تمثل قصة نبي الله موسى عليه السلام، كما وردت في سورة القصص وعلى ضوء المحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، نموذجاً قرآنياً خالداً يعكس طبيعة الصراع الأبدي بين قوى الإيمان من جهة، وقوى الطغيان والاستكبار من جهة أخرى، فهي كتاب مفتوح يحمل في طياته دروساً عظيمة وعبراً جليلة لكل زمان ومكان، ولاسيما للأمة الإسلامية في مرحلة تاريخية فارقة تواجه فيها أشرس حملات الطغيان في العصر الحديث، ممثلة بالكيان الصهيوني الإسرائيلي وداعمته الأولى الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التأمل في تفاصيل هذه القصة، بدءاً من لحظة ولادة نبي الله موسى عليه السلام في أحلك ظروف الاضطهاد الفرعوني، مروراً بلحظة إلقائه في اليم، ووصولاً إلى عودته إلى أمه، يكشف عن سنن إلهية ثابتة في تدبير شؤون عباده المؤمنين، ونصرتهم بطرق لا تخطر على بال، وإبطال كيد الطغاة والمستكبرين رغم ما يمتلكونه من جبروت وقوة، هذا الفهم العميق للسنن الإلهية هو وحده القادر على انتشال الأمة من حالة التيه والغفلة التي تعيشها، ودفعها نحو التحرك الواعي والمسؤول لمواجهة التحديات المصيرية التي تفرضها قوى الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها العدو الصهيوني الذي تجاوز في علوّه وطغيانه كل حدود الإجرام البشري المعهود.

 الرعاية الإلهية للمؤمنين بين تدبير الطغاة وتثبيت القلوب

تتجلى روعة التدبير الإلهي في المشهد الأول من القصة، حيث تواجه أم موسى أقسى اختبار يمكن أن تواجهه أم؛ الاضطهاد والقتل المنهجي للأطفال الذكور من قبل فرعون وجنوده، إنها تمثل نموذجاً للمؤمنة التي تستجيب لوحي الله وإلهامه، فتضع وليدها في تابوت وتلقيه في اليم، في لحظة فارقة تجمع بين قمة الخوف وقمة الثقة بالله، هذه المرأة المؤمنة لم تكن تملك من قوة الدنيا شيئاً، لكنها كانت تملك أعظم قوة على الإطلاق الإيمان بأن الله لن يضيع من آمن به وتوكل عليه، ومع ذلك، لم يخل قلبها من الألم والحزن والقلق الشديد، حتى قال الله عنها: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (القصص: 10). وهنا تتجلى عناية الله الخاصة بهذه الأم الصابرة، حيث يربط على قلبها ويثبتها، لئلا تنهار أو تفشي السر، مما يؤكد أن الرعاية الإلهية تبدأ من الداخل، من تماسك النفس وطمأنينة القلب.

والجزء الأكثر إعجازاً في القصة يأتي عندما يصل نبي الله موسى عليه السلام إلى قصر فرعون، ويرفض كل المرضعات، في إطار تدبير إلهي دقيق، هنا تأتي أخت موسى، التي كانت تتبع أثره، لتقترح على الجنود والحراس، دون أن يعلموا حقيقتها، أن تدلهم على أهل بيت يكفلونه لهم وهم له ناصحون، وهكذا، وبتدبير من الله، تعود أم موسى لتلتقي بوليدها، ليس في مكان بعيد أو في خفاء، بل في قلب قصر أعتى طاغية في الأرض، في لحظة وصفها القرآن الكريم بالقول: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص: 13).

هذه الآية الكريمة تجمع أبعاداً متعددة للرعاية الإلهية، ففي   البعد النفسي والمتمثل في إزالة الحزن وتحقيق الفرح والسرور (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا)، و البعد الاجتماعي في توفير بيئة آمنة للأم لتربي ابنها، بل وتكون مسؤولة عنه في قصر فرعون، مع توفير جميع متطلبات الحياة له، أما     البعد الإيماني فيتمثل في تثبيت اليقين في قلبها (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، لتكون هذه الحادثة العظيمة نوراً وبرهاناً تعيش به وتتعامل مع المستقبل.

