موقع أنصار الله . تحقيق : يحيى الشامي

تتكشف في الضفة الغربية -وفي قلبها محافظة القدس- منظومة متكاملة من أدوات الخنق التي يديرها العدو الإسرائيلي على نحو تدريجي ومتراكم، فلا يعود الهدم حدثاً معزولا، ولا الاستيطان مشروعا منفردا، ولا الحاجز إجراء أمنيا عابرا، جميعها تتحول إلى أدوات ضمن مسار واحد يهدف إلى تغيير الديمغرافيا وإعادة تشكيل الجغرافيا وتهويد الأرض الفلسطينية لصالح المغتصبين، ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري أو العيش في معازل محاصرة.

ووفق خبراء ومسؤولين، فإن ما يجري في القدس لا يمكن فصله عن بقية محافظات الضفة الغربية؛ فالمدينة ومحيطها تحولا إلى نموذج مكثف لما يمتد لاحقاً إلى شرق رام الله والأغوار الشمالية وبيت لحم والخليل وغيرها: هدم منازل، مصادرة أراض، توسع استيطاني، جدار وحواجز، شوارع فصل، تهجير تجمعات بدوية، ومشاريع تسجيل أراض تفتح الباب أمام وضع اليد على الملكيات.

رافات: قرية محاصرة من ثلاث جهات

في بلدة رافات، شمال غرب القدس، تتجسد هذه السياسات مجتمعة، فالبلدةُ التي كانت تشكل امتدادا طبيعيا للقدس من جهة الشمال الغربي، تحولت -منذ بناء جدار الفصل التابع للعدو الإسرائيلي عام 2002- إلى منطقة معزولة، بعدما حاصرها الجدار من ثلاث جهات، وفصلها عن محيطها المقدسي، ولم يبق لها سوى مدخل واحد باتجاه مدينة رام الله.

أحدث فصول الهدم في رافات استهدف منزلًا مكونا من غرفتين ومطبخ ودورة مياه، من دون سابق إنذار، إلى جانب تسليم إخطارات لمنشأتين أخريين، من بينها قطعة أرض تضم غرفة غير مسقوفة وسورا وشبكا معدنيا، بذريعة “مخالفة أنظمة البناء” التي يفرضها العدو الإسرائيلي. يقول رئيس مجلس قروي رافات، صادق جبر، إن البلدة تلقت خلال الفترة الماضية أكثر من ثلاثين إخطارا بوقف البناء وأوامر هدم، معتبرا أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سياسة تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين، ومنع امتدادهم العمراني والديمغرافي، ودفعهم إلى الرحيل عن أرضهم، لكنه يضيف: “لا نملك خيارا سوى الصمود على أرضنا”.

وتعد رافات إحدى بوابات محافظة القدس الشمالية، وتبلغ مساحتها نحو أربعة آلاف دونم، إلا أن سلطات العدو الإسرائيلي صادرت أكثر من 1200 دونم من أراضيها لإقامة الجدار الفاصل ومعسكر “عوفر”، كما حرم الجدار الأهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، إضافة إلى القيود المفروضة على تنفيذ مشاريع التطوير والخدمات، ولا سيما في المناطق المصنفة “ج” وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة للسيطرة الإدارية والعسكرية الكاملة للعدو الإسرائيلي.

ولا يختلف واقع رافات عن بلدات وأحياء أخرى في محافظة القدس، التي تشهد تصاعدا في عمليات الهدم والإخطارات، بالتوازي مع توسع المشاريع الاستيطانية ومصادرة الأراضي في المدينة ومحيطها.

