوي والتقني للعدو إلى دافع لتطوير إمكانات محلية نوعية. ويبرز في هذا السياق التقييم العسكري لتجربة الصمّاد بوصفها مرحلة انتقال من الدفاع القسري إلى الهجوم المدروس.
وحول هذه الجزئية يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية، اللواء خالد غراب، أن الشهيد الرئيس صالح الصمّاد مثّل دورًا محوريًا في بناء وتثبيت معادلة الردع خلال مرحلة شديدة الحساسية من العدوان، وقاد عملية انتقال نوعي في أداء القوات المسلحة اليمنية.
وفي حديثه لموقع أنصار الله، يوضح غراب أن الصمّاد -منذ موقعه كمستشار ثم رئيس للمجلس السياسي الأعلى- شارك في إعداد الاستراتيجيات العسكرية، وتوحيد الجهود السياسية والعسكرية والمجتمعية.
ويوضح أن الشهيد الصمّاد حضر قائدًا ميدانيًا قريبًا من المجاهدين، متابعًا لاحتياجاتهم، ومشاركًا في التخطيط والتوجيه، ما رفع الروح المعنوية وعزّز الثقة بالقيادة، مبيّنًا أن إدراكه لفجوة التسليح دفعه إلى تسريع مسار التصنيع الحربي المحلي، خصوصًا في مجالي القوة الصاروخية والطيران المسيّر.
وأشار إلى أن هذه الجهود أثمرت عن قفزات نوعية غيّرت ميزان المعركة، وفرضت معادلات ردع داخل العمق اليمني وخارجه، ونقلت القوات من موقع الدفاع إلى الهجوم، مشددًا على أن استشهاد الصمّاد لم يحقق هدف العدو، بل تحوّل إلى عامل تعبئة إضافي، وجعل دمه وقودًا لمواصلة التطوير العسكري وتثبيت معادلة الردع.

الميادين الجهادية التي خاضها الشهيد الصمّاد لم تقتصر على الميادين العسكرية والمجتمعية فحسب، بل شهدت معركةُ الوعي -كأحد أهم ميادين مواجهة العدو السعودي الإماراتي- العديد من الصولات والجولات للشهيد الرئيس الصمّاد.
وتُقرأ تجربة الشهيد الصمّاد الإعلامية بوصفها نموذجًا في الخطاب المقاوم، القادر على مخاطبة الداخل، وتفكيك رواية العدو، وبناء سردية وطنية جامعة، مُعرّيًا أبواق العدوان وماكينته الإعلامية.
وحول هذه الجزئية يرى الناشط السياسي العراقي قاسم العبودي أن الشهيد الصمّاد نجح في ترسيخ حضوره الإعلامي والشعبي من خلال خطاب صادق ومباشر، بعيد عن الشعارات الفارغة، وقريب من هموم الناس، مؤكدًا أن خطابات الشهيد الرئيس الصمّاد صنعت علاقة وثيقة بينه وبين الشعب اليمني، مقدّمًا نموذجًا راقيًا للقيادة.
وفي حديثه لموقع أنصار الله، يؤكد العبودي أن الصمّاد ربط المعركة بالسيادة والكرامة الوطنية، لا بالمناورات السياسية، ما حوّل الصراع إلى قضية هوية ووجود، موضحًا أن العدو استهدف الصمّاد لإدراكه أهمية دوره الريادي في مواجهة العدوان وإحباط مؤامراته، بصفته قائدًا مفوّهًا قادرًا على إنتاج وعي مقاوم يصعب احتواؤه أو عزله.
ويشدّد العبودي على أن الإعلام المقاوم يتحمّل اليوم مسؤولية نقل قيم ومبادئ مشروع الصمّاد إلى الأجيال القادمة، عبر تحليل تجربته، وشرح أسباب استهدافه، وتقديمه كنموذج قيادي جمع بين القول والفعل، مؤكدًا أن تخليد الصمّاد يكمن في السير على نهجه وتجسيد مشروعه عمليًا المتمثل في «يد تحمي ويد تبني».

في المجمل، تظل الذكرى السنوية للشهيد الرئيس صالح الصمّاد محطة مفصلية في مسار الصمود الوطني، بوصفها تجربة قيادة تشكّلت في قلب مواجهة العدوان، واستندت إلى الإيمان بالشعب والرهان على وعيه وقدرته على التحمل والبناء، ليجسّد مشروعًا وطنيًا متكاملًا جمع بين الحضور الميداني والقرار السياسي، وبين مخاطبة الداخل ومواجهة الخارج، مقدّمًا نموذجًا لقائد يصنع المعادلة ولا يكتفي بإدارتها.
ولا يُقرأ استشهاده بوصفه خسارة، بل تحوّلًا نوعيًا في مسار مقارعة الباطل، حيث تحوّلت تجربته إلى رصيد وطني متراكم، ودمه إلى دافع إضافي لتعزيز التماسك الشعبي، وترسيخ معادلات القوة، وبناء خطاب وطني أكثر ثباتًا ووضوحًا. فقد أثبتت المرحلة اللاحقة أن المشروع الذي مثّله الصمّاد تجاوز حدود المحلي ليصل إلى العالمية، متجاوزًا العراقيل التي وضعها الأعداء بمختلف أنواعها.
وفي ظل تصاعد التحديات يظل حضور الشهيد الصمّاد في الوعي الوطني شاهدًا على أن القادة المنتمين لشعوبهم لا تُنهيهم الاغتيالات، بل يتحوّلون إلى علامات فارقة في التاريخ، وإلى عناصر قوة فاعلة في معركة طويلة النفس، عنوانها الصمود، وغايتها السيادة، وأساسها الإنسان الحر.