موقع أنصار الله . تقرير 

تتجه أنظار العالم هذه الأيام إلى الحرائق التي تطال منشآت النفط السعودية، وإلى استهداف السفن والمنشآت الحيوية، وإلى مشهد الطائرات الغائبة عن سماء الرياض وتعليق الرحلات في مطار خالد الدولي ومطارات سعودية أخرى، تتسابق وكالات الأنباء إلى نقل صور الحرائق، وتتابع الشاشات اضطراب حركة الطيران، وتُفرد التحليلات مساحات واسعة لبحث التداعيات الاقتصادية والأمنية، وكأن المنطقة استيقظت فجأة على حرب هبطت من السماء بلا مقدمات، وكأن ما يجري في السعودية حادثة منفصلة عن تاريخ طويل من الدم والدمار والحصار الذي عاشه اليمنيون.

هنا تكمن المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها العالم طويلاً، كيف تحظى الحرائق في المنشآت السعودية بكل هذا الاهتمام، بينما تغيب عن الذاكرة العامة حرائق البيوت اليمنية التي أشعلتها الغارات السعودية؟ وكيف يصبح توقف الرحلات في مطار الرياض خبراً دولياً عاجلاً، فيما لا يحظى إغلاق مطار صنعاء وما ترتب عليه من حرمان آلاف المرضى من السفر للعلاج بالاهتمام نفسه؟ ولماذا تبدو معاناة الاقتصاد السعودي حدثاً يستدعي التحليل الفوري، فيما تُصرف الأنظار عن معاناة اليمنيين على مدى 12 عاما؟.

إن ما يجري اليوم في السعودية لا يمكن قراءته بمعزل عن الحرب التي قادتها الرياض على اليمن منذ عام 2015، وعن الغارات التي أزهقت أرواح المدنيين، وعن الحصار الذي ضيّق على الغذاء والدواء والوقود، وعن تدمير البنية التحتية، وعن سنوات طويلة عاش فيها ملايين اليمنيين تحت ضغط القصف والفقر والجوع وانهيار الخدمات.

إن العمليات العسكرية اليمنية الراهنة تأتي في سياق الرد على العدوان السعودي وما خلّفه من مآسٍ، وفي إطار معادلة يرفعها اليمنيون عنواناً لموقفهم "الحصار بالحصار"، والرد على الاعتداء بما يفرض على الطرف المعتدي أن يدرك أن الحرب لها كلفة، وأن أمن الآخرين لا يمكن أن يتحول إلى امتياز دائم لدولة تمارس الحرب على جيرانها.

لقد اعتاد العالم أن ينظر إلى اليمن من زاوية الضحية الصامتة؛ بلد فقير، وشعب يواجه الجوع والمرض، وأطفال يبحثون عن الغذاء، ومستشفيات تعاني نقص الأدوية، ونازحون يفتشون عن مأوى غير أن هذه الصورة، على قسوتها، تبقى ناقصة ما دامت تفصل المأساة عن أسبابها، وتعرض نتائج الحرب دون تسمية الجهة التي قادت التدخل العسكري وأسهمت في صناعة ذلك الواقع فالمأساة اليمنية لا تُفهم عبر مشاهد الجوع وحدها، ولا عبر أعداد المرضى والنازحين وحدها؛ إنها تُفهم أيضاً من خلال سنوات القصف والحصار السعودي والقيود المفروضة من قبل الرياض على حركة الناس والبضائع، ومن خلال ما أصاب المؤسسات المدنية والخدمات الأساسية من دمار وتعطيل.

مجازر المدنيين.. ذاكرة لا يجوز محوها

في سجل العدوان السعودي الأمريكي على اليمن محطات دامية تركت آثارها في ذاكرة المجتمع، من بينها استهداف حافلة طلاب في ضحيان، والمجزرة التي طالت مجلس عزاء في القاعة الكبرى بصنعاء، والهجوم على حفل زفاف في سنبان، إلى جانب الهجمات التي طالت أسواقاً ومنازل ومدارس ومخيمات للنازحين، وتكشف هذه الوقائع حجم الخطر الذي واجهه المدنيون في أماكن يفترض أن تكون بعيدة عن ساحات القتال.