الهدم: من إزالة المنزل إلى مصادرة الأرض

وفق دائرة الإعلام في محافظة القدس، فإن عمليات الهدم في محافظة القدس شهدت منذ بداية عام 2026 تصعيدا غير مسبوق، واصفا ذلك بأنه “تحول دراماتيكي” في سياسة العدو الإسرائيلي تجاه المدينة، وأضاف أن العدو الإسرائيلي نفذ -منذ مطلع العام- نحو 300 عملية هدم وتجريف، وأجبر العديد من الأهالي على تنفيذ هدم ذاتي، وطالت هذه السياسات منازل سكنية ومنشآت تجارية وزراعية، بالتوازي مع إصدار مئات الإخطارات المتعلقة بالهدم ووقف البناء والإخلاء.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار سياسة تستهدف “إفراغ القدس من سكانها الفلسطينيين، وتحقيق تغيير ديمغرافي لصالح المستوطنين، إلى جانب الاستيلاء على الأراضي لخدمة المشاريع الاستيطانية وإبقائها مناطق احتياط لمخططات مستقبلية، بما يمنع الفلسطينيين من استثمارها أو البناء عليها”.

ولا تنتهي سياسة الهدم بإزالة المنازل، بل تمتد إلى السيطرة على الأرض نفسها؛ ففي حي البستان ببلدة سلوان تمنع سلطات العدو الإسرائيلي أصحاب المنازل المهدمة من إزالة الركام أو استصلاح الأراضي، قبل أن تصدر لاحقا أوامر بمصادرتها لمدة خمس سنوات بحجة إقامة مشاريع، مثل مواقف الحافلات أو ما يعرف بـ”حدائق الملك داود”.

وتضيف دائرة الإعلام في محافظة القدس أن أهداف عمليات الهدم تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تصب جميعها في خدمة المشروع الاستيطاني؛ ففي حي البستان ترتبط بالمشاريع السياحية والاستيطانية، بينما تتركز في التجمعات البدوية شرق القدس ضمن مشاريع كبرى، أبرزها مشروع “إي 1” وشارع “نسيج الحياة”، كما لا تقتصر العمليات على الأحياء الواقعة داخل مدينة القدس، بل توسعت إلى البلدات الواقعة خارج جدار الفصل، حيث تشهد بلدة حزما شمال شرق القدس عمليات تجريف للأراضي الزراعية، وهدم غرف زراعية، وإغلاق طرق مؤدية إلى التجمعات البدوية، في إطار سياسة تهدف إلى عزل البلدة وتشديد القيود على حركة سكانها.

من جهته، يشير مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود، إلى 551 عملية هدم داخل حدود بلدية العدو الإسرائيلي في القدس وخارجها منذ السابع من أكتوبر 2023، أسفرت عن تدمير 1311 منشأة، منها 399 منشأة سكنية مأهولة، ونحو 80 غير مأهولة، إضافة إلى قرابة 400 منشأة زراعية، وغيرها. واعتبر داود أن ذلك “يندرج ضمن منظومة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل مدينة القدس وتهويدها ومحيطها جغرافيا وديمغرافيا”.

كفر عقب: هدم تحت عنوان إزالة التعديات

في شمال القدس، تتعرض بلدة كفر عقب لاقتحامات متواصلة من قوات العدو الإسرائيلي ضمن عملية أطلق عليها اسم “درع العاصمة” بذريعة “إنفاذ القانون وإزالة التعديات" حسب زعمه، وخلال هذه الحملات، اعتلى قناصة العدو الإسرائيلي العمارات السكنية، وانتشرت القوات على الأرض، وباشرت معدات الهدم مهامها، ووفق محافظة القدس، فإن الحملة -التي توسعت لتشمل بلدة حزما شمال شرق المدينة بعد تطويقها وإغلاق مداخلها- أسفرت عن هدم 40 منشأة، تركز معظمها في شارع المطار المحاذي للجدار الفاصل بين كفر عقب شمالا ومطار القدس جنوبا، على امتداد نحو كيلومتر ونصف.

