موقع أنصار الله _ محمد ناصر حتروش
تمضي الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي في تنفيذ رؤيتها الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة، باعتبارها أحد أبرز الملفات الأمنية والسياسية، بالتوازي مع تأكيدها أن هذه الخطوات ترتبط بمسار إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق، وفي مقدمته القوات الأمريكية. وفي المقابل، تبدي بعض فصائل المقاومة استعداداً للتعاطي مع توجهات الحكومة، لكنها تربط أي خطوات عملية بوجود مؤشرات واضحة على انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من الأراضي العراقية، باعتبار ذلك مدخلاً لمعالجة هذا الملف.
وفي ظل هذا الجدل، تتصاعد تساؤلات في الأوساط السياسية والشعبية بشأن جدوى سحب سلاح فصائل المقاومة في المرحلة الراهنة، والجهة التي ستوفر الضمانات الكافية للحفاظ على أمن العراق وسيادته واستقراره في حال غياب هذا السلاح.
ويرى عدد من السياسيين والناشطين العراقيين أن سلاح فصائل المقاومة يمثل أحد أهم ركائز حماية السيادة الوطنية، ويشكل عامل دعم للدولة وورقة قوة في مواجهة التحديات والضغوط الخارجية، معتبرين أن أي مقاربة لهذا الملف ينبغي أن تراعي المتغيرات الأمنية والسياسية، وأن ترتبط باستكمال إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وتعزيز استقلال القرار العراقي.
وفي السياق، يرى الناشط السياسي قاسم العبودي أن التباين القائم بين رؤية الحكومة ورؤية فصائل المقاومة بشأن حصر السلاح يرتبط باختلاف الأولويات في تقدير طبيعة التهديدات التي تواجه العراق. ويضيف -في حديثه لموقع أنصار الله-: "الحكومة تنطلق من ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة وحصر القرار العسكري بيدها، بينما ترى فصائل المقاومة أن الحديث عن تسليم السلاح قبل إنهاء الوجود العسكري الأمريكي لا ينسجم مع متطلبات السيادة الوطنية.
ويؤكد العبودي أن المقاومة تنظر إلى سلاحها باعتباره جزءاً من معادلة الردع التي أسهمت في حماية العراق من التهديدات الخارجية، وأن استمرار الوجود الأمريكي، إلى جانب نفوذ واشنطن السياسي والاقتصادي، يجعل من هذا السلاح ضمانة لمنع فرض إملاءات تمس القرار الوطني أو تدفع العراق نحو خيارات لا تنسجم مع إرادته، ومنها مشاريع التطبيع مع الكيان الصهيوني.
ويبين أن هذا السلاح -وفق هذه الرؤية- يشكل ورقة قوة يمكن أن تعزز موقف الحكومة في مسار استكمال الاستقلال الوطني وإنهاء أشكال التأثير الخارجي، موضحاً أن الانتقال إلى مرحلة توحيد القرار العسكري تحت راية الدولة يظل هدفاً وطنياً مشروعاً، لكنه ينبغي أن يأتي ضمن بيئة سيادية مكتملة، وبعد زوال المبررات الأمنية المرتبطة بالوجود العسكري الأجنبي، بما يضمن أن يكون هذا الانتقال نابعاً من إرادة عراقية خالصة، لا استجابة لضغوط خارجية.

ويتفق الناشط السياسي الدكتور جعفر المولى مع ما طرحه العبودي، إذ يؤكد أن الجدل الدائر بشأن حصر السلاح لا يمكن فصله عن طبيعة التحديات الأمنية والسيادية التي يواجهها العراق، مؤكداً أن الدعوات إلى نزع سلاح المقاومة لا تمثل الهدف النهائي، إنما تأتي ضمن مسار أوسع يستهدف تجريد القوى الرافضة للنفوذ الأمريكي من عناصر قوتها وقدرتها على الدفاع عن البلاد.
وفي حديثه لموقع أنصار الله يؤكد المولى أن التباين بين الحكومة وفصائل المقاومة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره صراعاً بين الدولة والسلاح، وإنما باعتباره اختلافاً في ترتيب الأولويات، فبينما تسعى الحكومة إلى تنظيم الملف الأمني وتعزيز سلطة الدولة، ترى المقاومة أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي يفرض الإبقاء على سلاحها باعتباره ضمانة سيادية وأداة ردع تحول دون فرض الإرادات الخارجية على القرار العراقي. ويضيف أن سلاح المقاومة -في هذه المرحلة- يمثل ورقة قوة يمكن للدولة توظيفها لتعزيز موقفها التفاوضي في مسار استكمال الاستقلال الوطني وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، بدلاً من اعتباره مبرراً لاستمرار ذلك الوجود، لافتاً إلى أن ما يمنح القوى الخارجية مساحة للتأثير ليس وجود السلاح بحد ذاته، وإنما تراجع الإرادة الوطنية والقبول بمنطق الضغوط الخارجية.
