موقع أنصار الله . تقرير 

شكّلت ثورة الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام  محطةً فارقةً في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ كانت امتداداً لثورة جدّه الإمام الحسين "عليه السلام"، امتداداً في الجوهر والمضمون، وفي الروح والهدف، وفي الموقف والتوجه، بل وفي طبيعة الظروف والدوافع التي أفضت إليها. إنها امتداد لحركة الإسلام في حقيقته الأولى، في مبادئه وجوهره، في قيمه وأخلاقه، وفي استجابته المطلقة لله سبحانه وتعالى. وما بين كربلاء الحسين وصلب الإمام زيد، مسيرةٌ متصلة الحلقات من التضحية والفداء، عنوانها الأبرز رفض الظلم والطغيان، والتمسك بالحق مهما بلغت التضحيات.

إن إحياء ذكرى الإمام زيد بن علي عليه السلام هو استحضارٌ لمعانٍ سامية ودروسٍ خالدة، تتجاوز الزمان والمكان. إنها ذكرى تُستحضر باعتبارات متعددة: أولها كونها واقعةً تاريخيةً مفصلية ذات تأثير عميق امتد في وجدان الأمة جيلاً بعد جيل، وثانيها كونها تذكيراً بعَلَمٍ عظيمٍ من أعلام الهدى، ورجلٍ من رموز الإسلام الكبار، حمل راية الحق في زمانٍ خيّم فيه الصمت، وتحرّك في أوساط الأمة بهدف إنقاذها من الضلال والظلمات والظلم والقهر والطغيان.

أهمية إحياء ذكرى العظماء في وجدان الأمم

جرى العُرف الإنساني منذ القدم على أن تحتفل الشعوب وتخلّد ذكرى أمجادها وعظمائها، أولئك الذين أسهموا في نهضة أممهم، ودافعوا عنها، وقدّموا لها أنموذجاً راقياً في الإصلاح والإنقاذ، هذه السُنّة الحضارية هي استثمارٌ تربويٌ ومعرفيٌ عميق، يُنتج ارتباطاً وجدانياً وثقافياً ونفسياً بين الأجيال المتعاقبة ورموزها الملهمة، فيكون للذكرى أثرها البالغ في حياة الأمم: في نهضتها، وفي نشاطها، وفي تحمّلها للمسؤولية، وفي استعدادها الدائم لتحمّل أعباء تلك المسؤولية.

والإمام زيد "عليه السلام" يُعدّ واحداً من هؤلاء العظماء الذين قدّموا للأمة الكثير، وكل من يقرأ التاريخ ويعود إلى التراث الإسلامي الأصيل، سيدرك حجم ما قدّمه هذا الإمام من علمٍ وجهادٍ وموقف، وما خلّفه من إرثٍ فكريٍ  وثوريٍ لا يزال حياً في ضمير الأمة.

الحاجة المعاصرة للاستفادة من ثورة الإمام زيد

وشعبن اليمني يحيي هذه الذكرى اليوم، إنما يحييها من واقعٍ نحن فيه أحوج ما نكون إلى الاستفادة من الإمام زيد، وإلى الاستفادة من أعلام الهدى ورموز الإسلام، وإلى الاستفادة من التاريخ برمّته، في كل ما يزيدنا وعياً، ويمنحنا بصيرةً، ويضاعف فينا الهمّة، ويُعمّق فهمنا للمسؤولية ولما علينا أن نقدّم، ويرسّخ في نفوسنا العزم والصبر والثبات في مواقفنا.