وتحذّر مسؤولة ملف مقاومة الهدم في محافظة القدس لدكتورة تهاني اللوزي من “الاقتلاع الممنهج” الذي يواجه المواطنين الفلسطينيين في كفر عقب وعموم المحافظة، ولا سيما المناطق الشمالية، عبر سلسلة إخطارات وقف عمل، وهدم بحجة عدم الترخيص، وكانت سلطات العدو الإسرائيلي قد اقتحمت كفر عقب وسلمت الأهالي 22 إخطارا بهدم منازلهم خلال سبعة أيام، في خطوة تكررت بحق منازل أخرى سابقا. وتقول المسؤولة الفلسطينية إن الإخطارات بوقف العمل والبناء تتحول لاحقا إلى قرارات هدم مباشر، في ظل تعنت العدو الإسرائيلي ورفضه منذ عام 2023 حتى اليوم إصدار أي رخصة في محافظة القدس، سواء داخل جدار الفصل أو خارجه، حيث “يعد إصدار التراخيص صفريا في محافظة القدس”، وتضيف أنه مقابل حجب التراخيص عن الفلسطينيين يصدر العدو الإسرائيلي تراخيص بناء لآلاف الوحدات الاستيطانية والبؤر الاستيطانية التي تعمل بشكل التفافي في جغرافيا المحافظة، كما هو الحال في مناطق جبع والرام شمالا وجنوب شرق المدينة ضمن مشروع “إي 1”.

وتكمن خطورة الاستهداف الأخير في كفر عقب -بحسب المسؤولة- في أن القرار إداري وقضائي في الوقت نفسه، وبالتالي فإن الهدم قد يتم خلال سبعة أيام لمنازل يقطن عدداً منها أعداد كبيرة من السكان. وتشير إلى أن أكثر من 150 ألف نسمة -بينهم مواطنون من الضفة الغربية وما يزيد على ثلثيهم من حاملي الهوية المقدسية- يسكنون حي كفر عقب، لكن العدو الإسرائيلي يصنف المكان المستهدف بأنه يقع ضمن مناطق “ج” وفق اتفاق أوسلو، ويخضعه لسيطرته الإدارية والعسكرية الكاملة، ما يعني أن إنذار السكان سيقود إلى تشريد العديد من الأسر المقدسية.

كما أن المواطنين صامدون في أرضهم، ويسلكون المسارين القانوني والهندسي لتجميد عمليات الهدم والحصول على التراخيص اللازمة، خاصة أنهم ابتاعوا هذه الأرض وعمروها ليبقوا فيها، “لكن العدو الإسرائيلي يشن حربا جغرافية وديمغرافية على محافظة القدس” وفقاً لمسؤولة ملف مقاومة الهدم في محافظة القدس.

معاناة مصنوع قسرا

يتكدس المقدسيون بعشرات الآلاف في كفر عقب، التي تبعد نحو 13 كيلومترا شمال القدس وتبلغ مساحتها نحو خمسة كيلومترات ونصف، لكن الجدار الفاصل عزلها عن المدينة، وقد قدم أغلب سكان البلدة من أحياء المدينة وبلدات القدس الواقعة داخل الجدار، لأن أرض البلدة تخضع إداريا لحدود بلدية العدو الإسرائيلي في القدس، وهو ما يمكِّنهم من الحفاظ على بعض حقوقهم بوصفهم مقدسيين.

ويرد عضو مجلس بلدية كفر عقب، على ذريعة إزالة التعديات بالقول: “من يريد إزالة التعديات عن الشارع لا يخنق الناس ولا يجوعهم ولا يعيق حركتهم”. ويضيف: “من غير المعقول أن أتوجه إلى عملي صباحا فأجد الطريق مغلقة أمامي لأن جيش العدو الإسرائيلي يريد أن يهدم كشكا أو يحطم لافتة. ومن يريد فعلا الحفاظ على المواطن يحافظ على لقمة عيشه”.

 ويصف حال السكان قائلا إنه يقضي أربع ساعات يوميا في طريقه إلى العمل بسبب الأزمات المرورية الناجمة عن حاجز قلنديا التابع للعدو الإسرائيلي، ومثلها خلال العودة، مضيفا أن الاقتحامات وحملات الهدم والمداهمة الأخيرة زادت الوضع قسوة، ورغم ذلك، يؤكد أن هذا الواقع المفروض قهرا نتيجة سياسات طاردة داخل القدس لن يدفعه إلى الهجرة: “مهما ضيقوا علينا لن نرحل إلى أي مكان ولن نهاجر، وسنبقى ثابتين في أرضنا”.

