موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
مر العدوان على الشعب اليمني بمراحل متعددة، وتنوعت أدواته واشكاله في الاستهداف؛ وعلى مدى سنوات طويلة من الصراع، تراكمت تفاصيل معقدة جسدت بمجملها أقصى درجات الضغط الممزوج بالطموحات الإقليمية والهيمنة الدولية. لم تكن العمليات العسكرية المباشرة إلا واحدة ضمن منظومة الكاملة من التحركات والإجراءات الهادفة إلى تهيئة كل فرص النجاح لإحداث الأذى وتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية لليمن تمهيدا لبسط اليد عليه.
كان المخطط يقوم على استثمار تراكم آثار هذه الضغوط الشاملة لخلخلة الصلابة التي يتسم بها المجتمع اليمني. غير أنه، ومع تكرار الاختبارات والقسوة المفرطة، أظهر الشعب اليمني ثباتاً استثنائياً سطر خلاله للبشرية ملحمة الصمود، بينما ظل العدو يستنزف قدراته بانتقالاته من مخطط إلى آخر دون تحقيق أي إنجاز.
لم يتبع المسار العسكري للعدوان منحنى تصاعدياً، بل بدأ منذ يومه الأول عنيفا وجريئا عكَس قوة النوايا المبيتة. تجسدت تحولات هذا المسار بالانفتاح على كافة الخيارات العسكرية دون مراعاة لقيود أو خطوط حمراء، لتنفتح قائمة الأهداف على كل شيء، وتطال المنشآت الحيوية ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين اليومية. ​منح الاستمرار في هذه العشوائية المتابعين والمراقبين انطباعاً راسخاً بأن ما يجري ليس إلا عدوانا عبثياً لا معنى له ولا طائل منه، ما وضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني كشف حدود فعاليته في التعاطي مع الانتهاكات الصريحة للقوانين والمواثيق الدولية على يد الطواغيت.

​المسار العسكري والكلفة الإنسانية

​تضمن المسار العسكري -بالتزامن مع القصف المتواصل- جولات مكوكية مكثفة وصفقات تسليح ضخمة مع عواصم الدول المصنعة للسلاح، أفضت إلى تدفق كميات كبيرة من المنظومات التسليحية المتنوعة والحديثة إلى المنطقة، والتي انعكست آثارها ميدانياً على الواقع اليمني. وفي ظل الاكتفاء بالرصد والبيانات الشكليّة، وثقت العديد من الجهات الحقوقية انتهاك الهجمات السعودية والأمريكية للقانون الدولي؛ حيث أُستخدمت أسلحة وذخائر ذات تأثير واسع النطاق في مناطق مأهولة بالسكان وعلى الأعيان المدنية.
​وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقارير ميدانية متعددة استخدام ذخائر عنقودية وأسلحة ذات "أثر غير تمييزي"، مؤكدة أن تزويد التحالف "بالأسلحة المتقدمة، رغم الأدلة المتزايدة على ضرب أهداف مدنية، جعل الدول الموردة عرضة للاتهام بالشراكة في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني."
​لم يصل قتل النساء والأطفال بالتحالف إلى تحقق الغايات السياسية المرجوة من العمليات؛ ومع استهداف المنشآت الحيوية الخدمية والبنى التحتية، تعززت القناعة لدى القطاعات الشعبية بأن المنحى العسكري تجاوز العناوين المعلنة المرتبطة بما تُسمى "الشرعية"، ليتخذ طابع الإرغام وإخضاع البلد والشعب لإرادة الرياض وواشنطن. وأدى هذا الإدراك إلى رد فعل شعبي وميداني رافض لأي تدخل خارجي في شؤون إدارة الدولة أو المساس بسيادتها الوطنية، ما حشر الأطراف الدولية والإقليمية في مربعات معقدة من المواجهة الاستنزافية.

