موقع أنصار الله  , تقرير | وديع العبسي

تداعٍ وتصدع متسارع يشهد عليه الواقع وتفرضه الوقائع على الأرض، ولا يزال العدو السعودي يقرأ المشهد بعين الكبر والتعالي، عاجزاً عن تشكيل الصورة الواقعية كما هي وفق المعطيات الميدانية والقدرة اليمنية على الوصول وإثبات الندية في التعامل مع نزعته العدوانية المنفلتة.

​إغلاق متكرر للمطارات يؤكد نجاح القوات المسلحة اليمنية في إحكام القبضة الميدانية المطلقة على الأجواء السعودية وفرض حظر جوي فعلي وشامل، باستثناء مطاري مكة المكرمة والمدينة المنورة، مع حظر بحري مستمر للملاحة. هذا الشلل التشغيلي المتزايد وتراجع معدلات الأمان في المرافق الجوية ومسارات الملاحة لا يعكس فقط تحولاً في موازين السيطرة، بل أعاد تعريف مفاهيم السيادة الجوية والبحرية في منطقة ظنت لسنوات أنها محصنة خلف أعتى منظومات التسليح الدفاعي ومظلات الحماية العابرة للحدود.

​توضح منصة "فلايت رادار 24" (المتخصصة في متابعة وتحليل الملاحة الجوية الدولية) بأنه قد لوحظ تغير حاد ومستمر في مسارات الطيران فوق أجواء المنطقة، مع تعليق متكرر للرحلات التجارية وتحويل مسار عشرات الطائرات بعيداً عن المطارات الرئيسية، نتيجة التهديدات المباشرة والمخاطر التشغيلية المرتفعة.

​شلل ميداني غير مسبوق

​لم يقتصر هذا الإرباك على حركة الطيران المدني والتجاري فحسب، بل امتد ليزعزع الثقة العميقة في القدرة الدفاعية السعودية على حماية أجوائها ومرافقها الحيوية، وهو ما أكدته صحيفة "التايمز" البريطانية في تحليلها للمشهد الميداني بأن اتساع نطاق الضربات الجوية اليمنية والصاروخية واستهداف المطارات الحيوية قد أوجد حالة غير مسبوقة من الشلل الميداني، وأجبر شركات الطيران والجهات الشريكة على إعادة تقييم المخاطر الأمنية في المنطقة.

​تصاعدت العمليات الهجومية الدقيقة التي نفذتها القوات اليمنية في العمق السعودي، الأمر الذي دفع بالعديد من مراكز المتابعات والرصد إلى الإقرار بأن استمرار هذا النزيف يضع المنظومة السعودية الاقتصادية والأمنية أمام اختبار قاسٍ. وتطرقت وكالة "رويترز" في تغطياتها الإخبارية الميدانية إلى بيان أنّ تتابع الهجمات الصاروخية وبطائرات مسيرة بات يهدد أمن الطاقة والأنشطة اللوجستية، وأحدث حالة من التوجس الدائم لدى الشركات والمستثمرين أضرت ببيئة الأعمال.

​لا تراجع إلا باستحقاقات السلام

​عمدت السعودية في مواجهة ذلك إلى كل الخيارات المتاحة، ولأنها كانت تعاني من وهم القوة، فإن تحركها ظل مقتصراً على تكثيف الضربات الجوية، إلا أن هذا الاتجاه لم يكن في مستوى القدرة على حسم المعركة؛ إذ أثبتت تجارب الحملات الجوية السابقة لمنظومة الشر والضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية أن التفوق الجوي لا يعني القدرة على تفكيك البنية العسكرية للقوات المسلحة اليمنية أو إحداث أي تأثير على قدرتها الميدانية. وهو ما حدث فعلاً طيلة اثني عشر عاماً، تشكلت خلالها العديد من التحالفات، وتم استخدام أنواع القنابل والصواريخ التي أحدثت الكثير من الدمار في المدن اليمنية.