ولا تقتصر الظروف القاسية على كفر عقب بأحيائها وحدها، بل تشمل عشرات آلاف المقدسيين الآخرين، خاصة في المناطق الواقعة خلف الجدار، وأبرزها مخيم شعفاط شرق المدينة بأحيائه الخمسة، حيث يقطن نحو 140 ألف مواطن يعانون بشكل شبه يومي من الاقتحامات العسكرية والاستهداف العشوائي وهدم المنازل وانعدام الخدمات.

وعن الظروف التي أدت إلى التكدس والاكتظاظ وبعض مظاهر الفوضى، يقول رئيس لجنة أحياء القدس الشمالية وأحد سكان كفر عقب، منير زغير، إنه حتى عام 2003 كانت البلدة تضم أربعة أحياء صغيرة هي: المطار، وزغير، وسميراميس، وكفر عقب، ويضيف أن البناء فيها كان “قانونيا ومرخصا”، وإن بلدية العدو الإسرائيلي منعت آنذاك إعطاء تراخيص لأكثر من ثلاثة طوابق لمالكي الأراضي، لكون البلدة كانت تجاور مطار القدس الدولي، ولا يمكن أن تضم مباني شاهقة لضمان سلاسة الإقلاع والهبوط. وفي العام ذاته -يسرد زغير- سلم ما يسمى رئيس بلدية العدو الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت المنطقة لجيش العدو الإسرائيلي، الذي أصبح يدير شؤونها على أساس أنها منطقة في محيط القدس. ومن هنا، بدأ البناء العشوائي لأن البلدية لم تمنح رخصا لأصحاب الأراضي، وأطلقت أيديهم للبناء كما يشاؤون، ليتضح أن الهدف “سياسي يرمي إلى تهجير أبناء البلدة القديمة والأحياء المحيطة بها إلى خلف الجدار الذي بدأ تشييده في تلك الفترة، وهو ما حصل بالفعل”.

ويضيف زغير: “بدأ البناء العشوائي الذي تنعدم فيه إجراءات الأمن والسلامة، ولم تحرك البلدية ساكنا، ومنذ نحو شهر يقتحمون المنطقة بادعاء إزالة التعديات عن الطريق”. ويتساءل: “من غض الطرف عن كل هذه المباني الشاهقة الخطرة؟ ألم يكن من الأولى متابعتها ومنع تشييد عشرات الأبراج غير الآمنة؟”.

وعن تضخم أعداد السكان، يشير زغير إلى أن عددهم لم يتجاوز 17 ألف نسمة عام 2005، لكنهم اليوم يفوقون 130 ألفا، منهم نحو 100 ألف من سكان البلدة يحملون بطاقة الهوية الزرقاء الصادرة عن سلطات العدو الإسرائيلي، وكتب في خانة العنوان بهوياتهم الشخصية “كفر عقب”، بالإضافة الى أن عشرين ألفا من السكان يحملون عنوان “البلدة القديمة” في القدس في هوياتهم، لكنهم اشتروا شققا سكنية خلف الجدار ويعيشون في الحي، بالإضافة إلى عشرة آلاف نسمة من “الأزواج المختلطة”، حيث يحمل أحد الزوجين بطاقة الهوية الزرقاء والآخر هوية الضفة الغربية الفلسطينية الخضراء، وينتظرون إتمام معاملات لم الشمل لحصول الزوج القادم من الضفة على حق الإقامة في القدس.