​التجويع كأداة ضغط سياسي

​إلى جانب العمليات العسكرية، برز الحصار والتدابير الاقتصادية كأحد أكثر أشكال الضغط قسوة وتأثيراً على حياة الناس؛ حيث أدى تقييد حركة الموانئ والمطارات إلى نقص حاد في المواد الأساسية، كالمشتقات النفطية، والأدوية، والمستلزمات الطبية، والسلع الغذائية، ما تسبب في أزمات معيشية متلاحقة عمت مختلف المحافظات.
​أما على الصعيد المالي، فقد شهد القطاع الاقتصادي استهدافاً مبكراً للمؤسسات النقدية، تمثل أبرز مظاهره في إعلان أمريكا الحرب على العملة الوطنية، ثم نقل الوظائف المالية للبنك المركزي، وتوقف صرف مرتبات موظفي القطاع العام، وتشتت السياسات النقدية. وهي إجراءات انعكست تداعياتها بشكل أعمق على القوة الشرائية والاستقرار المعيشي للمواطنين في مختلف المناطق.
​يؤكد تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تحت عنوان "تقييم أثر الصراع في اليمن": "إن الحرب الاقتصادية والقيود الواردة على التجارة والأنشطة المالية تسببت في أضرار تراكمية تفوق في أثرها العمليات العسكرية المباشرة؛ حيث دفع انقطاع المرتبات وتدهور سعر الصرف بملايين السكان إلى أتون الفقر المدقع، ما جعل الأزمة الإنسانية في اليمن إحدى أكبر الأزمات على مستوى العالم".
​ورافق هذا الضغط الاقتصادي نشاط استخباري مكثف ومحاولات لتشكيل خلايا أمنية وتوظيف الحملات الإعلامية؛ بهدف التأثير على الجبهة الداخلية ومس النسيج الاجتماعي. وبالتوازي، أظهرت المواقف الصادرة عن مجلس الأمن الدولي عجزاً متكرراً عن إيجاد حلول جذرية، أو إلزام أطراف التحالف بالقتال بشرف على أقل تقدير، وتجنب الممارسات التي تمس حياة الناس، ما أضعف الثقة بالمنظومة الدولية ودورها الـ"راعي للسلام".

​الوعي ومفاجأة التحول الاستراتيجي

​اعتمدت استماتة المجتمع اليمني في تجاوز هذه التحديات والضغوط على وعي شعبي واسع بطبيعة المخططات والاستهداف الشامل؛ حيث التفّت قطاعات واسعة خلف القيادة والجيش في حالة ثبات مجتمعي ساهمت في إسقاط أوراق الضغط تباعاً. ومن هنا، فإن العودة اليوم إلى إعادة إنتاج أدوات التصعيد القديمة باتت تشير إلى حالة من العجز عن فرض واقع جديد، وتؤكد أن الاستهداف العشوائي للمنشآت والقطاعات الخدمية ليس إلا تعبيراً عن انسداد الخيارات لدى القوى الاستعمارية.
​لا يجيد اليمنيون "الفهلوة" وسحر عيون المراقبين، ولا يمتلكون الصفات الخارقة للطبيعة، وإنما يمتلكون قوة الإيمان وصدق التوجه مع عدالة القضية؛ ولذلك تعاملوا مع كل التحديات انطلاقاً من أن تقصيرهم وخضوعهم أمر لا يستقيم مع طبيعة منطلقاتهم الدينية والأخلاقية. ولم تكن القوة اليمنية الرادعة مبنية على رفاهية الموارد أو الاستئثار بالتكنولوجيا المعقدة، بل ارتكزت على وعد الله سبحانه وتعالى بنصر المستضعفين، ثم الأخذ بالأسباب؛ فكان في ذلك مظاهر إعجازية تبددت فيها كل الهالات التي ظلت تحيط بقوى الاستكبار.
​وعلى هذا الأساس، قدم اليمنيون نموذجاً بارزاً في التمسك بالحقوق المشروعة، لم يقتصر على الصمود والتحمل والتكيف وامتصاص تداعيات العدوان والحصار، بل تجاوز ذلك إلى مفاجأة المراقبين بقدرات عسكرية وردعية غير متوقعة، غيّرت حسابات الصراع الإقليمي والدولي، وحركت جمود المعادلات التي حصرت القوة والقدرة على بعض القوى.
​يشير تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي في إحاطاته حول التطورات العسكرية في اليمن إلى أن: "القوات المسلحة تمكنت من تطوير قدراتها التسليحية والتكتيكية بصورة غير متوقعة، منتقلَةً من الدفاع التقليدي إلى امتلاك تقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ذات المدى البعيد، ما أدى إلى تغيير معادلات الردع وإرباك الحسابات الأمنية والعسكرية في المنطقة".
​وعلى مدى سنوات العدوان أثبتت المعطيات فشل الرهانات التكتيكية؛ فبينما كانت القراءات الدولية تتوقع وصول اليمن إلى حالة من الإنهاك الكامل و"الموات" الشامل تحت وطأة الحرب الاقتصادية والحصار، جاءت التحولات الميدانية لتعكس خطأ تلك التقييمات السطحية للتاريخ وللطبيعة الاجتماعية لليمن. وأوجد هذا التغيير واقعاً جديداً يفرض على القوى الفاعلة مراعاة الحسابات اليمنية في أي ترتيبات إقليمية آتية.