ووفق بيانات وزارة الصحة للفترة من 3 سبتمبر إلى 15 أكتوبر 2026، بلغ عدد الشهداء 120 شخصاً، فيما وصل عدد الجرحى إلى 307، ليبلغ مجموع الضحايا 427 شخصاً، مع تجاوز نسبة النساء والأطفال 60 في المئة من الإجمالي وتركزت أعداد كبيرة من الضحايا في محافظات تعز وصعدة والجوف، وارتفعت الحصيلة التراكمية المعلنة لضحايا العدوان السعودي منذ 26 مارس 2015م إلى 53 ألفاً و215 شهيداً وجريحاً، بينهم 16 ألفاً و349 شهيداً.

من الغارات إلى انهيار القطاع الصحي

على امتداد سنوات العدوان، تعرض القطاع الصحي اليمني لضربات سعودية متراكمة فقد استهدفت الغارات السعودية منشآت طبية، وتضررت المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف، بينما أدى الحصار إلى صعوبة في الاستيراد وشح الوقود والأدوية و إضعاف قدرة المؤسسات الصحية على الاستمرار ووفق البيانات الصادرة عن وزارة الصحة، طالت الاعتداءات السعودية أكثر من 55 قطاعاً صحياً، ودُمّر 139 مستشفى تدميراً كاملاً، وتضررت 190 سيارة إسعاف.

هذه الأرقام تختصر جانباً من الكارثة، لكنها لا تشرح وحدها ما يعنيه انهيار المرفق الصحي في حياة الإنسان، فالمستشفى الذي يفقد أجهزة التشخيص أو الأكسجين أو الوقود لا يتوقف عند حدود المبنى؛ إنه يفقد القدرة على إنقاذ المصابين، وتتعطل غرف العمليات، وتتراجع خدمات الطوارئ، وتتحول الأمراض القابلة للعلاج إلى تهديد مباشر للحياة، وحين تتكرر هذه الظروف في بلد أنهكته الحرب، يصبح الحصول على العلاج رحلة شاقة تبدأ بالبحث عن الدواء، وتمر بتدبير تكاليف النقل، وتنتهي أحياناً أمام باب مستشفى عاجز عن تقديم الخدمة، وكل هذه المعاناة صنعها العدو السعودي دونما رادع ودون أي تدخل حقيقي من قبل الأمم المتحدة أو مجلس أمنها، فهل من المعقول أن يصمت الشعب اليمني أمام هذه الكارثة.

تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن أكثر من 1600 صنف من الأدوية غير متوافر، مع قيود سعودية تطال أكثر من 12 نوعاً من أدوية السرطان، ويواجه أكثر من 40 ألف مريض بالثلاسيميا وفقر الدم الانحلالي نقصاً في الأدوية والمحاليل اللازمة لإزالة الحديد المتراكم في أجسامهم، فيما يحتاج أكثر من 8 آلاف مريض بالفشل الكلوي إلى أجهزة الغسيل والأدوية والمستلزمات الضرورية لاستمرار علاجهم، أما مرضى السرطان، الذين يتجاوز عددهم 125 ألفاً، فيواجهون نقصاً في الأدوية يهدد فرصهم في الحصول على العلاج المناسب.

وخلف كل رقم من هذه الأرقام إنسان له أسرة، وأم تنتظر تحسن طفلها، وأب يحاول تأمين جرعة دواء قد تفصل بين الحياة والموت، وحين يُحرم المريض من علاجه بسبب نقص الدواء أو تعذر السفر أو توقف جهاز طبي عن العمل لأن السعودي أراد ذلك، فإنه من الإجرام بحق البشرية السكوت على هكذا جرائم.

ومن هنا تبرز المسؤولية السعودية عن الحرب التي قادتها الرياض، وعن الآثار التي خلّفتها العمليات العسكرية والقيود المرتبطة بها على حياة المدنيين، فتدمير المنشآت المدنية، وتعطيل الخدمات، وعرقلة وصول الاحتياجات الأساسية، كلها قضايا تستوجب المساءلة والبحث الجاد في المسؤوليات، بعيداً عن محاولات فصل النتائج الإنسانية عن الظروف التي صنعتها، وهذا ما يعمل عليه الشعب اليمني في الوقت الراهن.

مطار صنعاء.. سنوات من الحرمان في مقابل أيام من الاضطراب

من أكثر المفارقات وضوحاً في المشهد الراهن أن توقف مطار خالد الدولي في الرياض، وتعليق الرحلات إليه، باتا محوراً رئيسياً في التغطية الدولية، بينما ظل مطار صنعاء الدولي طوال سنوات الحرب رمزاً لمعاناة ممتدة لا تحظى بالاهتمام ذاته.

