موقع أنصار الله . تقرير| يحيى الشامي
بينما تنشغل غرف العمليات العسكرية بخرائط الأهداف، تبرز خريطة أخرى لا تقل خطورة؛ ترتسم فيها تدفقات الطاقة والسيولة العالمية التي بدأت تترنح تحت وطأة المغامرات الأمريكية غير المحسوبة، وبالتالي "الرهانات الإيرانية الذكية. لا تقرأ طهران أرقام البورصات كخسائر جانبية، بقدر ماهي أوراق تفاوضية صلبة، حيث أثبتت المعطيات الحالية أن كلفة مهاجمة إيران تتجاوز قدرة النظام المالي العالمي على الاحتمال.
يتصدّر المضيق العالمي ذو الأهمية الاستراتيجية "هرمز" قلب العاصفة، حيث لم تعد الحرب الظالمة العدوانية على إيران الإسلامية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى "حرب أرقام" طالت شظاياها عواصم القرار الاقتصادي من واشنطن إلى طوكيو. وفي وقت يراقب فيه العالم -بدقةٍ- شاشات البورصة، تبرز الأرقام الواردة من أسواق الطاقة والملاحة لتؤكد أن إيران تمتلك مفاتيح قادرة على قفل أبواب الاقتصاد العالمي، محولةً التهديدات إلى أوراق ضغط جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.
تثبت البيانات أن أي اضطراب في مضيق هرمز هو -فعلياً- زلزال يضرب أمن الطاقة العالمي. فمع مرور أكثر من 20 مليون برميل يومياً عبر هذا المضيق، فإن القدرة الإيرانية على تعطيل أو حتى تهديد هذا المسار تترجم فوراً إلى صدمات سعرية، وقد بدأت مفاعيل هذه القدرة تتجلى قبل حتى إعلان واضح يصدر من طهران، وذلك بفعل مخاوف شركات الشحن الملاحية العالمية الكبرى.
وشهدت فعلياً العديد من السلع في الأسواق العالمية انفجاراً كبيراً، فالقفزة التي سجلها خام برنت بنسبة 2.05% ليصل إلى 83.07 دولاراً، وصعود خام غرب تكساس بنسبة 2.60%، ليست سوى "جس نبض" لما قد يحدث؛ إذ يدرك القادة الغربيون أن أي إغلاق فعلي للمضيق قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، ما يجعل تكلفة الحرب أكبر بكثير على الغرب من مكاسبها العسكرية.
تعتمد الرؤية الإيرانية على حقيقة أن العالم لا يزال "رهينة" للمضائق، بمرور أكثر من 20 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز. لذا فإن أي تهديد لهذا الشريان يعني تحويل خام برنت -الذي لامس 83.07 دولاراً- إلى مجرد مقدمة لانفجار سعري وشيك.
ويرى محللون أن استقرار النفط فوق حاجز الـ 80 دولاراً في ظل "التهديد" فقط، يعني أن الإغلاق الفعلي أو حتى "المناوشات المحدودة" قد تدفع البرميل نحو منطقة الـ 120-150 دولاراً، هذه القفزة كفيلة بإحداث "تسونامي" تضخمي يُسقط حكومات أوروبية تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية
قفزة عقود الديزل الأمريكية بنسبة 14% هي واحدة من أقوى الرسائل التي أوصلتها طهران إلى كل الداخل الأمريكي، حيث تعتمد الشاحنات، السفن، والمصانع الأمريكية على الديزل بشكل أساسي، إذ تدرك طهران أن ارتفاع هوامش تكرير الديزل إلى 48 دولاراً للبرميل يضغط على سلاسل الإمداد العالمية، وهو الضغط الذي يقلص من خيارات واشنطن العسكرية؛ فكل صاروخ يطلق في المنطقة يترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار السلع في "سوبر ماركت" بضواحي أوهايو، ما يجعل الحرب "انتحاراً سياسياً" في مواسم الانتخابات، ناهيك عن كلفة الحرب التي يتكبدها جيش العدوان الأمريكي على إيران، وتدفع من أموال "دافعي الضرائب" كما يسمون في الأوساط الأمريكية.
على الجبهة المقابلة، تظهر الأرقام نجاح استراتيجية "الإنهاك الاقتصادي" التي باتت واحدة من أدوات المواجهة وأخطر أسلحة إيران، في وجه العدوان الغاشم عليها، خاصة في كيان العدو الإسرائيلي، وهي تداعيات تجري في سياق تعزيز أوراق القوة الإيرانية، حيث تبرز فاتورة الاستنزاف التي يدفعها الصهيوني بشكل مباشر. فعندما تقدر ما تسمى بـ وزارة المالية الإسرائيلية خسائرها بنحو 9.4 مليار شيكل (2.93 مليار دولار) أسبوعياً، فإننا فعلاً أمام وقائع انهيار متسارع في بنية الاقتصاد الصهيوني، ناهيك عن المطالبات التعويضية التي سجلت حتى اليوم: 25 ألف مطالبة تعويض عن أضرار المباني في أسبوع واحد. ما يعكس حجم الضغط الداخلي الهائل، وبما يثبت أن القدرة الإيرانية على نقل المعركة إلى العمق الاقتصادي للخصم هي ورقة رادعة بامتياز وفاعلة باستمرار، كما أن خسارة 9.4 مليار شيكل (2.93 مليار دولار) أسبوعياً هي رقم مرعب لاقتصاد يعتمد على الاستثمارات التكنولوجية والسياحة، بالنسبة للكيان الصهيوني المثقل أصلاً بتبعات الحرب وتراكمات خسائرها منذ أكثر من عامين.