لقد تحرّك الإمام زيد "عليه السلام" بكل ما يحمله من مبادئ وقيم، وبكل تلك الأهداف العظيمة والمهمة التي أعلن عنها ونادى بها في أوساط الأمة، حتى استشهد مظلوماً، وكانت مظلوميته بذاتها صفحةً سوداء سطّرها التأريخ، حافلةً بالدروس والعبر. فقد أُخرج طغاة بنو أمية جسده الشريف من قبره، وصُلب لسنوات عديدة، وعُرّي جسده الشريف وبقي مصلوباً، ثم في نهاية المطاف أنزلوه عن خشبة الصلب وأحرقوه، ثم ذروا رماده في نهر الفرات، ظناً منهم أنهم بذلك يمحون أثره وذكراه إلى الأبد. لكن هيهات لهم ذلك! فها هو الإمام زيد بقي في وجدان الأمة وضميرها؛ بقي منهجاً، وبقي ثورةً، وبقي موقفاً، وبقي درساً كبيراً وعبرةً عظيمة. بقي علماً ومعرفةً وهداية، وبقي في الوجدان مشاعر حبٍ وإعزاز، وبقي موقفاً يُذكر، وموقفاً يُعتبر، وموقفاً يؤثر في إحياء الأمة وتحريكها واستنهاضها.

ولكي نفهم الأبعاد الحقيقية لهذه الثورة، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي تحرّك فيه الإمام زيد عليه السلام، واستقراء الظروف الصعبة والحساسة التي دفعته إلى تلك التضحية الجسيمة. من يفعل ذلك سيدرك تماماً أن تلك الحركة كانت هي حركة الإسلام الأصيل، وحركة القرآن، وحركة النهج المحمدي، قام بها ونهض بها وجسّدها وأحياها الإمام الشهيد زيد بن علي "عليهما السلام".

التسلط الأموي: الكارثة الكبرى على الأمة

عانت الأمة الإسلامية من التسلط الأموي الذي استفاد من موقعه في السلطة ليطبّق برنامجاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً كان وصوله إلى الحكم بحد ذاته كارثةً كبرى على الأمة في كل شيء: في دينها ودنياها، وفي حاضرها ومستقبلها الممتد عبر الأجيال. لقد شكّل هذا التسلط خطراً وجودياً على الأمة؛ لأنه ناقض في أهدافه وسلوكه وممارساته كل مبادئ هذه الأمة، وتنكّر لمشروعها الأساس الذي بُني عليه كيانها.

إن الأمة الإسلامية هي أمة محمد، أمة القرآن، أمة الإسلام. والمفترض والطبيعي أن يُبنى واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأن يتحدد دورها الحضاري، طبقاً للمبادئ والتعاليم والأخلاق والقيم التي أتى بها هذا الدين؛ تلك المبادئ السامية والأخلاق الكريمة التي أرادها الله لعباده، والتي تتطابق مع الفطرة الإنسانية السوية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم:30].

الإسلام مشروعه للإنسان هو مشروع سمو، ومشروع أخلاق، ومشروع كرامة، ومشروع عدالة.ولكن الأمويين لم يُبقوا للأمة كرامة، ولم يُبقوا لها عزة، ولم يُبقوا لها سمواً. كانت ممارساتهم الظالمة على النقيض تماماً من جوهر الإسلام ومبادئه، مع استغلالهم للشكليات التي رأوا أنها لا تؤثر في سلطانهم، بل حوّلوها إلى أدوات للتحكم بالأمة والسيطرة عليها.

مظلومية أهل البيت هي مظلومية الأمة كلها

من المهم أن ندرك أن مظلومية أهل البيت "عليهم السلام" في التاريخ لم تكن أبداً لشأنٍ يخصّهم وحدهم، ولا لأمرٍ لا يتجاوز ذواتهم. إنما كانت مظلومية الأمة بكلها. لم يكن لهم ولا لأنصارهم ولا لمن تحرّك معهم أي شأنٍ خاص، ولا مكاسب شخصية، ولا أطماع دنيوية، ولا نزاعات لاعتبارات محدودة. بل إن التسلط الأموي استهدف الأمة منذ يومه الأول؛ استهدفها في المبادئ، لأنه كان يدرك أنه لا يستطيع التحكم بالأمة والسيطرة عليها إلا بعد أن يدمّر فيها المبادئ، ويهدم فيها القيم والأخلاق والوعي، وأن يخرجها من النور الذي أتى به رسول الله محمد "صلوات الله عليه وآله وسلم" إلى ظلمات متراكمة: ظلمات التضليل، وظلمات الإفساد.