وحسب مسؤول فلسطيني في الضفة: يتأثر بالاقتحام وعمليات جيش العدو الإسرائيلي بمحاذاة الجدار أصحاب 3600 مركبة وألف دراجة نارية يخرجون يوميا من منطقة كفر عقب للعمل في مركز المدينة مرورا بحاجز قلنديا، كما يعيق الاقتحام مرور 4500 مركبة من هذا المقطع الرئيسي من الشارع كل ساعة. ورغم أن السواد الأعظم من السكان مقدسيون يحملون الهوية الزرقاء ويلتزمون بدفع الضرائب، إلا أن الخدمات توصف في أفضل الأحوال بأنها “رديئة”، من ناحية البنية التحتية وخطورة الشوارع وانعدام الأرصفة، وإجراءات الأمن والسلامة في المباني، وقضية جمع النفايات التي ما تزال تشكل معضلة.

 يقول مواطن فلسطيني في شهادة حية: “تحرق النفايات بعد تكدسها وتنبعث منها غازات وأبخرة سامة، وما تزال تلقى على جوانب الشوارع، بسبب خلل في الميزانية؛ إذ يشكل سكان كفر عقب 16% من إجمالي سكان المدينة، وتقتصر خدمات البلدية على 7.5% من سكان البلدة فقط بسبب مشكلة العنوان في الهوية، ولأن السكان في مناطق خلف الجدار مهمشون أيضا”، ويختم بأن جيش العدو الإسرائيلي يقتحم المنطقة ويعامل المواطنين بـ”لؤم واستحقار” رغم تعديه على أراضيهم، معتبرا أن ذلك “إجرام وعقاب جماعي ينفذ تحت غطاء إزالة التعديات، وما ذلك سوى افتراءات مرفوضة محليا ودوليا على كل الأصعدة”.

الجدار والحواجز: تقطيع الضفة إلى معازل

لا تعمل سياسات الهدم والاستيطان بمعزل عن منظومة الحواجز والجدار، فوفق مسؤولين فلسطينيين يفرض العدو الإسرائيلي نظاما من الحواجز العسكرية في محيط بلدات القدس، تفتح وتغلق بتعليمات منه، ما يجعل حياة الفلسطينيين رهينة سياسة العقاب الجماعي، خاصة في ظل غياب طرق بديلة أو التفافية يمكن للمواطنين سلوكها.

ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ينشر العدو الإسرائيلي في القدس ومحيطها 82 حاجزا عسكريا وبوابة حديدية، حولت بلدات وقرى المحافظة إلى معازل، أما الجدار العازل فيبلغ ارتفاعه في مقطع القدس ثمانية أمتار، ويصل طوله إلى نحو 168 كيلومترا، منها خمسة كيلومترات تتبع الخط الأخضر داخل أراضي عام 1948، ويمتد بطول 22 كيلومترا داخل عمق الضفة الغربية، بحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. هذه الأرقام ترسم طريقة حكم كاملة حيث يجري تحويل الحركة اليومية إلى عقوبة، وعزل القرى عن مدنها، ومنع التواصل الطبيعي بين التجمعات الفلسطينية، بما يجعل الضفة الغربية شبكة من الجزر المفصولة بالبوابات والحواجز والطرق المخصصة للمغتصبين.

 

استيطان متسارع: من “إي 1” إلى “القدس الكبرى”

على الصعيد الاستيطاني، تفيد معطيات محافظة القدس بأن سلطات العدو الإسرائيلي صادقت منذ مطلع عام 2026 على 21 مشروعا استيطانيا في محافظة القدس، تشمل بناء 2435 وحدة استيطانية. أما خلال السنوات الخمس الماضية فبلغ عدد المشاريع التي أقرت 130 مشروعا، تضمنت إنشاء 28.706 وحدات استيطانية، في مؤشر على تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني في القدس ومحيطها.