​وفي رصد هذا الإخفاق العسكري المترابط، أشارت مجلة "ميليتري ووتش" المتخصصة في الشؤون العسكرية والاستخباراتية إلى أن الاعتماد المكثف على الضربات الجوية والاستهداف بعيد المدى قد أثبت عجز التفوق الجوي التقليدي عن شل القدرات الهجومية الباليستية للطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة أو الحد من اندفاعها. هذا التوصيف العسكري الصريح يُبرز كيف أن التطور التكنولوجي والتكتيكي للقوات المسلحة قد أحال التفوق الجوي السعودي إلى مجرد أداة تدمير عشوائي تنعدم فيها الجدوى الاستراتيجية والميدانية.

​مع الانسداد العسكري، طافت السعودية -بصراخها وعويلها- العالم، حيناً تحاول تأليب المجتمع الدولي ضد اليمن بحجة الملاحة، وحيناً تطلب المساعدة المباشرة بشن هجمات على اليمنيين، وحيناً تلجأ إلى تشكيل تحالفات جديدة، وحيناً تطلب من الوسيط العماني التدخل للاتفاق على هدنة. وفيما كانت كل مسارات الاستنجاد تنتهي إلى الفشل، ظل التعنت السعودي يصور له قدرته على القيام بسلسلة جرائم متجددة يرتكبها كل حين وآخر ثم العودة إلى الهدن، غير أن اليمن -هذه المرة- قد حسم أمره بعدم التراجع إلا بكامل استحقاقات السلام مهما كلف ذلك من تضحيات، وهو أمر تتفق عليه كل فئات المجتمع.

​في تقرير صحفي تحليلي، سلطت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية الضوء على الحركة السعودية المتخبطة في مواجهة الهجمات اليمنية والهروب إلى الأمام، مشيرة إلى أن مساعي الرياض لحشد حلفاء دوليين وفرض حماية أجنبية للممرات والمنشآت قد واجهت حدوداً صلبة، ما دفعها للبحث عن مخرج تفاوضي عبر الوساطات الإقليمية في ظل تزايد الخسائر. هذه الاستغاثات المتكررة بالوساطات والتحالفات الدولية كشفت للعالم أجمع أن العباءة الدفاعية التي احتمت بها الرياض قد تمزقت، وأن كل جولات الدبلوماسية لن تمنح العدو طوق نجاة ما لم ينصع بالكامل للاستحقاقات الإنسانية والسياسية العادلة للشعب اليمني.

​ندية لم تكن نتاج صدفة

​امتد هذا التهاوي الميداني السعودي ليتصل بحقيقة المعادلة السيادية والردع المباشر؛ إذ لم يعد للرياض أن تهدد وتحدد متى وأين تقصف دون أن يأتيها الجواب في لحظتها. فنهوض اليمن وإعلانه معركة التحرر لم يكن مناورة ولا بهدف الضغط من أجل تحقيق مكاسب ضيقة، وإنما توجهاً صارماً لإنهاء حالة الاستضعاف والاستباحة والتعامل مع اليمن كمنطقة جغرافية تابعة.

​من هنا أعلنت القوات المسلحة تلبية نداء الشعب اليمني الذي طال عليه القهر والمعاناة لإشباع نهم جار أخل بحق الجوار وبثوابت الدين وتعاليمه. فجاء تعاملها في مستوى الهدف، ولم تسمح للعدو أن يظل هو صاحب الكلمة، وفضحت اعتماده على عصا الآخرين، وأوجعته في صميم مقدراته واقتصاده وهيبته الإقليمية.

​وفي قراءة استراتيجية مستفيضة لميزان القوى الجديد، أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية أن صنعاء قد نجحت في فرض قواعد اشتباك ألغت قدرة الطرف الآخر على الانفراد بقرار التصعيد أو تحديد زمانه ومكانه، وأجبرته على الخضوع لمعادلة ردع متبادلة ومباشرة. هذه الندية لم تكن نتاج صدفة أو حسابات وقتية، وإنما ثمرة إرادة شعبية صلبة أدركت أن كسر شوكة العدوان لن يتم إلا بتدفيع العدو أثقل الأثمان في معاقل قراره ومفاصل اقتصاده.