الإنذار النبوي المبكر عن الخطر الأموي 

كان رسول الله "صلوات الله عليه وآله وسلم" قد قدّم إنذاراً مبكراً للأمة بخطورة هذا التسلط الأموي والدور الهدّام لبني أمية. لقد رأى النبي صلوات الله عليه وآله في منامه أن بني أمية ينزون على منبره الشريف نزو القردة، فأزعجه ذلك كثيراً، وأخبره الله بوحيه أنهم سيتمكنون يوماً من الوصول إلى مقاليد أمر الأمة، وإلى موقع السلطة والقرار، وعندئذٍ ستكون ممارساتهم وسياساتهم وتوجهاتهم وأسلوبهم في الحكم، كلها خارجة وشاذة عن النهج الإسلامي وعن النهج الفطري الإنساني؛ لأنها ستقوم على الظلم والتسلط والاستهتار واللامبالاة.

لقد أوضح الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله أن برنامج بني أمية في المرحلة التي يتحكمون فيها سيكون برنامجاً شيطانياً ونفاقياً، ووصف حالهم التي سيؤلون إليها بقوله الجامع المانع: "اتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ دَغَلًا، وَعِبَادَهُ خَوَلًا، وَمَالَهُ دُوَلًا". إنها كلمات جامعة ومعبرة، تستحق التأمل والترديد والتذكار الدائم. من يتأمل هذه الكلمات يدرك الخطورة الرهيبة والخطورة القصوى لذلك الدور الهدّام الذي بلغ أسوأ ما يمكن تصوره.

دين الله هو نور يخرج الناس من الظلمات، وهو بصائر ووعي، وهو سمو للإنسان، وهو السبيل لترشيده ليكون إنساناً راشداً، واعياً، فاهماً، تصوراته ومفاهيمه وأفكاره نقية سليمة، لا تشوبها الخرافة، ولا تشوبها الأباطيل، ولا يشوبها الظلام والضلال. دين الله هو زكاء لنفسية الإنسان وتطهير لقلبه، فتسمو نفسه، وتزكو، ويطهر قلبه، فيحمل كل مشاعر الخير، وكل إحساس إنساني، وكل وجدان خيّر، حتى يتأصل في تفكيره ووجدانه ونفسيته الخير كله. إنه الدين الذي يرمي بتعاليمه ومنهجه ونظامه إلى إحقاق الحق وإقامة العدل في الحياة، والسمو بهذا الإنسان لاستنقاذه من الضياع، فلا يعيش كالأنعام بلا هدف سامٍ، ولا مشروع عظيم ومقدس يليق بهذا الإنسان، ويليق بالكرامة التي كرّمه الله بها، والدور الذي أراده له.

فكيف يُتّخذ هذا الدين دَغَلاً؟ إنها جناية مباشرة على الدين، واستهداف مباشر له. يتم هذا الاستهداف من خلال التزييف والتحريف، عبر تقديم قوالب جديدة باسم الدين نفسه، محسوبة على الإسلام، لكنها مختلفة في جوهرها، تخدم السلطة وتمكّن لها، وتهيئ لها الظروف الملائمة لفعل ما تشاء وما تريد. لقد صنع الأمويون في الإسلام ومن داخله إسلاماً من نوع آخر. مفاهيم كثيرة حُسبت على الإسلام وليست من الإسلام. عمدوا إلى لبس الحق بالباطل، تماماً كما فعل بنو إسرائيل من قبلهم. وثبّتوا ضمن العقائد والمفاهيم الثقافية والفكرية والتصورات والمبادئ والسلوك والتعاليم العملية، ثبّتوا الكثير مما كُتب، وما خُطب به على المنابر، وما لُقّن به ذلك الجيل داخل المدارس والكتاتيب والمساجد في حلقات الدراسة والعلم. وهكذا استهدفوا المضمون الديني في تعاليمه ومنهجه ومبادئه، فحرّفوا وزيّفوا وبدّلوا، حتى قولبوا شكلاً للإسلام أدخلوا فيه الكثير من الباطل، واختلط به الكثير من الظلام، حتى صارت نسبة النور في مراحل كثيرة ضعيفة لا تكاد تُرى إلا بصيصاً من نوافذ محدودة.

