موقع أنصار الله . تقرير
تتالت في الآونة الأخيرة التحقيقات الاستقصائية والتقارير الإعلامية التي تكشف حجم التورط السعودي -بقيادة محمد بن سلمان- في دعم الكيان الإسرائيلي خلال العدوان على قطاع غزة. هذه التقارير، التي نشرتها جهات غربية وإقليمية، ترسم صورة قاتمة لدولة طالما رفعت شعار "الدفاع عن القضية الفلسطينية"، لتتحول عملياً إلى شريك لوجستي وعسكري ومالي في واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي.
في يوليو 2025، كشفت صحيفة "ذي ديتش" (The Ditch) الاستقصائية الأيرلندية عن شحنة فولاذ عسكري هندي تم نقلها إلى ميناء حيفا بفلسطين المحتلة عبر سفينة سعودية. السفينة "فُلك الدمام"، المملوكة لشركة "فُلك البحرية" التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يرأسه محمد بن سلمان شخصياً، قامت بنقل 75 حزمة من الفولاذ العسكري من اليونان إلى "إسرائيل".
اللافت أن السفينة كانت قد اشترتها السعودية في مايو 2025، وغيرت اسمها من "فيغا كوليني" إلى "فُلك الدمام". وبعد أيام فقط من رفع العلم السعودي عليها، كانت السفينة قد زارت موانئ فلسطين المحتلة في أشدود وحيفا. هذا التوقيت يشير -بحسب التحقيقات- إلى تخطيط مسبق وتعمد واضح لإخفاء مسار الشحنات العسكرية.
وفي أغسطس 2025 شهد ميناء جنوة الإيطالي حادثة مماثلة عندما اعترض عمال الميناء سفينة الشحن السعودية "بحري ينبع"، ليكتشفوا أنها محملة بأسلحة ومتفجرات وذخائر ومركبات مدرعة ودبابات أمريكية الصنع، كانت متجهة إلى العدو الإسرائيلي.
لم يقتصر الدعم السعودي على النقل البحري، بل امتد ليشمل تزويد العدو الإسرائيلي بالنفط الخام. فبحسب تحقيق نشرته صحيفة "الغارديان" (The Guardian) البريطانية ومنظمة "أويل تشينج إنترناشيونال" (Oil Change International) في مارس 2024، فإن النفط السعودي يصل إلى "إسرائيل" بانتظام عبر خط أنابيب "سوميد" إلى مصر، ليتجاوز بذلك الحصار البحري الذي فرضه اليمنيون على الملاحة الإسرائيلية.
وأكدت المنظمة أن السعودية والإمارات ومصر هي الدول العربية الوحيدة التي تزود "إسرائيل" بالنفط أثناء حربها على غزة، وأن هذا النفط يُستخدم كوقود للطائرات والدبابات التي تقصف القطاع. هذه الشحنات النفطية مثلت تحولاً جذرياً في السياسة السعودية التي رفضت في مرحلة سابقة استخدام النفط لدعم الاحتلال.
في يناير 2024، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن طريقٍ بديل سهلته السعودية للالتفاف على الحصار البحري اليمني، فبدلاً من الدوران حول أفريقيا، قامت شركات الشحن الإسرائيلية بتفريغ حمولاتها في موانئ الخليج العربي، ومن ثم تنقلها شاحنات سعودية وأردنية مباشرة إلى الكيان الإسرائيلي، وهذا الممر البري، الذي أشادت به الصحيفة العبرية واعتبرته "شيئاً جميلاً من جانب السعودية"، أتاح لـ"إسرائيل" تقليص زمن الشحن من 60 يوماً إلى 20 يوماً فقط، وخفض تكاليف النقل بشكل كبير، وأتى هذا في الوقت الذي عجزت فيه الدول العربية مجتمعة على إدخال كسرة خبز إلى غزة.
وفقاً لتقارير نشرتها صحف "وول ستريت جورنال" و"ديلي ميل" و"فوربس"، امتد التعاون السعودي-الإسرائيلي ليشمل المجالين الاستخباراتي والعسكري. ففي أكتوبر 2023 اعترضت الدفاعات الجوية السعودية ذخائر يمنية كانت موجهة نحو "إسرائيل"، وفي أبريل 2024، شاركت المملكة في تبادل معلومات استخباراتية حساسة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ساهمت في اعتراض الهجمات الإيرانية على العدو الإسرائيلي. وفي خطوة أكثر خطورة، كشفت تحقيقات منظمة "هو بروفيتس" (Who Profits) وصحيفة "ذا كريدل" (The Cradle) عن تورط صندوق الاستثمارات العامة السعودي في تمويل المغتصبات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، فقد استثمر الصندوق في 2024 ملياري دولار في شركة "أفينيتي بارتنرز" التابعة لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقامت هذه الشركة -بدورها- بشراء حصص في شركات إسرائيلية مرتبطة مباشرة بالاستيطان والصناعات العسكرية الإسرائيلية، منها: (مجموعة شيكون أند بينوي: تبني المغتصبات والقواعد العسكرية في الضفة الغربية والقدس المحتلة / شركة أحواض بناء السفن الإسرائيلية: تنتج زوارق صواريخ تستخدم في حصار غزة / مجموعة فينيكس المالية: تمول مشاريع استيطانية ومراكز تجارية في مستوطنات غير قانونية / شركات أمنية وبنى تحتية: تدير نقاط التفتيش وتبني الطرق الالتفافية للمغتصبين).
وإلى جانب الدعم اللوجستي والعسكري، تنتهج السلطات السعودية سياسة "الاغتيال المعنوي" للمقاومة الفلسطينية عبر الإعلام الرسمي والمنصات التابعة لها، وتهدف هذه السياسة إلى تشويه صورة المقاومين والمجاهدين الفلسطيني، تمهيداً للتطبيع الكامل مع العدو الإسرائيلي.
تؤكد هذه التطورات أن التطبيع السعودي-الإسرائيلي أصبح حقيقة واقعة تُمارس على الأرض. ففي يونيو 2025 ظهرت صور محمد بن سلمان إلى جانب نتنياهو وترامب في حملة دعائية ضخمة في قلب "تل أبيب"، اعتبرته "الجائزة الكبرى" في مسار التطبيع. وقد سبق ذلك تصريح محمد بن سلمان بأن القضية الفلسطينية "ليست أولوية" بالنسبة له.
وتكشف هذه الوقائع -مجتمعة- عن تحول جذري في السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية، فبدلاً من استخدام النفط كسلاح للضغط على حلفاء العدو الإسرائيلي، سخّر محمد بن سلمان ثروات المملكة وإمكانياتها اللوجستية والعسكرية والاستخباراتية لخدمة العدو الإسرائيلي في أحلك لحظات القضية الفلسطينية.
وبينما يواصل الفلسطينيون في غزة مواجهة حرب إبادة جماعية، اختارت الرياض الاصطفاف في المعسكر المقابل، مقدمة بذلك نموذجاً صادماً للخذلان والخيانة لقضايا الأمة.