ووفق مسؤول فلسطيني فإن أبرز المشاريع الاستيطانية التي تستهدف جغرافيا القدس هو مخطط “إي 1”، الذي لا يقتصر تأثيره على مدينة القدس وحدها، بل يمتد ليطال مجمل الضفة الغربية، باعتباره مشروعا يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، وقطع إمكانية قيام تواصل جغرافي فلسطيني مع القدس. وتشير التقارير الفلسطينية الرسمية إلى أن المشروع يأتي ضمن تصور أوسع يعرف بـ”القدس الكبرى”، الذي يسعى العدو الإسرائيلي من خلاله إلى توسيع حدود بلدية العدو الإسرائيلي في القدس حتى مشارف البحر الميت، عبر دمج ثلاث كتل استيطانية رئيسية ضمن محيط المدينة، هي معاليه أدوميم شرقا، وجفعات زئيف شمالا، وغوش عتصيون بين بيت لحم والخليل جنوبا. ويضيف أن ضم كتلة معاليه أدوميم إلى حدود بلدية العدو الإسرائيلي يشكل الركيزة الأساسية لهذا المخطط، لما يمنحه من قدرة على إحكام السيطرة على المنطقة الشرقية للقدس وربط المستوطنات المقامة فيها بالمدينة.

 

وفي استخدام الاستيطان كأداة تغيير داخل حدود بلدية العدو الإسرائيلي في القدس، يوضح المسؤولون الفلسطينيون أن المعركة تأخذ بعدا ديمغرافيا بالدرجة الأولى، مشيرين إلى أن العدو الإسرائيلي يعتمد على “سياسات بطيئة لتغيير تركيبة المدينة”، تشمل -إضافة إلى هدم المنازل- التوسع في إنشاء الأحياء الاستيطانية والتمييز في التخطيط العمراني. وفي هذا السياق، يحصل المغتصبون على تسهيلات واسعة في البناء، عبر المصادقة على المخططات ومنح رخص البناء، في حين يواجه الفلسطينيون قيودا مشددة تحول دون حصولهم على التراخيص، إضافة إلى فرض ضرائب طائلة ورسوم وإجراءات معقدة؛ الأمر الذي يدفع كثيرا منهم إلى البناء دون ترخيص ومواجهة خطر الهدم لاحقا. وتؤدي هذه السياسة إلى “اختلال ديمغرافي يخدم تعزيز الوجود اليهودي في القدس”، بالتوازي مع التضييق على الأحياء الفلسطينية ومحاولة فصلها عن بعضها عبر مشاريع استيطانية وبنى تحتية جديدة. أما خارج حدود بلدية العدو الإسرائيلي، فإن الهدف يتمثل في إعادة رسم الجغرافيا المحيطة بالقدس، عبر ربط المغتصبات بعضها ببعض، وتمزيق التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وصولا إلى خلق امتداد جغرافي للعدو الإسرائيلي باتجاه البحر الميت.

طريق “نسيج الحياة” مشروع فصل وعزل

يشكل مشروع شارع “نسيج الحياة” جزءاً أساسيا من مخطط “إي 1”، ولا يمكن النظر إليه كمشروع بنية تحتية منفصل، بل كأداة لإعادة تنظيم حركة الفلسطينيين بما ينسجم مع التوسع الاستيطاني في المنطقة الشرقية للقدس. ويتكون المشروع من مقطعين؛ أنجز الجزء الأول خلال السنوات الماضية، بينما بدأ العمل في المقطع الثاني -وهو الجزء الأكثر خطورة- في أغسطس 2025، باعتباره حلقة أساسية في منظومة الطرق التي يسعى العدو الإسرائيلي من خلالها إلى تعزيز سيطرته على محيط القدس.

كما أن الفلسطينيين كانوا يستخدمون تاريخيا شارع رقم (1) الذي يربط بين مدن بيت لحم وأريحا مرورا بالقدس، إلا أن مخطط العدو الإسرائيلي يهدف إلى حصر استخدام هذا الطريق بالمغتصبين، مقابل نقل حركة الفلسطينيين إلى شارع “نسيج الحياة”، الذي يمر عبر مناطق عناتا والزعيم وصولا إلى محيط معاليه أدوميم، وهذا التغيير سيجعل الشارع الجديد المسار الرئيسي لحركة الفلسطينيين بين شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها، رغم افتقاره إلى البنية التحتية المناسبة مقارنة بالطريق الذي سيخصص للمغتصبين اليهود، بما يكرس واقعا من الفصل في استخدام الطرق بين الفلسطينيين والمغتصبين.