​وعندما أطلق العدو وعيده وتصور أن ذلك سيكون رادعاً، جاءه الوعيد المضاد؛ فغاراته دائماً كانت جبانة، لا تستهدف إلا المدنيين وبنيتهم التحتية، وجاءه الرد بضربات موجعة في عمق مدنه، لتستمر أدخنة النيران تغطي سماءه.

​تدهور متسارع في مستويات الأمان

​وفي هذا السياق المشتعل من التصعيد المتبادل والردع القاسي، تؤكد الوقائع الاقتصادية أن انعكاسات هذه الضربات طالت المراكز الحيوية ومفاصل الإنتاج السعودي، حيث أوردت وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية، في تحليل متخصص حول تداعيات الوضع الأمني على الأسواق، أن المخاطر الأمنية المرتفعة والتصعيد العسكري المباشر يضعان الخطط الاقتصادية ورؤوس الأموال الأجنبية أمام تحديات معقدة، في ظل تزايد كلفة التأمين ومخاوف استهداف الأصول الإنتاجية.

​في ذات الاتجاه، كشفت منصة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية، المتخصصة في الشؤون الأمنية والاستخباراتية، عن قلق مكتوم داخل أروقة الحكم بالرياض، مشيرة إلى أن التقارير الأمنية المرفوعة للقيادة تحذر من أن استنزاف القدرات الدفاعية وفشل مظلات التسليح الخارجية يهددان الاستقرار الهيكلي، ويقلصان خيارات المناورة المتاحة.

هذه الحالة من الرعب الاقتصادي والشلل الاستثماري الذي تعيشه السعودية اليوم هي نتيجة طبيعية ومباشرة لاستمرار العدوان والحصار على اليمن، والإصرار على تجاهل التحذيرات اليمنية الحازمة. ​وهذا التآكل في الحضور والهيبة الذي طال عصب حياتها (النفط والاستثمار)، وهذا التدهور المتسارع في مستويات الأمان الداخلي والأمني، لا شك بأنه ينعكس مباشرة وبصورة كارثية على كافة الطموحات السعودية الاقتصادية والمشاريع المستقبلية الكبرى التي بُنيت على فرضية الاستقرار.

​تذهب التحليلات إلى أن ما يجري على الأرض ليس مجرد مناوشات، بل هو اصطدام لجدار استراتيجي صلب كشف عن عجز عميق في منظومة الردع والأمن السعودي، وتحديداً بعد أن سقطت خرافة الأمن المطلق ومظلات التسليح الدفاعي المليارية أمام ضربات دقيقة تعيد رسم خريطة الصراع من أساسها، وتضع الرياض أمام انسداد كامل للخيارات الميدانية.

​تآكل رصيد النظام السياسي والاقتصادي

​هذا التشخيص العسكري الدقيق، القائم على انعكاسات الواقع الميداني، هو الذي يدفع أيضاً بالعديد من مراكز الفكر الغربية إلى الإقرار بالتآكل المستمر لمكانة الرياض وقدرتها على الصمود. وفي قراءة مستفيضة لهذه الديناميكية الصارمة، أكد معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في دراسة تحليلية أن تداعي الهيبة الأمنية وسقوط معادلات الردع المسبقة يفرضان على الأطراف الإقليمية الاعتراف بواقع الندية القائم، بدلاً من المراهنة على خيارات القوة الحاسمة للسعودية التي أثبتت عجزها على أرض الواقع، ما يؤكد أن سقوط أسطورة الدفاع المطلق تحت وقع الضربات المركزية أطاح بالمركب الاستعلائي للعدو، وأجبره على تجرّع مرارة الفشل والتخبط الاستراتيجي.

​تذهب مجلة "ذا إيكونوميست" إلى أن استمرار المواجهة وتوسع بنك الأهداف اليمني ليطال مراكز الإنتاج والموانئ والمطارات يمثلان كابوساً اقتصادياً للرياض، حيث يتسبب التهديد المستمر في تقويض البنية التحتية للاستثمار طويل الأجل، ويضع خطط التحول الاقتصادي في مهب الريح.