إن المطار بالنسبة إلى مريض السرطان أو الطفل الذي يحتاج إلى عملية جراحية متخصصة أو المريض الذي تعذر علاجه محلياً، يتجاوز كونه منشأة للنقل الجوي، إنه طريق إلى العلاج، ونافذة قد تتيح فرصة للنجاة، وممر لوصول المعدات الطبية وقطع الغيار والأدوية التي تحتاج إلى نقل سريع، وحين يُغلق هذا الطريق أو تُفرض قيود تعوق استخدامه، تتقلص الخيارات أمام المرضى، وتزداد الأعباء على الأسر، ويصبح السفر للعلاج امتيازاً يعجز كثيرون عن الوصول إليه.

ووفق البيانات الصادرة عن وزارة الصحة، استمر إغلاق مطار صنعاء لأكثر من عشر سنوات، بما ترتب عليه من صعوبات في سفر المرضى وتوفير المعدات الطبية وقطع الغيار، وخلال هذه الفترة، عاش اليمنيون آثار العزلة الجوية في تفاصيل حياتهم اليومية، فيما كان العالم يتعامل مع القيود المفروضة على الحركة باعتبارها جانباً من جوانب الحرب، دون أن يمنح انعكاساتها الإنسانية ما تستحقه من متابعة مستمرة.

وعندما تتوقف الرحلات في الرياض أياماً، تتصدر صور الطائرات المتوقفة ومدارج المطار الفارغة نشرات الأخبار، وتُحسب الخسائر الاقتصادية، وتُناقش آثار الاضطراب على الاستثمارات والسياحة والفعاليات الدولية أما حين يُحرم اليمني من السفر للعلاج لسنوات، فإن مأساته تمر دون أي التفاتة جادة.

المقارنة هنا تكشف ازدواجية الاهتمام، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول قيمة حياة الإنسان في الحسابات الدولية، فهل يستحق إغلاق عدة مطارات في السعودية عدة أيام، التغطية لأنها تحدث في بلد غني ومؤثر اقتصادياً، بينما تتحول معاناة اليمني إلى مشهد مألوف فقد قدرته على إثارة الاهتمام؟ وهل يتعين على العالم أن ينتظر وصول الحرب إلى منشآت النفط والمطارات حتى يلتفت إلى نتائجها، فيما عاش اليمنيون آثارها في بيوتهم ومستشفياتهم وأسواقهم ومدارسهم طوال أعوام؟ والشيء المؤسف أن المجتمع الدولي لم يأخذ بحق الشعب اليمني وفي نفس الوقت يقف عائقا أمام الشعب اليمني حينما قرر انتزاع حقه؟!.

أطفال اليمن في قلب المأساة

تبدو الكلفة الإنسانية للحرب أكثر فداحة حين نصل إلى الأطفال، فهؤلاء الذين يفترض أن تكون سنواتهم الأولى مرحلة للنمو والتعلم والأمان، وجدوا أنفسهم في مواجهة سوء التغذية، ونقص الغذاء، وانهيار الخدمات الصحية، وفقدان المعيل، والنزوح، والخوف من القصف والصواريخ السعودية.

ووفق وزارة الصحة، يعاني نحو 3.6 ملايين طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم 1.8 مليون طفل في حالة سوء تغذية حاد وخيم، وتتجاوز نسبة التقزم بين الأطفال دون الخامسة 45 في المئة، فيما تأثر أكثر من عشرة ملايين طفل خلال الفترة الممتدة من عام 2017 إلى عام 2024.

هذه الأرقام لا تمثل أزمة لا يعرف العالم من صنعها، بل الجميع يدرك ذلك جيدا ويعرف أن انعكاسات هذه الأزمة تهدد النمو الجسدي والعقلي لأجيال كاملة فالطفل الذي لا يحصل على التغذية اللازمة في سنواته الأولى قد يحمل آثار الحرمان معه طوال حياته، والطفل الذي يتعذر وصوله إلى العلاج يصبح أكثر عرضة لمضاعفات كان بالإمكان تفاديها، ومع استمرار الفقر وتراجع الخدمات وتضرر البنية التحتية، تتراكم الأضرار وتتسع الفجوة بين احتياجات الأطفال وما تستطيع الأسر والمؤسسات توفيره.

وتشير وزارة الصحة كذلك إلى أن أكثر من ستة ملايين امرأة حامل ومرضعة يواجهن آثار سوء التغذية الحاد أو المتوسط، وأن أكثر من 1.8 مليون امرأة يعانين سوء التغذية، فيما يتجاوز عدد المصابات بفقر الدم مليون امرأة، وعندما تتضرر صحة الأم، تتأثر صحة الطفل أيضاً، وتصبح الولادة والرعاية المبكرة أكثر خطورة، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات الصحية المنتظمة.