 إن هذا المشهد يقدم درساً عظيماً في أن الله غالب على أمره، وأنه قادر على أن يجعل من عين الطاغية حارساً لأوليائه، وأن يحول أقسى ظروف الاضطهاد إلى أوسع ميادين الرعاية والأمان، إنه يؤكد أن قوة المؤمن لا تكمن في مناعته الجسدية أو قدراته المادية وحدها، بل في ارتباطه بالله وتيقنه من وعده.

ربط القصة بواقع الأمة في مواجهة الطغيان الصهيوني الأمريكي

انتقل السيد القائد في الحديث من قصة نبي الله موسى عليه السلام إلى واقع الأمة اليوم، لأن الصراع واحد والسنن الإلهية لا تتبدل ولا تتغير، يقول الله تعالى في شأن بني إسرائيل الذين عاثوا في الأرض فساداً: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء: 4). ما نشهده اليوم من كيان صهيوني يقتل الأطفال والنساء بدم بارد، ويستبيح المقدسات، ويهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ويفتخر بذلك، هو تجسيد لهذا العلو الكبير الذي فاق في وحشيته حتى عتو فرعون، ففرعون وإن طغى وتجبر، إلا أن القرآن الكريم لم يصفه بهذا الوصف المطلق، وهذا العدو الصهيوني لا يعترف لأبناء الأمة بأي حقوق، بل لا يعترف لهم حتى بإنسانيتهم، معتبراً إياهم مجرد حيوانات في شكل آدمي، كما تروّج له أدبياتهم التلمودية وتصرحات قادتهم.

في مواجهة هذا الطغيان المستطير، تتجلى الحاجة الماسة إلى استحضار السنن الإلهية التي تجلت في قصة نبي الله موسى عليه السلام، فقد كان فرعون وجنوده يذبحون أطفال بني إسرائيل خوفاً من ظهور نبي يزيل ملكهم، ومع ذلك كان موسى عليه السلام، المطلوب رأسه، هو وحده الذي نجا من الذبح، وتربى في بيئة آمنة في قلب قصر فرعون نفسه، وهذا يجسد قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}. فهو درس للأمة اليوم بأن كل هذه الجيوش الجرارة، والأساطيل الأمريكية، والتقنيات العسكرية المتطورة، والتحالفات الدولية الواسعة التي تدعم الكيان الصهيوني، لا يمكنها أن تحول دون تحقيق وعد الله للمستضعفين في الأرض بالتمكين والنصر، شريطة أن يكونوا واعين بسنن الله متحركين على أساس هديه.

 الجهل بالله وأسماءه الحسنى: جذر التطبيع والانهزامية

إذا كانت أم موسى قد تعلمت من هذه الحادثة العظيمة أن وعد الله حق، فإن واقع الأمة الإسلامية اليوم يشهد أزمة عميقة في هذا اليقين، إن مشكلة التطبيع مع العدو الصهيوني، وتهافت بعض الأنظمة العربية والإسلامية على إقامة العلاقات معه، والانبطاح أمام الإملاءات الأمريكية، كلها تنبع من جذر واحد هو الجهل بالله، فهم يجهلون أن الله هو العزيز الجبار القوي المتين، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ويجهلون أنه هو الملك الحق الذي له ملك السموات والأرض، وأن ملك الطغاة مهما طال فهو زائل، يجهلون أنه الحكيم الذي لا يخلق الخلق عبثاً، ولا يترك المستضعفين في الأرض نهباً للطغاة إلى ما لا نهاية، يجهلون أنه الغالب على أمره، الذي يمضي تدبيره رغماً عن كل المخططات البشرية.

