تناولنا في التقرير ثورة الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام باعتبارها محطة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ كانت امتداداً لثورة جدّه الإمام الحسين "عليه السلام"، في الجوهر والمضمون، وفي الروح والهدف، وفي الموقف والتوجه، بل وفي طبيعة الظروف والدوافع التي أفضت إليها. وتناولنا أهمية إحياء ذكرى العظماء في وجدان الأمم و الحاجة المعاصرة للاستفادة من ثورة الإمام زيد، كما لسطما الضوء على خطورة التسلط الأموي على رقاب الأمة وما الذي فعلوه خلال فترة حكمهم بالرغم من تحذير الرسول صلوات الله عليه وآله من شرهم وفسادهم، ووصلنا إلى أن ثورة الإمام زيد عليه السلام كانت ضرورة ملحة لإعادة مسار الأمة الإسلامية إلى حيث يجب أن تكون، وفي هذا التقرير نستعرض واقعنا المعاصر كامتداد للطغيان الأموي يشكل فيه النظام السعودي إحدى النماذج لهذا الطغيان والتسلط.

خطورة التفريط في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لقد حذرنا الله تعالى من خطورة التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه الكريم حين قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79].

الحالة التي سادت في أوساط بني إسرائيل هي: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ}، أي عُطّلت هذه الفريضة بشكل كامل. وحينما يُعطّل هذا المبدأ وتُهجر هذه الفريضة في واقع الأمة، تكون هناك سلبيات كبيرة؛ ينمو المنكر ويفرض حضوره في الساحة فيسيطر عليها تماماً. إذا غُيّب من الساحة صوت الحق، وإذا عُطّلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموقف من الظالمين والفاسدين والطغاة والمجرمين، خَلَتْ لهم الساحة. حينها تستحكم قبضتهم، وتقوى سلطتهم، وتكبر هيمنتهم، فيملؤون الساحة بدون تردد، وبدون رادع، وبدون حاجز، وبدون مانع، بالمنكرات والمفاسد والمظالم والطغيان. حينها يتجرؤون على فعل أي شيء مهما كان فظيعاً، ومهما كان إجرامياً، ومهما كان وحشياً، ومهما كان طغياناً، لا يتحرجون من شيء.

وحينها يصل واقع الناس إلى واقع خطير للغاية، وتكون الحالة القائمة في أوساطهم حالة لا يرضى الله لهم، ولكنهم كانوا سبباً في أن تصل إلى ما وصلت إليه، فيخسرون القداسة، قداسة هويتهم وانتمائهم، ويغيب الحق من واقعهم، الحق في مضمونه، والحق في أثره في الواقع، والحق في تأثيره الإيجابي ونفعه في الحياة.

ولهذا ورد عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" أنه قال: "لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا تَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ، وَلَا تَنْهَى عَنْ مُنْكَر، وَلَا تَأخُذُ عَلَى يَدِ الظَّالِم، وَلَا تُعِيْنُ المُحسِنَ، وَلَا تَرُدُ المُسِيءَ عَنْ إِسَاءَتِهِ". أمة كهذه أمة فقدت قداستها، أمة سيئة، أمة باتت أمة سيئة، لن يبقى للحق ولا للخير ولا للقيم النبيلة ولا للفطرة الإنسانية حضور في واقع حياتها. تصبح الحالة حالة سيئة جداً، وأسوأ واقع وأسوأ حال يصل إليه الناس هو الحال الذي تغيب منه القيم والمبادئ والأخلاق.

وفي نص آخر عن الرسول "صلى الله عليه وآله وسلم" يبين خطورة التنصل عن هذه الفريضة وغيابها من الساحة يقول: "لَتَأمُرُنَّ بِالمَعرُوفِ، وَلَتنهَوُنَّ عَنِ المُنكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم شِرَارَكُمْ، ثُمَّ يَدعُوا خِيَارُكُم، فَلَا يُستَجَابُ لَهُم". إذا تنصلت الأمة عن مسؤوليتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصبح الساحة خالية للأشرار. والتسليط هنا حالة خطيرة جداً، لأنها حالة زائدة على واقع الأمة في وهنها وضعفها واستسلامها وخنوعها. إنها حالة يتحرك فيها أولئك الأشرار بنزعة الشر، وبطبيعة الشر، وبنفسية الشر، وبتوجه الشر، وبالممارسات الشريرة. ولكنهم أيضاً مسلّطون، لديهم جرأة أكبر، لأنها نُزعت عن الأمة كل أشكال الرعاية الإلهية التي تدفع عنها ولو بعضاً من شرهم. لقد أصبح الله ساخطاً على الأمة حينما تتنصل عن مسؤوليتها، فلا يوليها أي رعاية حينئذٍ، ولا يدفع عنها ولو قليلاً من شر أولئك. ولذلك نجد أهمية هذه الفريضة ومركزيتها في حفظ كيان الأمة ووجودها.