وفي سياق توسيع الكتلة الاستيطانية شرقي القدس شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة عمليات واسعة لمصادرة الأراضي، كان أبرزها مصادرة نحو 2600 دونم من أراضي بلدات أبو ديس والسواحرة والعيزرية في المنطقة الفاصلة بين مغتصبتي كيدار ومعاليه أدوميم، بهدف ربط الكتلتين استيطانيا، كما صادر العدو الإسرائيلي نحو 500 دونم من أراضي بلدة جبع شمال القدس لصالح مغتصبة جيفع بنيامين، إضافة إلى نحو 2300 دونم من أراضي العيزرية وأبو ديس منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتأتي هذه المصادرات ضمن مسار تعزيز كتلة معاليه أدوميم واستكمال أهداف مخطط “إي 1”.

تهجير البادية: الخان الأحمر حامية القدس

عن التهجير كأداة للتغيير الديمغرافي والجغرافي، يحذر مسؤولون فلسطينيون من أن التجمعات البدوية في شرق القدس ما تزال من أكثر المناطق عرضة لخطر التهجير، كونها تقع في قلب مخططات العدو الإسرائيلي المرتبطة بمشروع “إي 1”.

ويمثل ملف الخان الأحمر نموذجا واضحا لهذه السياسة، إذ أبقت محكمة العدو الإسرائيلي العليا عام 2018 على قرار هدم التجمع، رغم تأجيل التنفيذ نتيجة الضغوط والمواقف القانونية الدولية التي تعتبر التهجير القسري في الأراضي الفلسطينية مخالفا للقانون الدولي. ويقول مسؤول فلسطيني: “التهديد لم ينته، بل بقي أداة ضغط مستمرة”، مشيرا إلى تصريحات مسؤولين لدى العدو الإسرائيلي خلال الفترة الماضية بشأن تنفيذ عمليات هدم بحق التجمعات البدوية، إضافة إلى طرح مخططات جديدة لنقل السكان إلى مواقع محددة.

ويقضي أحد هذه المخططات بإقامة وحدات سكنية قرب مكب نفايات الزعيم، في موقع يعرف باسم “حي شامي”، بهدف تجميع سكان التجمعات البدوية في مكان واحد، تمهيدا لإخلاء مناطقهم الأصلية الواقعة ضمن نطاق المشاريع الاستيطانية.

وما يجري في بادية القدس يأتي ضمن سياسة تهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وفتح المجال أمام توسيع المستوطنات وربطها بمدينة القدس، ويؤكد أن عمليات التهجير القسري تصاعدت منذ السابع من أكتوبر 2023 في مناطق شرق رام الله والأغوار الشمالية وبعض مناطق بيت لحم. ورغم أن منطقة القدس لم تشهد حتى الآن عمليات تهجير واسعة للتجمعات البدوية، فإن مسؤولون ومؤسسات فلسطينية يحذرون من أن استمرار حكومة العدو الإسرائيلي الحالية في تنفيذ مخططاتها قد يؤدي إلى تصعيد الإجراءات ضد هذه التجمعات خلال المرحلة المقبلة.

قلنديا وعطروت: قطع الممر الشمالي

في سياق متصل، تتواصل التحذيرات الفلسطينية من المخططات الاستيطانية التي تستهدف منطقة قلنديا شمال القدس، وتؤكد التقارير أن المنطقة تواجه مخططين رئيسيين: السيطرة على مطار قلنديا الدولي، والمنطقة الصناعية في عطروت.