هذا الجهل ينتج عنه حالة من اليأس والإحباط، تجعل البعض ينظر إلى الكيان الصهيوني كأمر واقع لا يمكن تغييره، فيسارعون إلى التطبيع والإذعان، بل ويصفون المقاومين والثائرين بأنهم "حمقى" و"مغامرون" لا يفقهون شيئاً في السياسة، لكن القرآن يرد عليهم بأن "أكثرهم لا يعلمون"، فهم الجهلاء الحقيقيون، لأنهم يراهنون على سراب، ويبنون سياساتهم على أوهام، ويتنكرون للحقائق الإلهية الثابتة، وهم يعيشون حالة التيه والغفلة والضياع التي يعيشها مليارا مسلم يمتلكون كل مقومات القوة، لكنهم عاجزون عن استثمارها بسبب انقطاعهم عن الله وبعدهم عن هديه.

وعد الآخرة: حتمية السقوط وشرط التمكين

إن وعد الله في سورة الإسراء (وإن عدتم عدنا) هو وعد ماضٍ في كل زمان ومكان، سنة الله أن الطغيان مهما بلغ، لا بد له من نهاية، لكن تحقيق هذه النهاية، ونزول النصر الإلهي، مرتبط بشروط: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} (الحج: 40)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7)، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} (النور: 55). هذه الوعود مشروطة بالإيمان، والتحرك وفق التعاليم الإلهية.

إن إسقاط الطغيان الصهيوني هو وعد إلهي لا محالة واقع، ولكن على الأمة أن تعي أن تحقيق هذا الوعد يتطلب منها تصحيح مسارها، والعودة إلى الله، والتحرك في إطار السنن الإلهية، إنها بحاجة إلى أن تستلهم من قصة نبي الله موسى عليه السلام دروس الصبر، والثقة بالله، والتحرك الواعي الذي يجمع بين الأخذ بالأسباب من جهة، والتعلق بالسبب الأعظم وهو الله من جهة أخرى، هي بحاجة إلى أن تصنع من أبنائها رجالاً مثل أولي البأس الشديد الذين وعد الله بإرسالهم ليعذبوا بني إسرائيل على إفسادهم، هؤلاء الرجال هم صناع النصر الحقيقيون، وهم الذين لا يرهبون جبروت أمريكا ولا بطش "إسرائيل"، لأنهم يعلمون أن القوة لله جميعاً.

 استلهام روح اليقين لصناعة مستقبل الأمة

تظل قصة نبي الله موسى عليه السلام نبراساً يضيء الطريق للأمة الإسلامية في أشد لحظات التاريخ ظلمة، إنها تعلمنا أن الرعاية الإلهية تحيط بالمؤمنين من كل جانب، حتى في أحلك الظروف وأصعبها، تعلمنا أن اليأس خلق الجاهلين بالله، وأن الثقة بوعد الله هي وقود الانتصار، تعلمنا أن الطغاة مهما بلغوا من القوة، فهم أضعف من أن يحولوا دون تحقيق إرادة الله في نصر المستضعفين، كما تعلمنا أن التطبيع والخضوع للعدو هو خيانة عظمى، وجهل مطبق بحقائق الصراع.

إن استلهام روح اليقين التي تجلت في قلب أم موسى، وتفعيلها في واقع الأمة اليوم، هو السبيل الوحيد لتحويل حالة الضعف إلى قوة، والهزيمة إلى نصر، والخوف إلى أمن، فالمعركة اليوم هي معركة وعي وإيمان قبل أن تكون معركة سلاح وعدة، ومن يمتلك هذا الوعي وهذا الإيمان، فهو على ثغر عظيم من ثغور الإسلام، ولن يضره من خذله أو تخلّف عنه، حتى يأتي أمر الله وهو خير الناصرين، فالفتح القريب هو يقين يراه المؤمنون رأي العين، لأن وعد الله حق، ولن يخلف الله وعده.