الإجرام الأموي وأثره المدمر على الإسلام والأمة

كان لهذا التزييف والتحريف أثره الكبير في مستقبل الأمة وفي مواقفها، لقد وصل بنو أمية إلى درجة التعطيل الفعلي للمشروع الإسلامي في الحياة، فعطّلوا أثره العظيم والسامي في الإنسان، وهنا رأينا كيف صنعوا في الإنسان، وكيف تحول الإنسان الذي تأثر بهم، واقتنع لهم، والتف حولهم، وآمن بهم ونهج نهجهم، إلى إنسان متوحش، ظلامي، مفسد، متكبر، خالٍ من كل المشاعر الإنسانية، لا رحمة لديه، وجاهز لأن يفعل من أجلهم أي شيء، وأن يتصرف أي تصرف.

وبذلك استطاعوا أن يفعلوا أشياء ما كانت لتُفعل في بيئة إسلامية بقيت سليمة، لكنهم كانوا قد شابوا هذه البيئة الإسلامية وأوبؤوها بما لديهم من ضلال وفساد ونشاط تخريبي: تخريب للقيم، وتخريب للمبادئ، وتخريب على المستوى الثقافي والنفسي، وتدنيس للنفوس بدلاً من تزكيتها فاستطاعوا أن يحرّكوا جيوشاً مكونة من آلاف المنتسبين لهذا الدين، ممن يصلّون ويصومون، بل ويتلو بعضهم القرآن، وينتسبون في المشاعر الإسلامية إلى هذا الدين، ليفعلوا ما يمكن أن نتصور أن يفعله المتوحشون من بني الإنسان، الذين انسلخوا عن الفطرة الإنسانية، فما بالك بالدين، وما بالك بالقيم، وما بالك بتعاليم السماء ووحي الله وتعاليم الرسل والأنبياء؟!.

صور من الاستهتار الأموي بالمقدسات

وإذا استقرأنا بعضاً مما حدث في التاريخ على أيديهم، سنصعق من حجم استهتارهم بالإسلام جملةً وتفصيلاً، واستهانتهم بكل شيء. أول الاستهانة كانت بالإنسان، ثم الاستهانة بالمقدّسات. لقد كانوا يستهترون حتى بالرسول صلوات الله عليه وآله ورسالته، فيقول يزيد بن معاوية من على كرسي السلطة وهو يتربع على موقع المسؤولية مكذّباً ومنكراً:

    لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالمُلْكِ فَلَا *** خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلْ

ويأتي الآخر منهم في الوقت الذي يقدّم نفسه خليفة للمسلمين وقائداً للأمة الإسلامية، ليقول مما يعتبره كرسي الخلافة والمسؤولية والسلطة:    تَلَعَّبَ بِالبَرِيَّة هَاشِمِيٌّ *** بِلَا وَحيٍ أَتَاهُ وَلَا كِتَابُ

إنه إنكارٌ كاملٌ للرسالة الإسلامية، ويأتي الخطيب من ولاتهم في مكة لينادي في أوساط الحجاج قائلاً بكل وقاحة: "أيها الناس، إن خليفتكم أفضل من رسولكم! إن خليفة الله أفضل من رسوله!"، ليقول لهم إن زعيمه الفاجر، الفاسق، الظالم، الباغي، الجاهل، المتوحش، المنسلخ من كل القيم والأخلاق، أفضل من رسول الله محمد "صلى الله عليه وآله وسلم".

وتذهب جيوشهم إلى مكة المكرمة فتستبيحها وتستبيح قداستها، يستهدفون الكعبة المشرفة بنفسها، يرمونها بالمنجنيق، ويحرقونها مرة، ويهدمونها تارة أخرى، بلا مبالاة، واليوم، أليس من أكثر وأكبر ما يمكن أن نتخوفه على مقدساتنا أن تستهدف الكعبة، سواء من الإسرائيليين أو الأمريكيين أو الدواعش؟ أولئك فعلوا ذلك، لم يرعوا حرمة هذا المقدّس أبداً.