وتتسع الدائرة لتشمل أكثر من 17 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وأكثر من 24 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وفق الأرقام التي كشفتها وزوارة الصحة، إنها صورة بلد تتعرض قدرته على توفير أبسط مقومات الحياة لضغط سعودي هائل، بينما تتراجع الموارد وتزداد الاحتياجات وتصبح المساعدات الإنسانية ضرورة يومية لملايين الأسر.

وعندما تُذكر هذه الأرقام، ينبغي أن يُطرح السؤال عن أسبابها ومسؤوليات الأطراف التي أسهمت في إنتاجها واستمرارها، فالفقر الذي يعيشه اليمنيون لا يمكن فصله عن آثار الحرب السعودية والدمار الذي أصاب البنية التحتية، والقيود السعودية على الواردات والحركة، والاضطراب الاقتصادي الذي امتد عبر سنوات وتتحمل السعودية مسؤولية أساسية عن الحرب التي قادتها على اليمن، وما نتج عنها من أضرار جسيمة طالت المدنيين والخدمات الأساسية.

لماذا يرى العالم ما يحدث في السعودية ولا يرى ما سبقه في اليمن؟

لا تكمن المشكلة في أن تتناول وسائل الإعلام ما تتعرض له السعودية من هجمات أو في أن تتابع أثرها على حركة الطيران والطاقة والتجارة، فمن حق الجمهور معرفة ما يحدث، المشكلة تظهر عندما تتحول التغطية إلى رواية تبدأ من لحظة الرد اليمني، وتتجاهل سنوات الحرب التي سبقتها، أو حين تُعرض العمليات اليمنية باعتبارها بداية الحكاية، بينما تُدفع الوقائع التي صنعت سياقها إلى الهامش.

فالخبر الذي يتحدث عن حريق في منشأة نفطية أو اضطراب في مطار دولي يظل ناقصاً إذا عُزل عن سياق العدوان، والتحليل الذي يناقش خسائر السعودية الاقتصادية والأمنية ينبغي أن يضع في الحسبان أيضاً الخسائر البشرية والصحية والمعيشية التي تكبدها اليمنيون منذ عام 2015. أما الحديث عن التصعيد، فيفقد جزءاً أساسياً من معناه إذا جرى التعامل معه كأنه ظهر من فراغ، دون الإشارة إلى العدوان السعودي على اليمن، وإلى آثار القصف والحصار والقيود التي طالت حياة السكان.

لا سلام مع ذاكرة مبتورة

بعد اثني عشر عاماً من العدوان السعودي، يقف اليمن أمام حصيلة ثقيلة من الضحايا والمرضى والأطفال الذين فتكت بهم قنابل العدوان وأنهكهم سوء التغذية، ومن المستشفيات التي تراجعت قدرتها على العلاج، ومن الأسر التي فقدت منازلها أو معيلها، ومن المرضى الذين تعذر عليهم الوصول إلى الدواء أو السفر لإنقاذ حياتهم، هذه الحصيلة تستحق أن تكون في قلب النقاش الدولي، لا في هامشه، وتستحق أن تُربط بالقرارات والعمليات والقيود التي أسهمت في صنعها.

وإذا كان العالم يتابع اليوم حرائق أرامكو واضطراب المطارات السعودية والتهديدات التي تطال حركة الملاحة والمنشآت الحيوية، فمن حق اليمنيين أن يسألوا أين كان هذا الاهتمام حين كانت الغارات تضرب منازلهم وأسواقهم ومدارسهم؟ وأين كانت هذه الحساسية تجاه تعطيل الحياة اليومية حين حُرم المرضى من السفر للعلاج، وحين واجهت المستشفيات نقص الدواء والوقود، وحين عاش الأطفال تحت وطأة الجوع وسوء التغذية؟.

وعند النظر إلى حجم الإجرام السعودي بحق الشعب اليمني، يمكن فهم العمليات العسكرية اليمنية في العمق السعودي بأنها لم تأتي من فراغ وأن الشعب اليمني يملك المشروعية الدينية والأخلاق للاقتصاص من جلاديه وانتزاع حقوقه بقوة السلاح فلا معنى للأمم المتحدة ولا دور لمجلس الأمن في نصرة المظلوم.