وتشير التقارير الفلسطينية إلى أن سلطات العدو الإسرائيلي طرحت قبل نحو ثلاثة أشهر مخططا لإقامة مغتصبة جديدة تضم نحو تسعة آلاف وحدة استيطانية، موضحة أن المخطط خضع للدراسة قبل أن يسحب مؤقتا دون المصادقة عليه، لكنه يرى أن ذلك لا يعني التخلي عنه، بل قد يكون تمهيدا لإعادة طرحه في مرحلة لاحقة. كما أن محاولات السيطرة على منطقة عطروت ومطار قلنديا مستمرة منذ سنوات، ويتمثل الهدف في إنشاء كتلة استيطانية كبيرة تربط المنطقة الصناعية بالمطار، وتعيد تشكيل المجال الجغرافي شمال القدس، وبذلك فإن عمليات الهدم التي تشهدها بلدتا قلنديا وكفر عقب لا يمكن فصلها عن هذه المخططات، إذ تأتي ضمن مسار يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المنطقة وتهيئة الأرض لمشاريع استيطانية مستقبلية، بما يعزز سيطرة العدو الإسرائيلي على أحد أهم الممرات الجغرافية في وسط الضفة الغربية.

“تسوية الأراضي”: المشروع الأخطر بصمت

إلى جانب أدوات الخنق والهيمنة السابقة فإن أحد “أخطر” الملفات التي تواجه المقدسيين هو مشروع تسوية الأراضي، رغم محدودية الحديث عنه إعلاميا، فالملف مر بمراحل تاريخية خلال العهد العثماني والانتداب البريطاني والإدارة الأردنية، لكنه بقي معلقا منذ سيطرة العدو الإسرائيلي على القدس عام 1967، قبل أن يعيد العدو الإسرائيلي تفعيله عام 2018. وفكرة المشروع الظاهرية هي إعادة تنظيم ملف الأراضي والعقارات وتحويلها إلى ملكيات خاصة ضمن خطة خماسية بلغت ميزانيتها نحو 12 مليار شيكل (نحو 4 مليارات دولار). ولم يحقق المشروع الأهداف التي حددها العدو الإسرائيلي بحلول عام 2023، لذلك جرى تمديده، مع تركيز العمل على المناطق التي يمنحها العدو الإسرائيلي أهمية "دينية" وتاريخية ضمن ما يسمى “الحوض المقدس”، قبل أن يمتد لاحقا إلى أحياء أخرى مثل بيت حنينا وشعفاط.

ويشير مسؤولون فلسطينيون إلى أن سلطات العدو الإسرائيلي تمنح أصحاب الأراضي مهلا لتسجيل ممتلكاتهم، وفي حال عدم استكمال الإجراءات تصنف الأراضي باعتبارها “أملاك غائبين”، ما يتيح وضع اليد عليها، خاصة أن جزءا كبيرا من الأراضي الفلسطينية في القدس لم يسجل رسميا بسبب تعقيدات تاريخية مرتبطة بملكية الأراضي. واستكمال مشروع التسوية قد يجعل مساحات واسعة من أراضي القدس عرضة للمصادرة تحت ذريعة “أملاك الغائبين”، في وقت يواصل فيه العدو الإسرائيلي توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض.

الضفة كلها في مرمى سياسة واحدة

وجميع هذه الوسائل التي يعتمدها العدو الإسرائيلي تعد حلقات في مشروع واحد، فالجدار يعزل، والحواجز تقطع، والهدم يطرد، و”منع التراخيص” يدفع إلى البناء تحت التهديد، والاستيطان يلتهم الأرض، و”إي 1” و”نسيج الحياة” يفصلان الشمال عن الجنوب، وتسوية الأراضي تفتح باب المصادرة القانونية، وتهجير البدوي يفرغ المنطقة الشرقية من سكانها.

وهكذا يتحول الخنق اليومي إلى هندسة سياسية وجغرافية طويلة الأمد تؤدي الى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس ومحيطها، وتهويد الأرض، ومنع أي تواصل عمراني أو اقتصادي أو وطني بين مدن الضفة، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق وبنية تحتية تجعل المغتصبات جزءا من عمق العدو الإسرائيلي.