ويستهدفون المدينة المنورة، مدينة رسول الله "صلوات الله عليه وآله وسلم"، ويستهدفون حرمه الشريف، ويستهدفون أبناء المدينة من المهاجرين والأنصار. لا احترام للمدينة، ولا لمسجد رسول الله، ولا لسكانها من المهاجرين والأنصار وذراريهم. قتلوا الكثير من أصحاب رسول الله، حتى أنه بعد وقعة الحَرَّة يقول المؤرخون: لم يبقَ بدريٌ بعدها. أي أن كل الذين كانوا باقين في ذلك الزمن ممن شهدوا غزوة بدر مع رسول الله، تلك الواقعة الشهيرة التي كانت أهم واقعة وأول واقعة مثّلت ضربة كبيرة لأعداء الإسلام، قُتلوا. لقد كان بنو أمية يحملون نزعة الثأر والانتقام من رسول الله صلوات الله عليه وآله وأهل بيته وأنصاره وأصحابه من المهاجرين والأنصار، وكانوا متوثبين على الدوام ليوم ينتقمون فيه من رسول الله في أهل بيته وفي أنصاره وفي المهاجرين معه.

بهذه النفسية، وبهذا الحقد، وبهذا العداء، استباحوا المدينة. قتلوا صحابة رسول الله، وقتلوا أولاد الصحابة، وقتلوا ذرية الصحابة. وفي نفس الوقت انتهكوا الأعراض، واغتصبوا النساء، ونهبوا الممتلكات. ذهب الكثير من أبناء المدينة، بعضهم هرب إلى قبر رسول الله يلوذون به، متوقعين أن يبقى لدى الجيش الأموي ولو قليل من الاحترام لرسول الله ولحرمة رسول الله ولحرمة مسجده وقبره. فما الذي فعل جنود بني أمية؟ لحقوا بأولئك وقتلوهم على قبر رسول الله، قتلوا عدداً كبيراً على القبر حتى أغرقوه بالدماء. وكانوا وحشيين لدرجة عجيبة، يروي التاريخ فظائع رهيبة حدثت منهم وعلى أيديهم عندما دخلوا المدينة.

لقد حكى التاريخ أن البعض منهم كان يمسك الطفل الرضيع وهو في صدر أمه تحضنه، فيأخذه برجليه من صدرها ثم يضرب به عرض الحائط فينثر دماغه على الأرض. أي وحشية هذه! هذا هو النموذج الذي صنعه بنو أمية محسوباً على الإسلام، يحمل كل هذا التوحش، ويتجرد من الأخلاق إلى هذه الدرجة. يتجرد الإنسان من إنسانيته بالكامل، فما بالك بالإسلام الذي ينمّي ما هو مفطور في الإنسان من فطرة الله تعالى؟!

هذه الصنيعة التي صنعها بنو أمية في الأمة امتدت عبر الأجيال. وعلى الدوام، وفي كل مراحل الأمة، كان هذا النوع موجوداً ومحسوباً على الإسلام، بل يدّعي أنه هو وحده الإسلام، وأنه الذي يمثل الإسلام، ثم ينبز بقية أبناء الأمة بالكثير من الألقاب السيئة التي يستبيح بها دماءهم وأعراضهم وحياتهم.