ويحذر المولى من أن العراق يواجه -إلى جانب التحديات الأمنية- حرباً تستهدف ثقافة المقاومة والهوية الوطنية، معتبراً أن امتلاك القوة يشكل أحد الضمانات الأساسية لحماية السيادة والسلم الأهلي، وأن التخلي عن مصادر القوة قبل زوال التهديدات الخارجية قد يضعف قدرة الدولة على حماية قرارها المستقل. ويخلص إلى أن توحيد القرار العسكري تحت مظلة الدولة يظل هدفاً وطنياً لا خلاف عليه، لكنه ينبغي أن يتحقق ضمن ظروف تضمن السيادة الكاملة، وبعد انتفاء أسباب الاحتفاظ بسلاح المقاومة، بحيث يكون الانتقال نابعاً من قرار عراقي مستقل، لا نتيجة لضغوط أو إملاءات خارجية.
.jpg)
وتبرز المقاومة العراقية كركيزة أساسية في منظومة الحفاظ على السيادة الوطنية وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في البلاد، فمنذ بدء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى اليوم، لعبت هذه القوى دوراً محورياً في مواجهة قوات الاحتلال، فضلاً عن دورها الاستراتيجي والحاسم في التصدي لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" وإفشال مخططاتهما التوسعية. هذا الرصيد الميداني جعل من حضورها ضرورة ملحة وضمانة سيادية لدى قطاعات واسعة من الشعب العراقي.
وحول هذه الجزئية، يؤكد الناشط السياسي كرار العامري أن فصائل المقاومة تمثل -بالنسبة لشريحة واسعة من العراقيين- خط الدفاع الأخير عن سيادة العراق وهويته الوطنية، فضلاً عن دورها في حماية القيم الاجتماعية والثقافية في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وفي حديثه لموقع أنصار الله، يعتبر العامري أن استمرار وجود هذه الفصائل يظل أمراً هاماً، كون هذا التواجد يرتبط بواقع أمني وسياسي معقد، في ظل بقاء النفوذ الأمريكي واتساع نشاط الأجهزة الاستخبارية الأجنبية داخل الساحة العراقية.
ويؤكد العامري أن تصاعد الدعوات إلى حصر سلاح المقاومة في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن المتغيرات الإقليمية، معتبراً أنها تأتي في سياق مشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وإحداث ما يُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد". ويرى أن هذه الدعوات تنسجم مع السياسات الأمريكية والصهيونية الرامية إلى تقليص دور قوى المقاومة وإضعاف قدرتها على مواجهة تلك المشاريع.
وفي ما يتعلق بالجدوى الأمنية والسياسية من حصر السلاح، يذهب العامري إلى أن الفوائد المرجوة من هذه الخطوة لن تنعكس على العراق بقدر ما ستخدم خصومه، إذ يعتقد أن إضعاف المقاومة من شأنه أن يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتوسيع النفوذ الأمريكي في المنطقة، واستخدام العراق كمنطلق للضغط على دول الجوار، وهو ما يعتبره تهديداً مباشراً للأمن القومي العراقي والإقليمي. ويشدد على أن الحفاظ على سلاح المقاومة في المرحلة الحالية يمثل جزءاً من منظومة الردع وحماية السيادة الوطنية، وأن أي معالجة لهذا الملف ينبغي أن تنطلق من إنهاء أسباب وجوده، وفي مقدمتها التدخلات الخارجية، بما يضمن تحقيق الاستقرار وتعزيز استقلال القرار العراقي.
بدوره، يرى الناشط السياسي عباس الزيدي أن فصائل المقاومة تمثل صمام الأمان للعراق، والضمانة الأساسية لحماية سيادته واستقلال قراره الوطني، معتبراً أنها تجسد إرادة الدفاع عن الأرض والشعب والمقدرات، وتشكل قوة ردع في مواجهة التهديدات الخارجية ومحاولات فرض الوصاية على البلاد. ويؤكد -في حديثه لموقع أنصار الله- أن المقاومة أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية التي تشكلت عبر تضحيات كبيرة، وأنها تمثل الامتداد العملي لتلك التضحيات في الدفاع عن العراق، وهو ما يجعلها تحظى بحاضنة شعبية لدى أنصارها، باعتبارها القوة التي حافظت على سيادة البلاد في المراحل المفصلية.
وفي ما يتعلق بتصاعد الدعوات إلى حصر سلاح المقاومة، يرى الزيدي أن هذه الدعوات تأتي في سياق ضغوط تستهدف إضعاف قدرات المقاومة وتقليص دورها، معتبراً أنها تمنح خصوم العراق فرصة للتخلص من أبرز عوامل الردع التي تحول دون تنفيذ مشاريعهم في المنطقة. ويشير إلى أنه لا يرى مكاسب أمنية أو سياسية حقيقية يمكن أن يجنيها العراق من نزع سلاح المقاومة في الظروف الراهنة، بل يعتقد أن المستفيد الأول من هذه الخطوة سيكون خصوم العراق، في حين ستفقد البلاد -وفق هذا الطرح- إحدى أهم أدواتها في حماية السيادة الوطنية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الخارجية. ويخلص إلى أن المقاومة أصبحت ركيزة أساسية في معادلة الدفاع عن العراق، وأن أي معالجة لملف السلاح ينبغي أن تنطلق من ضمان زوال التهديدات الخارجية واستكمال مقومات السيادة الوطنية، بما يحفظ أمن البلاد واستقرارها، ويصون قرارها المستقل.
