موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
يستيقظ كيانُ العدو اليوم على صدمة دبلوماسية وأمنية هائلة التأثير وموغلة الأسباب؛ فلا الحرب حققت "النصر المطلق"، ولا التحالفات "المقدسة" صمدت أمام مصالح الدول الكبرى. الموقف الصهيوني برمته يتلخص في حالة "تيه استراتيجي"؛ قيادة سياسية معزولة، مؤسسة أمنية محبطة، ومجتمع غاصبين يستشعر الخطر الوجودي من جديد، بينما تنتقل إيران والمحور إلى "مربع التأثير والنفوذ الإقليمي الواسع".
تحت تأثير الصدمة استفاق كيان العدو الصهيوني -بكل مستوياته السياسية والعسكرية- على ما يمكن وصفه بـ"السبت الأسود" في تاريخ الدبلوماسية والاستراتيجية للكيان. مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بالنسبة للصهاينة كانت بمثابة "إعلان إخضاع" غير مباشر للمشروع الصهيوني الذي حاول -طوال عقود- عزل إيران وتفكيك نفوذها. اليوم، يقف الكيان وحيداً، محبطاً، ومصدوماً، يُراقب بمرارة كيف تحولت "القوة العظمى الإقليمية" إلى "حنق طفل يبكي في الزاوية" – كما وصفتها أوساطه الإعلامية – بينما تخرج إيران من هذه المواجهة أكثر قوة، ومنعة، وهيمنة. فالاتفاق -الذي لم يكن الكيان طرفاً فيه- وُصف بأقسى العبارات من قبل قادته، حيث أجمعت النخب السياسية والعسكرية والأمنية على اعتباره "كارثة هائلة" و"فشلاً استراتيجياً مدوياً"، أعاد الكيان الغاصب إلى "نقطة الصفر" بحسب تعبيرهم، وقوّض دوره كلاعب وحيد في المنطقة.
الإجماع داخل كيان العدو يتجاوز حدود المعارضة و"الحكومة"؛ فالجميع يتحدث لغة واحدة: "الكارثة". ران كوخاف، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي الصهيونية، لخص المشهد بقوله: "هذه كارثة، لقد عدنا إلى نقطة الصفر. الشعور السائد هو عدم النجاح، والإحباط الذي يبدأ من القيادة الإسرائيلية وصولاً إلى آخر جندي؛ فنحن شركاء في اتفاق لسنا طرفاً فيه، وهذه بشرى سيئة للغاية".
ويعني مفهوم العودة إلى "نقطة الصفر" عملياً انهيار استراتيجية "الردع" التي حاول نتنياهو بناءها منذ طوفان الأقصى، فالكيان الذي كان يرى نفسه اللاعب الوحيد الذي يرسم خارطة المنطقة ويعبث بأمنها بالدم والنار، وجد نفسه فجأة "مهمشاً" بقرار من حليفه الأكبر، وهي لحظة فارقة وغير مسبوقة في تاريخ علاقتهما. الأوساط الصهيونية ترى أن الاتفاق أدى إلى انهيار دور الكيان كلاعب فاعل، وفرض عليه واقعاً جديداً يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو وقف شامل لإطلاق النار، خاصة في لبنان، دون أخذ المصالح الصهيونية في الاعتبار.
التحليل العسكري الصهيوني يذهب إلى أبعد من مجرد اتفاق تقني؛ إنه يتحدث عن "انقلاب تاريخي". المحلل العسكري البارز "ألون بن ديفيد" يرى أن هذا اليوم سيُذكر كاليوم الذي "انقلب فيه الشرق الأوسط"، حيث ستُستقبل إيران كقوة مهيمنة وحيدة. ويضيف: "سنضطر نحن والأجيال القادمة للتعامل مع إيران مختلفة تماماً، حيث تصبح مهيمنة على الخليج والشرق الأوسط بأكمله، بينما لا نعرف حتى الآن ما هي القيود التي ستُفرض علينا".
وتعكس هذه الخيبة الصهيونية قلقلاً بالغاً من الهيمنة الإيرانية، وهي خيبة تشكلت نتيجة "فشل استراتيجي مدوٍ" للقيادة الصهيونية. كوبي ماروم، القائد السابق في جيش العدو، يؤكد أن الكيان ينزوي اليوم في "واقع خطير لا مثيل له"، حيث لم يحقق الاتفاق أي نقاش في القضايا الجوهرية (النووي، محور المقاومة، الصواريخ)، بل خرجت إيران بثقة عالية بالنصر، تاركةً نتنياهو عاجزاً عن المواجهة.
الصدمة الكبرى التي اجتاحت كيان العدو بالكامل كانت في "الصديق المنقذ" دونالد ترامب. فبينما كان نتنياهو يروج لترامب كمنفذ لأجندة اليمين الصهيوني، أثبت الواقع أن ترامب "رجل صفقات" يقدس القوة ويبحث عن مصالحه أولاً. إيلي كوك، رئيس قسم دراسات الولايات المتحدة، يحلل هذا الانكسار قائلاً: "ترامب شخص يحب القوة، وقد خاب أمله بشدة في القدرات العسكرية الإسرائيلية التي وعدته بتغيير الواقع ولم تنجح في تسليم البضاعة". كما أن هذه الخيبة تُذكِّر بالصدمة الصهيونية التي نتجت عن قيام ترمب سابقاً بإيقاف العدوان على اليمن فجأة دون تنسيق معهم، بل ولم يتضمن الاتفاق أي إشارة للكيان في ما يشبه التخلي عنه في لحظة مواجهة.