حال الأمة في زمن الإمام زيد عليه السلام

بلغ التسلط الأموي حداً عجيباً في زمن الإمام زيد "عليه السلام". لقد عرفنا بعض ما فعلوه بعترة رسول الله وأهل بيته، الذين نادى فيهم رسول الله في أوساط الأمة قائلاً: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَقَلَين، مَا إِنْ تَمَسَكتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِيَ أَبَدًا: كِتَابَ اللَّه، وَعِترَتي أَهلَ بَيْتِي، إِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِيَ أَنَّهُمَا لَنْ يَفتَرِقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوض"، ثم قال: "أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهلِ بِيْتَي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهلِ بِيْتَي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهلِ بِيْتَي"، قالها ثلاثاً. هذا يرويه الجميع، وهو وارد في تراث الأمة معترف به. ومع ذلك، ماذا فعلوا بالإمام الحسين "عليه السلام"، سيد شباب أهل الجنة، سبط رسول الله، وحامل النور والهدى والحق في أوساط الأمة، وبأسرته الكريمة وأهل بيته وأنصاره الخلّص. ثم الفظائع الكثيرة التي سجلها التاريخ حتى أصبحت محتوى لمجلدات من الكتب، صفحات سوداء سطرها أولئك إجراماً وبغياً وتضليلاً وفساداً بكل أشكاله.

وصلت الحال إلى زمن الإمام زيد "عليه السلام"، بعد صولات وجولات، حيث كانت السلطة الأموية قد استحكمت قبضتها من جديد، بعد أن تعرضت لاهتزازات كبيرة بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده. لكنها عادت ووصلت إلى الذروة في تمكنها وتغلبها. وفي زمن هشام بن عبدالملك اللعين، الوالي الأموي، يأتي ليقول: "والله لا يقول لي أحدٌ اتقِ اللهَ إلا ضربت عُنَقَه". انظروا من هو النموذج الأموي، له هذه الرؤية وهذا التفكير. ماذا ينبئ عنه هذا التفكير وهذه النفسية؟! الله يأمر عباده كلهم بتقواه، حتى أنبياءه، فيقول في القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ}، ويوجه خطابه للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. وأكثر ما ورد في القرآن الكريم هو الأمر بالتقوى والتوجيه بالتقوى للمؤمنين والمسلمين. وهذا الطاغية الأموي لديه التوجه الطغياني: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد}. إنه يقول: من يأمرني بتقوى الله سأقطع رأسه، سأقتله. هكذا كانوا. فماذا يكون في بقية تصرفاتهم؟ إنسان من هذا النوع كيف سيكون منهجه في الحكم وتفكيره ونظرته للأمة من حوله؟ إلا ما قال عنه الرسول: "وَعِبَادَهُ خَوَلًا"، أي لا يرى فيهم إلا العبيد.

ثورة الإمام زيد: ترجمة عملية لتوجيهات القرآن الكريم

في مواجهة هذا الواقع كله، تحرك الإمام زيد "عليه السلام"، حفيد الحسين "عليه السلام"، امتداداً لثورة جده، ولمنهجه، ولمبدئه، وللدافع الإيماني ذاته. تحرك وكانت حركته إنما تعبر عن مبادئ الإسلام، لم تكن نظرة شخصية أو موقفاً شخصياً لاعتبارات شخصية. نهائياً، إنما كانت ترجمة عملية لتوجيهات الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. ولذلك كان يقول: "كَيْفَ لِي أَنْ أَسْكُت وَقَدْ خُولِفَ كِتَابُ اللَّهِ؟! وَاللَّهِ مَا يَدَعُنِي كِتَابُ اللَّهِ أَنْ أَسْكُت". ما يدعني كتاب الله أن أسكت! إن توجيهات الله في القرآن تقوم كلها على أساس استنهاض الأمة وتحريك الأمة في موقع العمل وميدان المسؤولية.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الهدف المحوري لثورة الإمام زيد

لقد باتت حركة الإمام زيد وثورته منهجاً ومشروعاً كبيراً امتد في أوساط الأمة، ويمكننا أن نتناول جانباً واحداً مهماً من جوانب حركته، ألا وهو إحياء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ إسلامي مهم، وفريضة إسلامية عظيمة، من أعظم فرائض الله سبحانه وتعالى، كما قال عنها الإمام علي "عليه السلام": "بِهَا تُقَامُ الفَرَائِض". إنها مسؤولية أساسية من صميم مسؤوليات الأمة، ومسؤولية إيمانية ودينية فرضها الله على عباده. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]. ويقول أيضاً: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110].

ويقول في آية مهمة يتضح لنا منها مقدار أهمية هذه الفريضة كمسؤولية مركزية في دين الله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71].