​تغير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية

​بات واضحاً لدى اليمنيين أن كلفة الخضوع والاستسلام أكبر بكثير من كلفة المواجهة والتصدي للمشروعات الخارجية. ولهذا السبب، أصبحت السعودية وأمريكا تقفان على أرضية رخوة، وهي ترصد نمو قدرات القوات المسلحة اليمنية وفرضها لمعادلات جديدة تسعى لاستعادة الحقوق المسلوبة وتثبيت السيادة الوطنية بالقوة.
​والواضح من كل ذلك أن أدوات الضغط المفرطة أدت إلى نتائج عكسية تماماً؛ فبدلاً من دفع اليمن لتقديم التنازلات والانخراط في مهادنة غير متكافئة، اتجه نحو بناء وتطوير أدوات ردع استراتيجية خلطت الأوراق السياسية والعسكرية. وولّدت هذه التطورات مفاهيم جديدة للصراع لا تعتمد على الوساطات الدولية، واستطاعت كسر هيبة المنظومات العسكرية التقليدية ومفهوم التفوق العددي والتكنولوجي المعتاد. أسفرت هذه التحولات عن نتائج تاريخية غير مسبوقة؛ تجلت في كسر أحادية الهيمنة البحرية والعسكرية للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، وإثبات محدودية فاعلية أنظمة الدفاع الجوي والترسانات المكلفة أمام الأساليب غير التقليدية. وامتدت آثار ذلك إلى استهداف مقومات العمالة للكيان الصهيوني، وفرض أشكال من المحاصرة الملاحية المؤثرة، فضلاً عن إيجاد أزمات في أسواق الطاقة العالمية نتيجة ضرب خطوط الإمداد والبنى التحتية الحيوية للنفط والغاز.
​كما كشفت هذه الأحداث عن وهم "مظلة الحماية الدولية" التي سوّقتها واشنطن لحلفائها في المنطقة عبر نشر القواعد العسكرية وتحصيل التريليونات من الدولارات؛ إذ تبين عند المفاصل الاستراتيجية والحسّاسة أن هذه الحماية تظل مشروطة ومرتبطة تماماً بالمصالح المحورية للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. وبهذا، رسّخ الصمود اليمني حقيقة مفادها أن الإرادة الوطنية والثبات على الحق قادران على إسقاط أعتى مخططات الهيمنة، وإعادة رسم الخارطة للمنطقة برمتها.