هذا الفشل في "تسليم البضاعة" كما تصفه أوساط العدو جعل ترامب يتجاوزهم، ويبرم اتفاقاً وصفته المعارضة الصهيونية بأنه "أسوأ من اتفاق أوباما". يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين المعارض، شن هجوماً لاذعاً، معتبراً أن "الاتفاق أُبرم فوق رأس الكيان ويمحو إنجازات "الجيش"، ليُبقي البنية التحتية النووية والتهديد الباليستي قائماً، وليصبح نتنياهو أباً لأكبر فشل استراتيجي في التاريخ".
ميدانياً، تتجلى كارثة الصهاينة أكثر في الجبهة الشمالية، فبينما يحاول وزراء مثل "إسرائيل كاتس" و"بن غفير" رفع سقف التهديدات بالبقاء في جنوب لبنان وتدمير البنى التحتية، تؤكد التقارير الأمنية أن الجيش الصهيوني بات "مقيداً" بسبب الضغط الأمريكي المرتبط بالاتفاق مع إيران. أور هوروفيتش، المسؤول السابق عن ملف حزب الله، يحذر من أن هذا القيد يسمح لمقاتلي الحزب بالعودة وزيادة الخطر، معتبراً أن ما يحدث هو "نجاح جنوني لإيران" التي فرضت شروطها لوقف إطلاق النار. وفي ذات السياق، يرى "كوبي ماروم" أن واشنطن "تكبح جماح إسرائيل" لضمان سلامة اتفاقها مع طهران، بينما لا تضع أي قيود على حزب الله، ما يجعل المغتصبين في الشمال يواجهون مستقبلاً مجهولاً مليئاً بالقلق والخوف.
داخلياً، يواجه المجرم نتنياهو عاصفة غير مسبوقة. أوساط العدو تلخص المشهد بأن "نتنياهو يظهر فقط عند الإنجازات ويختفي في الفشل". المعارضة، بقيادة غانتس وغولان، ترى أن استمرار نتنياهو لم يعد مجرد ضرورة سياسية بقدر ما هي "ضرورة أمنية وجودية" لتغييره، بعدما أصبح "معزولاً وضعيفاً وبلا تأثير".
ومع تمديد حالة الطوارئ في الجبهة الداخلية، يظهر التناقض الصارخ في الخطاب الصهيوني؛ فبينما يهدد بن غفير بأن الكيان "ليس جمهورية موز"، ويؤكد عدم التزامهم بالاتفاق، تكشف التقارير أن نتنياهو يتوسل لترامب في الاتصالات الهاتفية لمنحه "حرية العمل" في جنوب لبنان، وهو طلب لم يجد صدىً رسمياً حتى الآن.
يجد الكيان المؤقت نفسه باحثاً عن مخرج من فخٍ نصبه له حلفاؤه قبل أعدائه، في مشهدٍ يختصر حكاية قوة فقدت القدرة على التأثير في مصيرها، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من "دفع أثمان" يبدو أنها ستكون باهظة جداً، وهو ما أجمعت عليه النخب الصهيونية – من يمينها إلى يسارها المنهار – من أن كيانهم خسر الحرب "الاستراتيجية" وإن ادعى تحقيق مكاسب "تكتيكية"، وأن إيران خرجت بمظلة دولية وباعتراف أمريكي صريح بدورها، بينما يبقى الكيان يواجه عزلة دولية متزايدة، وتآكلاً في قوة الردع، وتمزقاً داخلياً يبحث عن "كبش فداء" لفشل لم يشهده منذ عقود، كما أن "الشرق الأوسط" الذي حلم الصهاينة برسمه بعد الـ 7 من أكتوبر، وُلد اليوم مشوهاً بالنسبة لها، ومتجملا بملامح المحور الجهادي، تاركاً المجتمع الصهيوني في حالة من "الزلزال النفسي" والترقب المرير لأجيال ستدفع ثمن "خداع الذات" الذي مارسته "حكومة" المجرم نتنياهو، وكما قالت ميراف بن آري: "كل إسرائيلي يستيقظ اليوم يشعر بالقلق.. لقد عدنا لنتيجة مقلقة جداً والتهديد لا يزال قائماً".
كما أن الصدمة ليست في الاتفاق بحد ذاته، بل في "التوقيت" الذي يأتي بعد نشوة القوة الزائفة، وفي "المصدر" وهو ترامب الذي كان يُعَدُّ الحليف المطلق، وهو ما يعكس "المركزية الإيرانية" في الوعي الصهيوني كبعبع تحولَ إلى واقع مهيمن بمباركة دولية.