وقد أتت هذه الآية في موقع مهم في سورة التوبة، في سياق المقارنة والفرز داخل المجتمع الإسلامي بين خط الإيمان وخط النفاق، فتحدثت عن المؤمنين والمؤمنات ووصفتهم بأن من مسؤولياتهم الإيمانية، التي هي بحكم إيمانهم وترجمة عملية له، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا ملاحظة بالغة الأهمية: لقد قُدّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآية قبل الحديث عن إقامة الصلاة. يقول تعالى: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ}. وهذا التقديم له أهمية كبيرة ومدلول مهم جداً. إنه يدلل ويوضح ويكشف عن مدى الأهمية القصوى لهذه الفريضة فبدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يبقى للصلاة تأثيرها الفاعل في واقع الأمة، ولا يبقى للزكاة تأثيرها الإيجابي في واقع الأمة وكل الفرائض الإسلامية، من الصلاة إلى غيرها، لا يبقى لها إلا التأثير المحدود والبسيط والمتواضع، بينما هي مع هذه المسؤولية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يكون لها تأثير فعال وعظيم ومهم جداً، إن تفريغ الإسلام وتفريغ الانتماء والهوية الإيمانية من مسؤولية كهذه يضرب بقية الفرائض ويُفقدها أثرها الحقيقي.

التوصيف القرآني الدقيق لحركة النفاق

وعلى الطرف المقابل، نجد أن القرآن الكريم حين يتحدث عن المنافقين يصفهم وصفاً دقيقاً يقابل وصف المؤمنين. يقول تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 67-68].

هذه الآية تضمنت فرزاً مهماً وتوصيفاً دقيقاً لحركة النفاق في الأمة. المنافقون والمنافقات ليس وجودهم في داخل الأمة وقوفاً جامداً وراكداً، وليسوا حالة تعيش في واقعها الداخلي نفاقها فلا تتحرك به في أوساط الأمة. لا، إنهم حركة في واقع الأمة وفي أوساطها، ليسوا منكفئين بنفاقهم على واقعهم الداخلي، وليسوا حركة انزوائية تاركة للأمة في سبيل حالها. إنهم حركة فاعلة، وأي حركة! إنها حركة أمر بالمنكر، والمنكر عنوان واسع يشمل الفكرة المنكرة، والسلوك المنكر، والعمل المنكر، والموقف المنكر، المواقف التي يدعون الأمة إليها ويدفعون بالأمة إليها هي مواقف منكرة وخاطئة وفي الاتجاه الخاطئ. والأعمال والتصرفات التي يحركون الأمة فيها ويجرونها إليها هي شاذة عن النهج الإسلامي وعن القيم والأخلاق، وهكذا الأفكار التي يحاولون نشرها في أوساط الأمة هي أفكار ظلامية عفنة، ترجمتها العملية في واقع الحياة شر على الناس وسوء في واقع الحياة.

إنهم لا يجمدون، بل {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ}، ولا يكتفون بأن يكونوا هم في تفكيرهم المنكر ونظرتهم المنكرة وواقعهم المنكر وسلوكهم المنكر، بل يأمرون بهذا المنكر في أوساط الناس. إنهم يتحركون حركة استقطابية في واقع الأمة بغية أن يعمموا هذا المنكر. فتراهم في كل مراحل التاريخ، كلما برز موقف منكر كانوا هم دعاته ورجاله وحملته والمستقطبين له. وفي كل أشكال المنكر من ضلال وظلام، لهم فيها نشاط واسع.

{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}: يتحركون في الساحة حركة مضادة للمعروف. الموقف المعروف، الموقف الصحيح، الموقف الذي ينسجم مع الإسلام في تعاليمه ومبادئه وقيمه وأخلاقه، ينهون عنه، يصدون عنه، يحاربونه، يبعدون الأمة عنه. السلوك المعروف، العمل المعروف، الفكر السليم، التثقيف الصحيح، المبادئ الصحيحة، كل ما هو معروف من مستوى الفكر إلى واقع العمل، هم يتحركون ضده، إما بموقف صارم وكامل فيستهدفونه بشكل نهائي، وإما بحركة احتوائية وتزييفية.