​هذا الواقع المأزوم لا شك بأنه يعكس حجم الورطة الاستراتيجية التي وضعت السعودية نفسها فيها حينما ظنت أن الحرب على اليمن ستكون مجرد نزهة عسكرية قصيرة، فإذا بها تتحول إلى استنزاف متواصل ومفتوح يأكل من رصيد نظامها السياسي والاقتصادي ويضعها أمام حقيقة عارية لا يمكن التغطية عليها بالبيانات الإعلامية أو الصفقات التسليحية الباهظة التي أثبتت عجزها الميداني المطلق.

​غرق تدريجي في أتون انهيار

​وتأسيساً على هذا الانسداد الميداني الشامل، وتنامي الخسائر الاستراتيجية على مختلف المستويات الاقتصادية والأمنية، لم يعد من مفر أمام القيادة في الرياض إلا الانصياع القسري لحقائق الميدان، والسير الجاد نحو تسوية سياسية عادلة وحوار دبلوماسي واقعي، بوصفه المخرج الوحيد لمعالجة الأزمة من جذورها، وتجنب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة تفوق قدرة البنى المؤسسية والاقتصادية على التحمل وبلا أفق للحسم. ​وواقع الحال يؤكد أن المشهد السعودي يواجه ثلاثة سيناريوهات رئيسية: إما الاستمرار في النزيف العسكري والاقتصادي والشلل التشغيلي التام تحت ضربات بنك الأهداف اليمني المتوسع، أو الهروب إلى الأمام بتصعيد أهوج يقابل بردود يمنية أشد قسوة تستهدف مراكز القرار السيادي، أو الخضوع الإجباري لضغط الميدان والانصياع الكامل للشروط اليمنية العادلة القاضية برفع الحصار الشامل ووقف العدوان ودفع استحقاقات الإعمار.

​وعليه، فإن هذه السيناريوهات تحصر الخيارات أمام النظام السعودي في زاوية ضيقة لا مجال للتملص منها؛ فإما الإقرار بواقع الفشل والقبول بشروط السلام العادل والسيادة الكاملة التي يفرضها اليمن بندية تامة، وإما الغرق التدريجي في أتون انهيار استراتيجي شامل لا مخرج منه.

​الخضوع لصوت الحقوق، أو استمرار النزيف

​وقياساً على ذلك، تؤكد مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية في تحليل استراتيجي لمستقبل الصراع أن أي كابوس استنزافي طويل الأمد سيعني بالضرورة تآكلاً مستمراً في مقومات الدولة السعودية، وأن القبول بالمعادلات الميدانية الجديدة والتجاوب مع مطالب الطرف الآخر يعد المسار الوحيد للحد من الخسائر الكارثية المترتبة على استمرار الحرب. ​يتقاطع هذا التقدير مع المعطيات الجارية على الأرض، حيث يثبت اليمن يوماً بعد يوم أن معادلة السلام لا يمكن أن تُنال بالوساطات المنقوصة أو الهدن التخديرية، بل تُفرض بفاعلية الردع والجاهزية العالية لتنفيذ أقسى الضربات الاستراتيجية في العمق السعودي.

​والحقيقة التي باتت تشكل وعي الخبراء هي أن الاستعلاء السياسي قد انتهى إلى غير رجعة أمام ثبات واقتدار القوات المسلحة اليمنية، ولم يعد بإمكان الرياض الرهان على الحماية الخارجية لتفادي فواتير العدوان والحصار.

​وأمام توالي شلل المطارات والمرافق الحيوية، باتت الكرة في الملعب السعودي؛ فإما الاستجابة لصوت الحقوق والوفاء باستحقاقات السلام الشامل عبر رفع الحصار ودفع تعويضات الإعمار دون تسويف، وإما الاستمرار في الغطرسة لمواجهة ضربات متصاعدة تطال صميم مراكز القرار السيادي والاقتصادي، لتترك الرياض تواجه مصيرها المحتوم تحت وطأة النزيف الشامل، وعجز لا تملك أمامه سوى الانصياع النهائي لإرادة الحقيقة اليمنية.