واقعنا اليوم: امتداد للماضي بشقيه الإيماني والنفاقي

واقع الأمة اليوم على ما هو عليه، والامتداد النفاقي في حركة الأمة قائم وله حضور كبير؛ بشكل دول، وبشكل أنظمة متسلطة، تمتلك جيوشاً وثروات هائلة، وتسيطر على مواقع السلطة ومواقع الثروة في مناطق كثيرة من الأمة. وفي المقابل، هناك امتداد إيماني قائم أيضاً في واقع الأمة. هذه الأمة لا ينفد منها الخير بشكل كامل، يبقى للخير حضوره، ويبقى للحق وجوده، ويبقى للحق والعدل والخير والهدى أنصاره وحملته وصوته. وتختلف الأحوال من ظرف إلى ظرف ومن مرحلة إلى مرحلة في مستوى قوة وتأثير هذا الحضور أو معاناة هذا الحضور، وفي مستوى تفاعل الأمة.

ويتجلى في عصرنا هذا أيضاً بشكل كبير سوء الأثر التخريبي لحركة النفاق في الأمة؛ أولئك الذين يأمرون بالمنكر ويمارسونه، وطبعوا واقعنا الإسلامي في معظم ميادينه وساحاته بالمنكر وبأشكال مختلفة:

شكل منه أُلبس لباس الدين: هو الشكل التكفيري، ولكن بكل بشاعة، وبممارسات فظيعة جداً ومشوهة للإسلام إلى أسوأ حال، وإلى أسوأ مستوى، وإلى ما لا يمكن تصور أفظع منه وأسوأ منه وأقبح منه.

وشكل آخر هو تفريغ تام بغير اسم الدين، تفريغ تام: إما تحت عناوين سياسية، أو عناوين مناطقية، أو بدون عنوان أحياناً، تحت تأثير الجانب المادي والمال، وهكذا تحركوا في أوساط الأمة، وهم يتحركون اليوم، وتجلى للأمة سوء ما يعملون وفظاعة ما يتصرفون به ويتحركون به في واقعها.

إن ما نعاني منه اليوم في أمتنا الإسلامية، في شتى مناطقها، من النشاط التكفيري الذي يرعاه النظام السعودي، وتحت المظلة الأمريكية والتوجيه الأمريكي وهندسة السياسة الأمريكية، وبما يخدم "إسرائيل" ويفيدها ويحميها... إننا نرى اليوم سوء هذا الدور في واقع الأمة، وما ألحقه بها من خسائر كبيرة. القتل في كثير من الأقطار أصبح حالة يومية، وباستهتار كبير بالأرواح وبالحياة. التدمير، إثارة الفوضى، الواقع السيئ والمتردي الذي يعيق الأمة ويعطلها عن بناء واقعها وتصحيح وضعيتها وإصلاح حالها. إنه واقع من جانب تدميري وشر ومؤثر وضار بالأمة، فيما يمسها بشكل مباشر: قتل، وإهدار للأموال والممتلكات، وتضييع للحقوق. وفي نفس الوقت هو ضياع للأمة في مشروعها الذي يفترض أن تكون منطلقة فيه، وسوء ما بعده سوء.

لكن في الجانب الآخر، هناك في واقع هذه الأمة، نرى للحق صوته. نرى الكثير والكثير في كثير من أقطار العالم الإسلامي يتحركون وينطلقون، ونسمع منهم صوت الحق، ونرى في مواقفهم قوة الحق وصلابة الحق في مواجهة ذلك الطغيان، وذلك المنكر، وذلك الفساد، وذلك الظلم.

النظام السعودي: النموذج الأبرز لامتداد حركة النفاق

إن ما يقوم به اليوم النظام السعودي بشكل مباشر وعبر أدواته في العالم الإسلامي، في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، ما هو إلا امتداد في مضمونه وممارساته وشكله وأصله وفصله وفرعه للحركة النفاقية في عصر الإسلام كله، وفي تأريخ الأمة الإسلامية بكلها. ولكنه اليوم يقوم به بإمكانات، وبقدرات، وبثروة أكثر. إنه يمتلك القنوات الفضائية، ويمتلك الأسلحة الحديثة، ولكن شكله المنكر واضح جداً على مستوى العالم الإسلامي كله.

النشاط الذي يمارسه النظام السعودي -وهو نشاط نفاقي بكل ما تعنيه الكلمة- يبدأ أولاً بشكل النشاط الدعوي والخيري: كتب، ومدارس، وتمر، وفلوس... وما شاكل ذلك، وبأسلوب لطيف وودي؛ حتى يتمكن من اختراق البلدان.