إنهم إذن حركة تخريبية في داخل الأمة. ولأنهم ينتمون إلى الإسلام ويحاولون أن يكونوا هم المعبرين عنه، بينما غيرهم هو الغلط وهم الصح، ثم يتحركون بهذا النحو التخريبي والهدام في واقع الأمة، فإن أثرهم سيء جداً؛ لأنه يطال حياة الناس وواقعهم، ويمس بكرامتهم، ويمس بحياتهم، ويمس بأمنهم، ويمس باستقرارهم، ويمس باستقلالهم، ويمس بطبيعة الوجود العادي في الحياة. إنهم شر على الأمة.

وفي مقابل حركتهم هذه، تحدثت الآية عن مستوى عذابهم وسخط الله عليهم بشكل عجيب جداً. جاء الوعيد الإلهي: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} مع أنهم منتمون إلى الإسلام، ومع أنهم يصلّون، ومع أن البعض منهم لهم مساجد الضرار. هم فئات متنوعة، لكن منهم من يلبس لباس الدين، ومنهم من يتحرك تحت عناوين إيمانية: {مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}، يعني كحركة وليس فقط كانتماء. (مَن يَقُولُ) أي يكرر ذلك، يتحرك تحت هذا العنوان الإيماني كحركة تخريبية في واقع الأمة.

ثم يأتي الوعيد الإلهي الصاعق: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}. لاحظوا أن الله بدأ بهم قبل الكفار في الوعيد، وذكرهم أولاً والكفار بعدهم ثانياً. {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ}: هي كفايتهم، جهنميون ليس لهم إلا جهنم، بلغوا مبلغاً فظيعاً من السوء والتخريب والدور السلبي في واقع الناس. {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ}: نعوذ بالله من سخط الله! هذا يعبر عن سخط كبير جداً عليهم من الله. {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}.

الحركة الإيمانية ودورها المواجه

إذاً، الدور الذي يواجه هذا الدور التخريبي في الأمة من الداخل هو الدور الإيماني، الذي وصفته الآية الكريمة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}. الموقف المعروف في كل زمن، رجاله ودعاته وأنصاره وحملته، هم المؤمنون. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}: من يقف ضد المنكر موقفاً، وسلوكاً، وحكماً وتسلطاً، ضد المنكر بكل أشكاله، المنكر الذي هو هدام وسلبي وضر وشر وسوء في واقع الحياة. الذي يتصدى له من موقع المسؤولية وبالقيم والأخلاق والمبادئ والفهم والوعي والبصيرة هم المؤمنون والمؤمنات.

هذه الحركة الإيمانية هي ما عمل الإمام زيد بن علي عليهما السلام على إحيائها في واقع الأمة، واتجه فيها الاتجاه الصحيح. فالبعض قد يفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه محصور في نطاق التعامل مع الناس العاديين البسطاء، لكن الإمام زيد اتجه رأساً، وبادئ ذي بدء، وبشكل أساسي ومركز، تجاه القضايا الكبيرة والمسائل المهمة والكبرى، التي تنطوي على كل التفاصيل ويتفرع عنها كل التفاصيل. كان الإمام زيد يعي ذلك جيداً، ويعي ما معنى قول النبي "صلى الله عليه وآله وسلم": "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ فِي وَجْهِ سُلْطَانٍ جَائِرٍ".

لقد تحرك الإمام زيد حركة شاملة وعامة، مواجهاً لأصل المنكر ومنبعه: السلطة القائمة التي هي منكر بذاتها، وبسياساتها، وتوجهاتها، وبما تفرضه في واقع الأمة. إنها منبع المنكر ومصدره، ينتشر من خلالها المنكر في واقع الأمة وبقوة وبسلطة. فاتجه الإمام زيد بن علي عليهما السلام هذا الاتجاه نحو القضية المركزية، والمهمة، و الرئيسية، وواجه أصل المنكر، وهو يعي أهمية هذه المسؤولية.