من زاوية التحليل المهني فإن تسجيل 25 ألف مطالبة تعويض -جرى توثيقها وفقاً للمصادر الرسمية الصهيونية- عن أضرار مادية في أسبوع واحد يشير إلى شلل قطاع التأمين والعقارات. وبنظرة استشرافية مبنية على الأرقام الواقعية نشير إلى هروب رؤوس الأموال ما تعرف بـ"الكابيتال فلايت" من مغتصبات الكيان؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن الربح، بل عن الأمان الذي بددته الصواريخ الإيرانية وصواريخ حلفائها، ما قد يؤدي إلى انكماش في الناتج المحلي الصهيوني قد يتجاوز %5 بنهاية العام.
على الصعيد العالمي -وبنظرة خاطفة إلى سوق الذهب- فنحن تقريباً أمام ما يمكن اعتباره سقوط الثقة في النظام المالي في الأسواق العالمية، والتي يتهدّد قطاع المعادن وعلى رأسها الذهب بارتفاعات مهولة، حيث وصل الذهب إلى 5,500 دولار للأونصة بزيادة 20%، وهو ليس مجرد تحوط، بقدر ما هو تصويت عالمي ضد الاستقرار الذي يقوده الدولار.
اقتصادياً تعزز إيران -من خلال هذا المشهد- فكرة تعدّد الأقطاب الاقتصادية، عندما تضطرب أسواق آسيا (تراجع نيكي بنسبة 1.3%)، حيث تبحث القوى الشرقية (الصين والهند) عن بدائل لضمان تدفقات الطاقة، وهو ما يعزز التحالفات الاقتصادية الموازية التي تقودها إيران بعيداً عن الهيمنة الغربية.
التوقعات بارتفاع تكاليف الشحن بنسبة 400% وإلغاء 5400 رحلة جوية إقليمية تضع المنطقة أمام خيارين: إما الرضوخ للمطالب الإيرانية بتأمين الملاحة، أو القبول بـ "إغلاق اقتصادي شامل".
وهنا -ومن زاوية الاستشراف المهني اقتصادياً- فإنّ هذا الارتفاع الجنوني في كلف التأمين سيجعل السلع القادمة من الشرق الأقصى إلى أوروبا أغلى ثمناً، ما يحول الحرب إلى "ضريبة إضافية" يدفعها المستهلك الأوروبي، وهو ما بدأ يتجلى بقوة في الأسواق الأوروبية، وبالتالي يُسرّع من وتيرةِ الضغط الشعبي لإيقاف العمليات العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
من هذا المنظور يتأكد أن إيران بالفعل تمثّل مركز ثقل اقتصادي قادراً على فرض "ضريبة عالمية" على أي عدوان عليها، بدءاً من ارتفاع تكاليف الشحن المتوقعة بنسبة %400، ووصول التضخم لمستويات تهدد الاستقرار الاجتماعي في أوروبا. كل هذا يرجّح من ثقل أوراق القوة الإيرانية، التي حولت الجغرافيا إلى سلاح أمضى من الصواريخ.
البيانات الاقتصادية المستقاة من مؤسسات وجهات دولية معنية ومتخصصة من مراكز الرصد، تؤكد أن إيران نجحت حتى الآن في صياغة "ردع اقتصادي" يوازي ويعزز من ردعها العسكري، فالأرقام الكبيرة والمرشحة للتعاظم في الأيام المقبلة هي أكثر بكثير من مجرّد إحصائيات، وقد تصبح في القريب العاجل حقولَ ألغام زرعتها طهران في طريق الطموحات الغربية، في سبيل الدفاع عن نفسها أمام الغطرسة الصهيونية والانبطاح العربي والتماهي والنفاق الأوروبي، وكل اقتصادات العالم لابد – و قد بدأت – أن تكتوي من ناره، ويمسها شرر الحرب العسكرية المجرمة ضد إيران المسلمة، ولن يكون أحد بمنأى عنها وعن نيرانها البالغة جميع الأسواق وكل اقتصادات العولمة. وفي حال استمرت المواجهة، فالعالم -على الأقل في الأيام القادمة- سيكون أمام سيناريو الركود التضخمي العالمي، حيث لن يجد الغرب مفراً من التفاوض، ليس حباً في السلام، بل إنقاذاً لما تبقى من نظامهم المالي المتهالك تحت وطأة الأرقام الإيرانية القاسية، خاصة مع تهديد الروس بأنهم -في أي لحظة- قد يقطعون إمدادهم الغاز إلى الأسواق الأوروبية.