و بعد أن يتمكن من اختراق أي بلد، ينحو منحىً آخر، فيحوّل نشاطه الذي ألبسه لباساً دعوياً إلى نشاط يعبئ الجماهير التي استقطبها بذلك الفكر الظلامي، وبالعقد والأحقاد والعداوة التي لا نظير لها في العالم أبداً. يفرّغ ذلك الإنسان من مضمونه ومحتواه الإنساني الذي فطره الله عليه، فيحوله إلى إنسان متوحش. كان في البداية إنساناً وديعاً يطلق لحيته، ويدهن وجهه، ويتكلم بالكلام اللطيف، ويحمل المسواك في كثير من الحالات، ثم لا تنتبه إلا وقد وضع المسواك، وأخذ بدلاً منه الرشاش، ولبس بدلاً من الثوب الأبيض الحزام الناسف، واتجه وهو كله حقد وكله كراهية. لمن؟ هل لأعداء الأمة: للأمريكي، للإسرائيلي، لمن يشكلون خطراً حقيقياً على شعوب المنطقة كلها؟! لا. هل لدفع الخطر الإسرائيلي وإنقاذ الشعب الفلسطيني؟ لا.

إنه يتجه إلى سوق، أو مدرسة، أو مسجد، وهو يحمل كل ذلك الحقد، فيفرغه مع الكثير مما حمله في حزامه الناسف، يضرب بها المصلين، أو يضرب بها المتسوقين، أو يضرب بها طلاب المدرسة... أي شكل هذا؟! أو يذهب ليفتح جبهة داخلية في قطر من الأقطار الإسلامية والعربية، ليثير الفتن الداخلية بين أهل منطقة واحدة كانوا فيما قبل متآخين مسالمين لبعضهم البعض. وإن طرأت إشكالات تكون في مستواها مشاكل محدودة يُفصل فيها، أو يبقى لها مستواها وحجمها العادي، لكنها تتحول بفعل هذا النشاط التخريبي إلى مسألة معقدة. يأتي التكفيري يعتبر الآخرين كفاراً، ويعتبر أنه لا بد من قتلهم وإبادتهم بأي شكل كان، وبأي أسلوب كان: إما بالحزام الناسف، أو بالقنبلة، أو بالطائرة كما يفعل النظام السعودي نفسه، أو بأي سلاح كان، أو بالسكين الذي يذبح الرقبة، أو بالقنبلة والتفجير الذي يمزق الناس إلى أشلاء.

هكذا ظهروا متوحشين وسيئين ويشكلون خطراً على الأمن، ويشكلون خطراً على السلم الأهلي في كل بلد. ويطبعون أنفسهم بالطابع الديني، ويرسخون الولاء السياسي في أي بلد للنظام السعودي نفسه. فيكون المصري الذي هو في مصر ولاؤه للنظام السعودي، وعقيدته تكفيرية، وتوجهه ضد أهل بلده وأهل منطقته توجهاً عدائياً إلى حد عجيب. ومثيله في الجزائر، ومثيله في تونس، ومثيله في أي بلد إسلامي آخر. وحينما تعطي أمريكا ضوءاً أخضر للنظام السعودي بأن يثيروا الفتن في بلد معين، تُصدر الفتوى بسرعة، ثم يبدأ التحرك في الميدان، فإذا بذلك البلد يلتهب بالفتن والأخطار والمشاكل، ويتمزق نسيجه الاجتماعي، ويحترب أهله فيقتتلون ليل نهار، وتدمر فيه المدن والقرى، ويهلك فيه الحرث والنسل... هذه هي الحركة النفاقية، نرى أسوأ أشكالها وأفظع آثارها ونتائجها في النظام السعودي وما يرعاه في الواقع.

خاتمة: الدروس الخالدة من ثورة الإمام زيد

وهكذا، تبقى ثورة الإمام زيد "عليه السلام" نبراساً يضيء دروب الأمة في كل زمان ومكان. إنها تعلمنا أن السكوت على الظلم ليس خياراً، وأن التضحية في سبيل المبدأ هي الطريق إلى الخلود، وأن محاولات طمس الحق وإخماد صوته مصيرها الفشل، مهما بدت قوى الباطل مستكبرة. لقد حاول الأمويون محو كل أثر للإمام زيد، فصلبوه ثم أحرقوه ثم ذروا رماده، لكنهم لم يستطيعوا محو فكره وموقفه وثورته، فبقيت خالدة في وجدان الأمة وضميرها، تحفز الهمم وتستثير العزائم.

إن استحضار هذه الذكرى اليوم هو ضرورة ملحّة لاستلهام معاني الصمود والثبات في وجه الطغيان المعاصر بأشكاله المتعددة. فحركة النفاق التي واجهها الإمام زيد بالأمس هي نفسها التي نواجهها اليوم بثوب جديد وأدوات أكثر تطوراً، ولكن الجوهر واحد: أمر بالمنكر، ونهي عن المعروف، وتزييف للحق، وتضليل للأمة. والمطلوب منا جميعاً أن نكون على مستوى المسؤولية، نقتدي بالإمام زيد في شجاعته ووعيه وثباته، ونتمسك بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي هي ضمانة بقاء الأمم وصلاحها، والتي بدونها لا يبقى للصلاة ولا للزكاة ولا لسائر الفرائض أثرها الحقيقي في واقع الحياة.